كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية عن حملة دعائية رقمية واسعة النطاق استمرت ثلاث سنوات، واستهدفت المسلمين والمهاجرين في فرنسا وعدد من الدول الأوروبية، عبر آلاف الإعلانات المدفوعة ومقاطع الفيديو والحسابات الإلكترونية، في عملية قدرت مشاهداتها وتعرضاتها المسجلة والمتوقعة بنحو 831 مليونًا، وسط مؤشرات تقنية وبحثية ترجّح ارتباط جانب من إنتاجها بجهات تعمل داخل "إسرائيل".

ونشرت الصحيفة تحقيقها ، استنادًا إلى دراسة أعدها الباحث مارك أوين جونز، الأستاذ بجامعة نورثويسترن الأميركية في قطر، والباحث المستقل سوهان دسوزا، بعد تتبع نشاط الشبكة وأرشفة موادها على مدى ثلاث سنوات.

وتصوّر الحملة قطر باعتبارها جهة تمول الإرهاب، وتقف وراء موجات الهجرة إلى أوروبا، وتسعى إلى تغيير الهوية الثقافية والدينية للقارة عبر ما تصفه الإعلانات بـ«أسلمة أوروبا»، كما تتضمن موادها رسائل معادية للمسلمين والمهاجرين، وتستند إلى نظرية المؤامرة المعروفة باسم «الاستبدال الكبير»، التي تزعم وجود مخطط لإحلال المهاجرين، خصوصًا المسلمين، محل السكان الأوروبيين.

وقدّر الباحثان حجم التعرضات المسجلة بنحو 533 مليونًا، ترتفع إلى قرابة 831 مليونًا عند احتساب الإعلانات التي يُرجح أن الأرشيفات لم تتمكن من رصدها، وسجلت فرنسا وحدها نحو 120 مليون تعرض، بينما رجحت «لوموند» أن تكون الميزانية الإجمالية للحملة قد تجاوزت 10 ملايين يورو.

فرنسا في مقدمة الدول المستهدفة

برزت فرنسا خلال الأشهر الأخيرة باعتبارها إحدى أبرز ساحات الحملة، إذ رصد الباحثان نحو 120 مليون تعرض لموادها الدعائية داخل البلاد، مع تزايد الإعلانات التي تخاطب مخاوف الفرنسيين من الهجرة والتغيرات الديموغرافية والحضور الإسلامي.

وتنوعت المواد المنشورة بين مقاطع مصورة وإعلانات ساخرة ورسوم ومشاهد مولدة بالذكاء الاصطناعي، جرى تصميمها لتقديم المسلمين والمهاجرين باعتبارهم تهديدًا للهوية الأوروبية.

ومن أبرز الأمثلة مقطع يحاكي لعبة الفيديو الشهيرة «غراند ثيفت أوتو»، لكن بعنوان ساخر هو «غراند ثيفت قطر»، ويظهر فيه شخص يرتدي زيًا خليجيًا، يتجول في مدن أوروبية ويشتري مباني لتحويلها إلى مساجد، في تصوير يربط الاستثمارات القطرية والحضور الإسلامي المزعوم بمشروع للسيطرة على أوروبا.

وفي مقاطع أخرى، تظهر صور مهاجرين في شوارع ومدن أوروبية، مصحوبة بعبارة «قطر هي المسؤولة»، في محاولة لإلصاق مسؤولية الهجرة الجماعية بالدوحة.

كما استخدمت الحملة مشاهد تاريخية تصور الفتوحات الإسلامية، ثم ربطتها بوجود المسلمين في أوروبا حاليًا، لتقديم الهجرة المعاصرة باعتبارها امتدادًا لغزو تاريخي، وليس ظاهرة اجتماعية واقتصادية لها أسبابها ومساراتها المتعددة.

«الاستبدال الكبير».. نظرية المؤامرة في خدمة الدعاية

استند جانب كبير من المواد الدعائية إلى نظرية «الاستبدال الكبير»، وهي سردية مؤامراتية يتداولها اليمين المتطرف في أوروبا والولايات المتحدة، وتزعم أن السكان الأوروبيين الأصليين يتعرضون لعملية إحلال سكاني متعمدة من خلال الهجرة، خصوصًا القادمة من دول إسلامية.

وتعيد الحملة توظيف هذه النظرية من خلال وضع قطر في موقع الجهة التي تدير هذا المخطط المزعوم، وتقديم الاستثمارات القطرية والمؤسسات الإسلامية والهجرة والمساجد باعتبارها حلقات مترابطة في مشروع واحد.

