أسابيع قليلة مرت على واقعة الطفلة مريم، ذات الـ 14عامًا، والمنحدرة من أسرة شيشانية مسلمة، التي توفيت بعد نقلها إلى مؤسسة للرعاية في مدينة بيرغن النرويجية، لكن قصتها لا تزال تثير أسئلة مؤلمة حول مصير الأطفال المسلمين الذين يُنتزعون من أسرهم، وحول قدرة منظومات حماية الطفل في أوروبا على مراعاة حقوقهم الدينية والثقافية، إلى جانب مسؤوليتها عن سلامتهم الجسدية والنفسية.

وبينما تنتظر أسرة مريم كشف جميع ملابسات ما حدث لابنتها، عادت قضية «السوسيال» إلى الواجهة بوصفها واحدة من أكثر القضايا حساسية لدى قطاعات من الجاليات المسلمة في الغرب، إذ لا يتعلق الأمر بمجرد خلاف بين الآباء والمؤسسات الحكومية، بل بمصير أطفال قد يجدون أنفسهم بعيدًا عن والديهم، وفي بيئات مختلفة عنهم في الدين واللغة والثقافة، وسط مخاوف من أن تتحول إجراءات الحماية، في بعض الحالات، إلى تجربة قاسية تترك آثارًا طويلة الأمد على الطفل والأسرة.

وتتصدر النرويج، حيث تُعرف منظومة حماية الطفل باسم "بارنيفيرنت" جانبًا مهمًا من هذا الجدل، بعد سنوات من القضايا التي وصلت إلى المحاكم المحلية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، حيث أثارت واقعة مريم أسئلة بشأن مستوى الإشراف والرعاية المقدمة للأطفال الذين تتولى الدولة مسؤوليتهم، ومدى كفاية إجراءات المتابعة النفسية والصحية، وكيفية إبلاغ أسرهم بالتطورات الخطيرة التي يتعرضون لها.

وشهد أكتوبر الجاري وقفة احتجاجية أمام البرلمان النرويجي في أوسلو، شارك فيها أفراد من الجالية الشيشانية، للمطالبة بتحقيق شامل في وفاة مريم ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون، وأفادت تقارير بأن الأسرة وأفرادًا من الجالية رفضوا الرواية التي رجحتها التحقيقات الأولية بشأن الوفاة، وطالبوا بكشف جميع ملابساته.

أما على المستوى الرسمي، فقد أعلنت السلطات النرويجية أن الفحص الأولي للطب الشرعي رجّح أن الفتاة أقدمت على الانتحار، ولم يُظهر وجود مؤشرات أولية على وقوع جريمة، كما فُتح تحقيق رقابي بشأن خدمات حماية الطفل والمؤسسة التي كانت تقيم فيها.

جاء ذلك في الوقت الذي أكدت شهادات من أقارب الفتاة عن معاناتها من الجوع، وعن تقديم لحم الخنزير لها بوصفه الخيار المتاح للطعام، وهو ما يتعارض مع التزامها الديني باعتبارها مسلمة.

ما «السوسيال»؟ وكيف يمكن أن يصل الخلاف الأسري إلى فصل الطفل عن والديه؟

يُستخدم مصطلح «السوسيال» للإشارة إلى مؤسسات الرعاية الاجتماعية وحماية الطفل في عدد من الدول الأوروبية، لكنه ليس اسمًا موحدًا لجهاز واحد في القارة كلها. وفي النرويج، تتولى خدمات حماية الطفل دراسة البلاغات المتعلقة بسلامة الأطفال، وتقديم المساعدة للأسر، وقد تلجأ إلى طلب تدابير أكثر صرامة، تشمل الإيداع خارج المنزل، عندما تتوافر الشروط القانونية التي وضعوها لتبرير اختطاف الأطفال.

وتبدأ بعض الحالات ببلاغ من مدرسة أو طبيب أو جهة اجتماعية بشأن مؤشرات على تعرض الطفل للإيذاء أو الإهمال. وتُقيّم الجهات المختصة البلاغ، غير أن موضع الخلاف الأساسي يظهر عندما تتباين رؤية الأسرة والجهات الرسمية بشأن معنى الرعاية الجيدة، أو عندما تكون الأسرة حديثة الهجرة ولا تعرف تفاصيل النظام القانوني، أو تعجز عن التعبير عن موقفها بسبب اللغة.

فقد ترى الأسرة أن بعض تصرفاتها جزء من أسلوب تربوي معتاد في مجتمعها الأصلي، بينما تنظر إليها جهة رسمية باعتبارها سلوكًا يستوجب الفحص، وقد يتحول سوء الفهم إلى أزمة أكبر إذا لم تتوافر ترجمة دقيقة، أو لم تُشرح للأسرة حقوقها وإجراءات الاعتراض، أو لم تحصل على مساعدة قانونية مناسبة.

تطور مهم في 2026.. تقرير رقابي يكشف أوجه قصور في حماية الأطفال

في 21 أكتوبر 2026، نشرت هيئة الرقابة الصحية النرويجية تقريرًا عن أنشطة الرقابة والشكاوى في مجال حماية الطفل خلال عامي 2024 و2025، وهو من أبرز التطورات ذات الصلة بالملف حتى تاريخ إعداد هذا التقرير.

