لم يعد الدين في الولايات المتحدة مجرد خلفية ثقافية يستحضرها السياسيون في المناسبات، بل بات حاضرًا في خطاب انتخابي يربط هوية أمريكا بالنصرانية، وفي تحركات داخل وزارة الحرب الأمريكية ترفع مكانة البرامج الدينية، وفي تصريحات تستحضر الصراع بين الحضارة والخصوم الدينيين، ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر 2026، تتقاطع هذه المسارات في مشهد يعيد طرح سؤال جوهري: هل تتحول النصرانية، في خطاب إدارة دونالد ترامب، من عقيدة يمارسها المواطن بحرية إلى مرجعية لتحديد هوية الدولة وأعدائها؟
تتجاوز المؤشرات هذا العام حدود الشعارات الانتخابية، فترامب يستحضر النصرانية والتراث الديني في تعبئة أنصاره، بينما أعلن وزير الحرب بيت هيغسيث إنشاء مكتب للشؤون الدينية داخل البنتاغون، وقال إن الولايات المتحدة، وهي تخوض الحروب المادية، تخوض أيضًا معركة روحية. وفي المقابل، تحذر منظمات حقوقية ودينية من أن تداخل العقيدة مع مؤسسات الدولة قد يمنح النصرانية المحافظة نفوذًا يتجاوز الرعاية الروحية إلى تشكيل ثقافة المؤسسة العسكرية وسياساتها.
ترامب.. الدين في قلب التعبئة الانتخابية
في 25 أكتوبر 2026، وخلال تجمع انتخابي في مدينة بورت هورون بولاية ميشيغان، هاجم ترامب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول السيد، محذرًا من أن فوزه سيفتح الباب أمام دخول «جحافل من الجهاديين» إلى الولايات المتحدة، ووصفه بأنه «جهادي من جماعة الإخوان المسلمين»، من دون تقديم أدلة تدعم اتهامه، ورغم أن السيد قد نفى مرارًا انتماءه إلى الجماعة.
ولم يتوقف الخطاب عند التشكيك في المنافس، بل ربط بين الهجرة والإسلام والإرهاب، وبين مصير الولايات المتحدة وحماية هويتها الثقافية والدينية، وفي تجمع انتخابي آخر في أكتوبر، تحدث ترامب عن الدفاع عن «حضارتنا» و«ديننا» و«قيمنا وتراثنا»، وهاجم خصومه مستخدمًا مفردات تتصل بالنصرانية والحضارة الغربية.
تكتسب هذه اللغة أهميتها من توقيتها ووظيفتها الانتخابية، حيث تُقدَّم المنافسة السياسية أحيانًا باعتبارها مواجهة على هوية البلاد، لا مجرد تنافس بين برامج اقتصادية أو رؤى بشأن الهجرة والأمن. وعندما يُصوَّر المرشح المسلم بوصفه تهديدًا دينيًا وأمنيًا في آن واحد، يصبح انتماؤه جزءًا من المعركة على شرعية وجوده في الحياة السياسية، بدلًا من أن يظل النقاش منصبًا على مواقفه وأدائه.
ويتسق هذا الخطاب مع مسار أوسع تتبناه الإدارة في تقديم نفسها حاميةً للنصرانية الأمريكية. ففي رسالة رسمية بمناسبة عيد الفصح في 5 أبريل 2026، وصف البيت الأبيض ترامب بأنه مدافع قوي عن الإيمان النصراني، وأبرز إنشاء مكتب الإيمان في البيت الأبيض وتشكيل فريق لمكافحة التحيز ضد النصارى ضمن ما اعتبره حماية للحريات الدينية.
هيغسيث والبنتاغون.. «المعركة الروحية» داخل الجيش
في 30 سبتمبر 2026، أعلن هيغسيث إنشاء «مكتب الشؤون الدينية» في وزارة الحرب، خلال خطاب ألقاه في قاعدة مشاة البحرية الأمريكية في كوانتيكو، وقال إن الوزارة «تضع، إن صح التعبير، درع الله الكامل»، مضيفًا أن الولايات المتحدة، بينما تخوض حربًا مادية، تدرك أن «المعركة الحقيقية روحية». وأُعلن أن المكتب الجديد سيرفع تقاريره مباشرة إلى الوزير، بهدف تعزيز الدعم الديني والاهتمام بالمرشدين الدينيين العسكريين.
ولا يأتي القرار منفصلًا عن ممارسات هيغسيث السابقة، حيث استضاف فعاليات للصلاة النصرانية في البنتاغون، واستخدم مرارًا لغة دينية في وصف القيادة العسكرية والهوية الأمريكية.
كما أطلق البنتاغون حملة دعائية تحت شعار «أرسلني»، مستوحاة من سفر إشعياء في الكتاب المقدس، لتشجيع الالتحاق بالخدمة العسكرية.
وتقول الوزارة إن المكتب يستهدف توفير دعم روحي للعسكريين، وإنه لن يفرض المشاركة في الأنشطة الدينية أو يفضل عقيدة على أخرى، لكن منتقدي الخطوة يرون أن وضع مكتب ديني تحت إشراف مباشر للوزير، بالتزامن مع خطاب يصف الحرب بأنها معركة روحية، يثير مخاوف من انتقال الدين من مجال الرعاية الفردية إلى التأثير في الثقافة المؤسسية للمؤسسة العسكرية.