ولم تتوقف المواد عند الاتهامات السياسية، بل استخدمت أغانٍ ساخرة مولدة بالذكاء الاصطناعي، ومشاهد من الحياة اليومية للمسلمين في أوروبا، ورسائل تحذر الأوروبيين من فقدان عاداتهم وتقاليدهم بسبب الهجرة.

ومن بين المواد التي رصدها التقرير مقاطع تستغل أجواء أعياد الميلاد في أوروبا لتصوير المسلمين باعتبارهم يسعون إلى فرض قواعد دينية على المجتمعات الأوروبية، وتربط بين وجودهم في الشوارع ومزاعم تغيير الثقافة المسيحية للقارة.

وتشير الدراسة إلى أن هذه الرسائل لم تكن منفصلة عن استهداف قطر، بل جرى دمجها في خطاب واحد يجعل من المسلمين،والدوحة، والمهاجرين، أطرافًا في رواية دعائية متكررة.

30 دولة وثلاث مراحل من النشاط

لم تقتصر الحملة على فرنسا، بل امتد نشاطها إلى 30 دولة في أوروبا والأميركتين وآسيا والشرق الأوسط، وفق قاعدة البيانات التي جمعها الباحثان.

ويغطي التقرير الفترة من أكتوبر 2023م، الموافق ربيع الأول 1445هـ، حتى أكتوبر 2026م، الموافق جمادى الأولى 1448هـ، ويقسم نشاط الشبكة إلى ثلاث مراحل رئيسية:

المرحلة الأولى: من أكتوبر 2023م إلى يوليو 2024م، وتركزت بصورة كبيرة على إعلانات فيسبوك.

المرحلة الثانية: خلال نوفمبر وديسمبر 2024م، وشهدت نشاطًا أقل حجمًا استهدف المجر بصورة خاصة.

المرحلة الثالثة: بدأت في أكتوبر 2025م، واستمرت حتى أكتوبر 2026م، مع توسع استخدام فيسبوك ويوتيوب وتيك توك.

ووفق البيانات الإقليمية في الدراسة، سجلت أوروبا نحو 393.5 مليون تعرض، بما يمثل قرابة 76% من إجمالي التعرضات المسجلة التي أمكن تحديد وجهتها الجغرافية، وجاءت بريطانيا في مقدمة الدول بحسب حجم التعرضات بنحو 154 مليونًا، تلتها فرنسا بنحو 121 مليونًا، ثم الولايات المتحدة بنحو 100 مليون.

وتؤكد هذه الأرقام أن الحملة لم تكن موجهة إلى فرنسا وحدها، وإن كانت قد أصبحت خلال الفترة الأخيرة أكثر تركيزًا عليها، بالتزامن مع اقتراب استحقاقات سياسية وانتخابية مهمة.

الانتخابات الأوروبية في توقيت الإعلانات

رصد الباحثان ارتباطًا بين توقيت نشر بعض المواد الدعائية ومواعيد الانتخابات في الدول المستهدفة. ففي فرنسا، تركز جانب من الإعلانات خلال الأشهر السابقة للانتخابات الأوروبية في 2024م، الموافق 1445هـ. وفي بريطانيا، توقف جزء من النشاط الإعلاني قبل الإعلان عن الانتخابات العامة في مايو 2024م، الموافق شوال 1445هـ.

وفي ألمانيا، توقفت عمليات شراء إعلانات مرتبطة بالحملة بصورة مفاجئة قبيل الانتخابات المحلية في ولاية ساكسونيا أنهالت في سبتمبر 2026م، الموافق ربيع الأول 1448هـ، ثم عادت لاحقًا.

أما في المرحلة الحالية، فيلفت الباحثان إلى استمرار نشر مواد معادية للمسلمين والهجرة في فرنسا وإيطاليا، اللتين تستعدان لاستحقاقات انتخابية خلال عام 2027م، الموافق 1448-1449هـ.

ويرى الباحثان أن توافق توقيت الحملات مع المواعيد الانتخابية قد يشير إلى محاولة التأثير في المزاج السياسي العام قبل الاقتراع، من خلال تكرار الرسائل المتعلقة بالهجرة والإسلام والهوية الوطنية.

لكن الدراسة لا تعتبر هذا التزامن وحده دليلًا على أن الحملة نجحت في تغيير نتائج الانتخابات أو توجيه أصوات الناخبين، وإنما تسجله بوصفه نمطًا متكررًا يستحق الانتباه عند تقييم أهداف العملية.