وأشار التقرير إلى وجود حالات لم تُقيّم فيها احتياجات الأطفال وظروفهم تقييمًا شاملًا، بما يزيد خطر عدم توفير الحماية المناسبة في الوقت المطلوب، كما أشار إلى أن بعض الأطفال الذين احتاجوا إلى أماكن إقامة بديلة انتظروا طويلًا للحصول على مكان في مؤسسة أو أسرة حاضنة.

وفي الشكاوى التي تناولت استخدام الإكراه في حالات الخطر العاجل، رأى أكثر من نصف الأطفال أن الإكراه كان مفرطًا أو استمر مدة أطول مما ينبغي، وحصل أكثر من ثلث أصحاب الشكاوى على قرارات لصالحهم.

وفي تحليل رقابي آخر، أُشير إلى فتح 139 قضية رقابية تتعلق بمؤسسات رعاية الأطفال ومراكز ذات صلة خلال عام 2025، وانتهت 9 من أصل 16 قضية جرى فيها البت في وجود مخالفات إلى ثبوت انتهاكات للقواعد القانونية، وتعلقت بعض أوجه القصور بالإدارة والرقابة الداخلية والتوظيف والكفاءة وإجراءات متابعة حقوق الأطفال.

بالنسبة إلى الأسر المسلمة، تطرح هذه النتائج سؤالًا مشروعًا: إذا كانت المؤسسات قد تواجه أوجه قصور حتى في أداء مهامها الأساسية، فما الضمانات المتاحة لطفل أُبعد عن أسرته، ولا يستطيع والده أو والدته مراقبة ظروفه اليومية بصورة مباشرة؟.

المحكمة الأوروبية.. أحكام تضع حدودًا لسلطة الدولة

لا يقتصر الجدل بشأن حماية الأطفال على النرويج وحدها، فقد وصلت قضايا تتعلق بالفصل الأسري والرعاية البديلة والتبني إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، التي تنظر في مدى توافق تصرفات الدول مع الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

وفي يونيو 2026، أصدرت المحكمة حكمًا في قضية  L.L. and P.L. v. Norway، المتعلقة باستبدال الرعاية البديلة لطفل بالتبني، وخلصت المحكمة إلى أن السلطات النرويجية لم تقدم أسبابًا كافية لإثبات وجود ظروف استثنائية تجعل التبني ضروريًا في ضوء المصلحة الفضلى للطفل، واعتبرت أن التدخل في الحياة الأسرية لم يكن متناسبًا مع الأهداف المشروعة التي استندت إليها السلطات.

وتكمن أهمية هذا الحكم في أنه يعيد التأكيد على أن سلطة الدولة في حماية الأطفال ليست سلطة مطلقة، وأن القرارات التي تقطع الروابط الأسرية بصورة شديدة أو دائمة تحتاج إلى تبرير قوي ومحدد، مع مراعاة ظروف كل حالة.

كما أن المحكمة الأوروبية سبق أن تعاملت مع عدد من القضايا النرويجية المتعلقة بحق الوالدين والأطفال في الحياة الأسرية، وأصبحت هذه القضايا محورًا لنقاش أوسع بشأن ضرورة التناسب بين إجراءات الحماية والحق في استمرار الروابط العائلية.

الهوية الإسلامية.. حق للطفل لا تفصيل ثانوي

تكتسب القضية بُعدًا خاصًا عندما يتعلق الأمر بأطفال مسلمين ينتقلون إلى أسر حاضنة لا تشاركهم الدين أو اللغة أو الخلفية الثقافية، فالطفل الذي ينشأ في أسرة مسلمة يتلقى، إلى جانب الرعاية اليومية، منظومة من القيم والعادات والممارسات الدينية التي تشكل جزءًا من هويته. ويشمل ذلك الطعام الحلال، والصلاة، والارتباط بالأسرة الممتدة، واللغة الأم، والمناسبات الدينية، والتواصل مع المجتمع المسلم.

وعندما ينتقل الطفل إلى بيئة بديلة، قد يجد صعوبة في الحفاظ على هذه الممارسات إذا لم تكن الأسرة الحاضنة أو المؤسسة على دراية بها، أو لم تتوافر ترتيبات عملية تضمن استمرارها. وهنا لا يتعلق الأمر بفرض الدين على كل طفل بصرف النظر عن عمره أو قناعاته، بل بضمان ألا تُمحى هوية الطفل أو تُهمّش تلقائيًا لمجرد انتقاله إلى رعاية الدولة.

واللافت أن الإطار القانوني النرويجي نفسه يعترف بأهمية هذه المسألة. فالمادة الثامنة من قانون حماية الطفل النرويجي، التي دخلت حيز التطبيق بصيغتها الجديدة عام 2023، تلزم الجهات المختصة بمراعاة الخلفية الإثنية والثقافية واللغوية والدينية للطفل في مراحل العمل المختلفة، كما تشير إرشادات المديرية النرويجية لشؤون الأطفال والشباب والأسرة إلى ضرورة توثيق كيفية مراعاة الخلفية الدينية عند تقييم ترتيبات التواصل بين الطفل ووالديه.