«القومية النصرانية».. اتهامات تتجاوز الخلاف الإداري
منظمة «أمريكيون متحدون من أجل فصل الكنيسة عن الدولة» هاجمت إنشاء المكتب، واعتبرت رئيسة المنظمة راشيل ليزر أن الخطوة ترفع مكانة النصرانية في تشكيل السياسة العسكرية الأمريكية، محذرة من توظيف السلطة الحكومية لتعزيز أجندة قومية نصرانية. كما ربطت المنظمة بين القرار وخدمات الصلاة التي قالت إنها يغلب عليها الطابع المسيحي المحافظ، وأعلنت أنها لجأت إلى القضاء في نزاع بشأن هذه الأنشطة وطلبات الحصول على معلومات عنها.
وتكمن القضية هنا في معنى «القومية النصرانية»، وهو مصطلح يستخدمه منتقدون لوصف اتجاهات تسعى إلى ربط الهوية الأمريكية بالنصرانية ومنحها موقعًا مميزًا في المجال العام، وامتد الخلاف داخل المجتمع الأمريكي نفسه بشأن حدود دور الدين في الحكم، ومدى الفصل بين المؤسسات الدينية والدولة.
لكن منتقدي إدارة ترامب يستندون إلى تراكم الخطوات والتصريحات، لا إلى إنشاء المكتب وحده: خطاب رسمي يصف الإدارة بأنها حامية للنصرانية، ورئيس يستحضر الدين والتراث في معركته الانتخابية، ووزير حرب يصف الصراع العسكري بلغة روحية، ومبادرات تعزز الحضور الديني داخل المؤسسة العسكرية. ويرون أن اجتماع هذه العناصر يستدعي مراقبة ما إذا كان الدعم الديني سيُدار على أساس المساواة بين العسكريين أم سيمنح الأفضلية لتيار نصراني محافظ.
مخاوف من تهميش الأقليات الدينية
تتجاوز الاعتراضات مسألة الرموز الدينية إلى أسئلة عملية تتعلق بالمساواة داخل الجيش، حيث أثار الإعلان عن المكتب الجديد مخاوف لدى بعض المرشدين الدينيين من تأثيره المحتمل على أوضاع غير النصارى، خصوصًا مع الحديث عن دعم البرامج الروحية والتعليم الديني لأسر العسكريين والتعاون مع المؤسسات الدينية.
ونقلت تقارير صحفية عن مرشد ديني عسكري غير نصراني، طلب عدم الكشف عن هويته خشية التعرض لإجراءات انتقامية، تحذيره من إضفاء طابع ديني خاص بعقيدة واحدة على مهام الدولة، ورأى أن إعلان مهمة عسكرية باعتبارها إرادة إلهية قد يخلق مناخًا تُمنح فيه الأفعال شرعية مسبقة، بدلًا من إخضاعها للمساءلة. كما أبدى قلقه بشأن تكافؤ فرص الدعم والتمويل للمسلمين واليهود والهندوس وغيرهم.
من خطاب الهوية إلى تبرير الحروب
تزداد حساسية توظيف الدين عندما يتجاوز المجال الداخلي إلى تفسير الحروب الخارجية، حيث استحضرت تصريحات المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين خلال الفترة الأخيرة مفردات دينية في وصف الخصم والصراع، ووصل الأمر إلى استخدام قادة عسكريين تفسيرات مرتبطة بنهاية الزمان و«هرمجدون» في الحديث عن الحرب.
وتُظهر هذه الوقائع كيف يمكن للغة الدينية أن تُستخدم في اتجاهين: تصوير الخصم باعتباره أسيرًا لعقيدة خطرة، وفي الوقت نفسه تقديم الدور الأمريكي ضمن سردية أخلاقية أو روحية أوسع. وعندما تُعرض الحرب بهذه الطريقة، يزداد خطر تحويل صراع سياسي وعسكري معقد إلى مواجهة بين الإيمان والشر، بما قد يضيق مساحة النقاش بشأن الأهداف والنتائج والقيود القانونية.
معركة على هوية أمريكا
مع اقتراب انتخابات 3 نوفمبر، يتداخل الخطاب الديني مع معركة أوسع على تعريف الولايات المتحدة: هل تقوم الهوية الوطنية على مواطنة متساوية في ظل حرية الاعتقاد، أم تُمنح النصرانية موقعًا مميزًا في تعريف الأمة ومؤسساتها؟ وتضع تصريحات ترامب وخطوات هيغسيث هذا السؤال في قلب النقاش، فيما ترى منظمات الحريات الدينية أن تراكم المبادرات يهدد بتحويل التفضيل الثقافي والديني إلى نفوذ داخل أجهزة الدولة.
المسألة لم تعد محصورة في استخدام آية من الكتاب المقدس أو حضور الصلاة في مناسبة رسمية، إنها تتعلق بحدود العلاقة بين العقيدة والسلطة، وبما إذا كان الدين سيظل حقًا فرديًا مكفولًا للجميع، أم يتحول إلى أداة انتخابية ومؤسسية تعيد رسم حدود الانتماء الأمريكي.