حسابات وهمية وإعلانات تتجاوز الرقابة

لم تعتمد الشبكة على منصة واحدة أو حسابات ثابتة، بل استخدمت بنية رقمية متعددة المستويات لتوسيع انتشار المحتوى وإخفاء الجهات التي تقف وراءه، وأحصى الباحثان 1473 إعلانًا على فيسبوك، و189 مقطع فيديو منشورًا عبر 15 قناة على يوتيوب، و359 إعلانًا على تيك توك، إضافة إلى 105 مقاطع على حساب مرتبط بحملة تحمل اسم "لا للاحتلال الإيراني".

وبلغت المشاهدات العامة لمقاطع يوتيوب المسجلة في الأرشيف نحو 132 مليون مشاهدة، بينما وصل نطاق الوصول المعلن لإعلانات تيك توك إلى 72.2 مليونًا.

وامتد النشاط إلى منصات أخرى، حيث استخدمت الشبكة حسابات على «إكس» وتلغرام، ونشرت عريضة إلكترونية على منصة «Change.org» باسم منظمة حقوقية وهمية، جمعت أكثر من 7500 توقيع، كما رصد الباحثان شبكة تضم ما لا يقل عن 24 حسابًا استخدمت في تعديل مقالات على موسوعة ويكيبيديا وإضافة روابط ومحتوى يخدم الرواية المعادية لقطر.

وتكشف هذه الوسائل عن تعدد أدوات الحملة، فهي لم تكتف بشراء الإعلانات، وإنما استخدمت حسابات مجهولة، ومواد مصورة، ومواقع إلكترونية، وعريضة جماهيرية، وتعديلات موسوعية، بهدف توسيع حضور رسائلها عبر مسارات مختلفة.

تمويل مجهول وشركات وسيطة في دول مختلفة

لم يتمكن الباحثان من تحديد الجهة النهائية التي موّلت الحملة أو أصدرت التكليف بتنفيذها، وأظهرت سجلات الإعلانات استخدام شركات وحسابات تجارية مسجلة في البرازيل وبلجيكا وفيتنام، مع تبدل أسماء المعلنين والجهات المسجلة بوصفها مستفيدًا من الإعلانات أو ممولًا لها.

كما استخدمت الحملة وسطاء لتشغيل الإعلانات، من بينهم شركة فيتنامية، قبل أن تظهر لاحقًا حسابات وأسماء لمعلنين في البرازيل، وساعد هذا التعدد في إخفاء الجهة صاحبة القرار، إذ لم تكن الشركات المسجلة في سجلات المنصات بالضرورة هي الجهات التي وضعت المحتوى أو دفعت تكلفته النهائية.

وفي إحدى الحالات، قال ممثل جهة فيتنامية للباحثين إنه كان يعمل لحساب عميل مجهول، بينما أشارت سجلات أخرى إلى تغير حسابات المعلنين رغم استمرار استخدام المواد والقنوات الدعائية نفسها.

وتوضح الدراسة أن الإنفاق الإعلاني المسجل بلغ نحو 5.08 ملايين دولار، ويمكن أن يصل إلى 8.22 ملايين دولار وفق تقدير موسع يشمل الإعلانات التي لم يتمكن الأرشيف من تسجيلها. وهذه أرقام تخص الإنفاق الإعلاني وفق منهجية الدراسة، ولا تشمل بالضرورة تكاليف إنتاج المقاطع والأجور والبنية التشغيلية والأنشطة الميدانية، لذلك لا تتطابق مباشرة مع تقدير «لوموند» للميزانية الإجمالية التي رجحت تجاوزها 10 ملايين يورو.

لماذا ظهر اسم إيران في خانة الممول؟

من التفاصيل اللافتة في التحقيق أن بعض الإعلانات على تيك توك أظهرت اسم إيران في خانة الجهة التي اشترت الإعلان أو مولته.

لكن الباحثين شككوا في صحة هذه البيانات، موضحين أن الخانة لم تكن موثقة بما يكفي لإثبات هوية الممول، وأنها بدت في حالات عديدة حقلًا نصيًا يمكن إدخال معلومات غير متحقق منها فيه.

ووفق الدراسة، ظهر اسم «إيران» في خانة الممول في 123 إعلانًا ضمن البيانات المؤرشفة، بينما ظهرت في إعلانات أخرى أسماء مرتبطة بالحملة نفسها.