ويعني ذلك أن احترام الخلفية الإسلامية ليس مطلبًا غريبًا عن مفهوم حماية الطفل، بل يدخل ضمن الاعتبارات التي ينبغي أخذها في الحسبان وفق القانون النرويجي نفسه.

المنظور الإسلامي.. الأسرة أمانة وحق الطفل لا ينفصل عن هويته

من منظور إسلامي، تحتل الأسرة مكانة مركزية في تربية الطفل ورعايته، ولا تُختزل العلاقة بين الوالدين والأبناء في توفير الطعام والمسكن والتعليم فقط، فالقرآن الكريم يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]، وهي آية يستدل بها المسلمون على مسؤولية الأسرة في الرعاية والتوجيه الديني والأخلاقي.

كما أن رعاية الأبناء أمانة، وليست مجرد سلطة شخصية للوالدين. ومن ثم، فإن الحفاظ على الأسرة لا يعني تجاهل العنف أو الإهمال إذا ثبت وقوعهما، كما أن حماية الطفل لا تعني إهدار حقه في أسرته وهويته دون ضرورة معتبرة.

والميزان الإسلامي هنا يقوم على اجتماع واجبين: حماية الطفل من الضرر، وصيانة الروابط الأسرية والدينية ، فإذا ثبت تعرض طفل للعنف أو لخطر حقيقي داخل منزله، فإن التدخل لحمايته ضرورة لا يجوز تعطيلها بحجة الحفاظ على الأسرة. لكن إذا أمكن معالجة المشكلة من خلال الدعم الاجتماعي أو الإرشاد الأسري أو الإشراف أو توفير خدمات تساعد الوالدين على أداء مسؤولياتهما، فإن دراسة هذه البدائل قبل الفصل تصبح مسألة بالغة الأهمية.

ولا ينبغي كذلك أن يُنظر إلى تمسك الطفل المسلم بطعامه الحلال أو لغته أو شعائره باعتباره مشكلة في ذاته. فالاختلاف الديني والثقافي لا يساوي تلقائيًا سوء الرعاية، كما أن الأسرة المسلمة لا ينبغي أن تُعامل باعتبارها موضع شبهة لمجرد اختلاف خلفيتها.

اللاجئون والأسر المسلمة.. لماذا تتضاعف المخاطر؟

تواجه الأسر اللاجئة تحديات إضافية قد تجعل التعامل مع مؤسسات الدولة أكثر صعوبة، فقد يصل الوالدان إلى البلد الجديد وهما يعانيان آثار الحرب أو النزوح، ولا يعرفان اللغة المحلية، ولا يملكان شبكة دعم عائلية، وربما لا يفهمان إجراءات الشكاوى أو حق الاستعانة بمحامٍ أو مترجم.

وفي هذه الظروف، قد تتحول مشكلة كان يمكن حلها بالحوار والتوجيه إلى نزاع رسمي معقد، خصوصًا إذا لم تفهم الأسرة طبيعة البلاغ أو لم تتمكن من تقديم روايتها بصورة دقيقة.

ومن هنا، ظهرت خلال الفترة الماضية مطالب عملية ينبغي أن تكون في صلب أي إصلاح ، منها توفير مترجمين مؤهلين للأسر التي لا تتقن اللغة المحلية، وشرح حقوق الوالدين وإجراءات الاعتراض بلغة مفهومة، وإتاحة المساعدة القانونية في وقت مبكر، وتقييم البدائل الأقل تقييدًا قبل إبعاد الطفل عن الأسرة، متى كانت آمنة ومناسبة، وخضاع المؤسسات لرقابة مستقلة، والتحقيق في أي وفاة أو إصابة خطيرة أو ادعاء بالإهمال.

ويجب أن تشمل المراجعة كيفية التعامل مع شكاوى الأطفال، وسرعة الاستجابة للأزمات الصحية والنفسية، وإبلاغ الأسر بالتطورات الخطيرة، وضمان احترام الاحتياجات الغذائية والدينية، وتوفير رقابة فعالة على المؤسسات التي تستقبل الأطفال بعيدًا عن منازلهم.

كما ينبغي أن تتوافر بيانات واضحة عن عدد الأطفال الموضوعين في الرعاية البديلة، وأسباب القرارات، ومدد الإيداع، وفرص التواصل مع الوالدين، ومدى مراعاة الخلفيات الدينية والثقافية. ومن دون هذه البيانات، سيظل الجدل محصورًا بين روايات متعارضة، بينما تحتاج الأسر والأطفال إلى إجابات قابلة للتحقق.

أما الجاليات المسلمة، فمسؤوليتها أن تتابع الملف قانونيًا وإعلاميًا، وأن تنشئ قنوات مساعدة للأسر المهاجرة، وأن توفر التوعية بالقوانين المحلية، وأن تتعاون مع المحامين والباحثين والهيئات الحقوقية لتوثيق الانتهاكات إن وقعت، بعيدًا عن نشر معلومات غير مؤكدة قد تضر بالقضية نفسها.