وسجل الباحثان كذلك إعلانات تدعو إلى تغيير النظام في إيران، بلغ نطاق الوصول المسجل لها نحو 12.6 مليونًا، وبدأ نشرها قبل أيام من الهجوم الأميركي-"الإسرائيلي" على إيران في فبراير 2026م.

قرائن تقنية تشير إلى إنتاج داخل "إسرائيل"

كان تحديد الجهة المحتملة وراء الحملة أحد أكثر أجزاء التحقيق تعقيدًا، واعتمد الباحثان على فحص بيانات الملفات المصورة المحفوظة في تلغرام، وسجلات التعديل على ويكيبيديا، وعناوين الاتصال الإلكترونية، إلى جانب مقارنة أنماط العمل والأسماء المستخدمة في ملفات الإنتاج.

واستعاد الباحثان بيانات التحرير المدمجة في 78 ملف فيديو، وتبين أن 77 منها تحمل توقيعًا تقنيًا مشتركًا يشير إلى استخدام أدوات إنتاج متشابهة، كما أظهرت البيانات أن 3626 حدث تحرير من أصل 4030 جرى تسجيلها وفق التوقيت العالمي +3، وأن عمليات إنتاج المقاطع تركزت في أيام العمل من الأحد إلى الخميس، خلال ساعات النهار، مع تغير التوقيت إلى +2 في الموعد الذي انتقلت فيه "إسرائيل" إلى التوقيت الشتوي في أكتوبر 2024م، الموافق ربيع الآخر 1446هـ.

وتضمنت الملفات كذلك أسماء مجلدات ووسائط تخزين وعبارات مكتوبة بالعبرية، من بينها أسماء مثل «SHAHAR» و«ShukidToGo»، فضلًا عن وجود عنوان اتصال ثابت داخل "إسرائيل" ظهر خلال جلسة تعديل على ويكيبيديا في يناير 2024م، الموافق رجب 1445هـ.

وخلص الباحثان إلى أن اجتماع هذه المؤشرات يدعم ترجيح أن جانبًا من إنتاج الحملة جرى من داخل "إسرائيل"، وليس مجرد استخدام خدمات تقنية مسجلة فيها.

«ShukiD».. اسم ظهر في ملفات الإنتاج

من الأسماء التي لفتت انتباه الباحثين «ShukiD»، الذي ظهر ضمن اسم وحدة تخزين احتوت على ملفات ومشروعات مرتبطة ببعض مواد الحملة، ويرتبط الاسم بمنتج ومصمم إسرائيلي يدعى شوكي دوخوفني، عمل في مجال إنتاج الفيديوهات السياسية، وظهرت في سجله أعمال لحملات انتخابية داخل "إسرائيل" وخارجها.

كما رصد التحقيق صلات مهنية سابقة بين دوخوفني وشخصيات عملت في مجال الاتصال السياسي، من بينها ليئور حوريف، أحد المشاركين في مشروع سابق لمقاطعة قطر.

لكن الدراسة وضعت حدودًا واضحة لهذا الربط، إذ لم تثبت أن دوخوفني امتلك وحدة التخزين التي ظهر عليها الاسم، أو استخدمها، أو شارك في تنفيذ الحملة. كما لم يجد الباحثان تطابقًا مميزًا بين الملفات التقنية للحملة والمواد المنشورة في أرشيف أعماله. وبالتالي، ورد اسم «ShukiD» باعتباره خيطًا للتحقيق والمتابعة.

مشروع سابق لمقاطعة قطر

استعادت الدراسة كذلك مشروعًا منفصلًا ظهر بعد أحداث 7 أكتوبر 2023م، الموافق 22 ربيع الأول 1445هـ، ودعا إلى مقاطعة قطر على خلفية اتهامات بتمويل حركة حماس.

وبحسب ما نشرته صحيفة «هآرتس» في سبتمبر 2026م، الموافق ربيع الأول 1448هـ، جمع المشروع نحو 30 مستشارًا وخبيرًا في الاتصال السياسي والدعاية والحرب النفسية، إلى جانب شخصيات من المجال العام، وتضمن المشروع إعداد مواد إعلامية متعددة اللغات، وإنشاء حسابات ومواقع إلكترونية، واستهداف شركات ومؤسسات قطرية، ومحاولة التأثير في المواقف السياسية داخل الولايات المتحدة وفرنسا.

غير أن المشروع توقف بعد نحو شهر من انطلاقه، دون إعلان واضح عن أسباب التوقف، ولم يثبت أنه اشترى إعلانات ضمن نشاطه.

ورصد الباحثان تقاطعات بين أهداف ذلك المشروع وبعض الرسائل التي ظهرت لاحقًا في الحملة الرقمية، كما ظهرت أسماء أشخاص في محيط المشروع السابق تربطهم علاقات مهنية بأفراد وردت أسماؤهم في التحقيق التقني.

منصات التواصل لم توقف الحملة

واجهت الحملة إجراءات حذف وإغلاق من جانب بعض المنصات، لكنها عادت باستخدام حسابات وقنوات جديدة. فقد أزالت شركة «ميتا» الشبكة المرتبطة بالمرحلة الأولى في مايو 2024م، الموافق شوال 1445هـ، لكن الإعلانات عادت في نوفمبر من العام نفسه، ثم توسع نشاطها مجددًا في أكتوبر 2025م، الموافق ربيع الآخر 1447هـ.

وعلى يوتيوب، أغلقت المنصة خلال أكتوبر 2026م أربعة من القنوات التي رصدتها الدراسة، لكن قنوات جديدة ظهرت في 26 أكتوبر ، الموافق 15 جمادى الأولى 1448هـ، بأسماء قريبة من القنوات السابقة، وبالأوصاف والمعلنين أنفسهم.

أما تيك توك، فحذف عددًا من الإعلانات بعد أن تجاوزت مشاهدات بعضها مليون مشاهدة، بينما استمرت أنشطة أخرى عبر حسابات ومعلنين مختلفين، ورصد الباحثان أيضًا استخدام 64 هوية مختلفة لصفحات على فيسبوك، إلى جانب حسابات إعلانية متبدلة، بما أتاح للقائمين على الحملة إعادة نشر المواد بعد حذف الحسابات السابقة.

وأشار التقرير إلى مشكلات في أدوات الشفافية لدى المنصات، خصوصًا عدم التحقق الكافي من بيانات الممولين، وصعوبة معرفة المستفيد الحقيقي من الإعلان، فضلًا عن عدم الفصل الواضح بين المشاهدات المدفوعة والمشاهدات العضوية في بعض إحصاءات الفيديو.

من قطر إلى المسلمين.. دائرة الاستهداف تتسع

تكشف المواد التي جمعها الباحثان أن قطر لم تكن الهدف الوحيد للحملة، بل استخدمت رسائل ضد إيران وحزب الله في لبنان، إلى جانب محتوى يستهدف المسلمين والمهاجرين في دول غربية مختلفة.

وفي أوروبا، ركزت الحملة على ربط قطر بالهجرة والإرهاب وتغيير الهوية الثقافية، بينما حملت المواد الموجهة إلى لبنان خطابًا مناهضًا لإيران وحزب الله، وظهرت في بعض المسارات إعلانات تدعو إلى تغيير النظام الإيراني.

وتضمنت الحملة كذلك استهدافًا لمؤسسات وشركات قطرية، وربط استثمارات الدوحة في الخارج بمزاعم تهدد المجتمعات الغربية، إلى جانب محتوى تناول شخصيات قطرية ومؤسسات تعليمية وجامعات أوروبية.

وتشير الدراسة إلى أن هذه الرسائل لم تكن مجرد منشورات متفرقة، بل جزءًا من نشاط إعلاني منظم امتد إلى منصات متعددة، واستعان بمواد بلغات مختلفة، وحسابات تجارية ووسطاء من عدة دول.

من موّل الحملة؟

على الرغم من حجم البيانات والمؤشرات التقنية التي جمعها الباحثان، فإن هوية الجهة النهائية التي طلبت تنفيذ الحملة ودفعت تكلفتها لا تزال غير معروفة.

فوجود عنوان اتصال في "إسرائيل"، وبيانات إنتاج تشير إلى عمل محررين وفق توقيتها، وأسماء عبرية داخل ملفات الإنتاج، يدعم ترجيح أن بعض عمليات إعداد المحتوى جرت هناك.

ويشدد التقرير البحثي على الفرق بين تحديد مكان إنتاج المواد، وتحديد الشركات الوسيطة التي اشترت الإعلانات، والوصول إلى الجهة النهائية صاحبة القرار. كما يوضح أن الاستوديو التجاري المتعاقد معه والخلية الموجهة من جهة رسمية قد يتركان آثارًا تقنية متشابهة.