ليست النصوص الدينية مجرد صفحات من الماضي حين تتحول إلى مرجع يستحضره قادة اليهود في لحظات الحرب، فقد تصبح جزءًا من اللغة التي تُعرَّف بها الأخطار، ويُصنَّف من خلالها الأعداء، وتُمنح بها المواجهات العسكرية دلالات تتجاوز الحسابات السياسية والعسكرية. وفي الحالة "الإسرائيلية"، يكشف استدعاء بعض الروايات التوراتية في الصراع، عن تداخل معقد بين الموروث الديني، والفكر الصهيوني الديني، وتصورات تتعامل مع الأرض والصراع باعتبارهما جزءًا من وعد إلهي أو مهمة تاريخية.
وتتجلى حساسية هذا التداخل عندما تُستحضر نصوص تتحدث عن الإبادة أو المحو أو القتال حتى القضاء على العدو، ثم يُعاد توظيفها في سياق صراع معاصر. ومن ثم، فإن تحليل المسألة يقتضي تتبع النصوص المؤسسة، والتحولات التي طرأت على تفسيرها، والكيفية التي انتقلت بها بعض قراءاتها من المجال الديني إلى الخطاب السياسي المعاصر.
«العماليق».. من رواية توراتية إلى رمز للصراع
يرتبط اسم «العماليق» بروايات توراتية تصف صراع بني إسرائيل مع جماعة عُرفت بهذا الاسم. وتظهر الإشارة إليهم في سفر التثنية، ولا سيما الإصحاح الخامس والعشرين، كما ترد في سفر صموئيل الأول، الإصحاح الخامس عشر، رواية تتضمن أمرًا شديد القسوة بشأن محاربتهم.
وقد اكتسبت هذه النصوص أهمية خاصة في النقاشات المعاصرة بسبب ما تحمله من لغة تتصل بالقضاء على العدو، غير أن تفسيرها لم يكن واحدًا عبر التاريخ اليهودي، حيث اختلفت القراءات بشأن طبيعة الروايات، ومدى ارتباطها بوقائع تاريخية بعينها، وإمكانية تطبيق أحكامها على جماعات معاصرة.
وتشير دراسات أكاديمية في تاريخ التفسير اليهودي إلى أن صورة «العماليق» لم تبقَ محصورة في إطارها الروائي القديم، بل تحولت في بعض القراءات إلى رمز للعدو الذي يُنظر إليه باعتباره تهديدًا وجوديًا.
وهذه النقلة من جماعة تاريخية في النص إلى رمز قابل لإعادة الاستخدام هي التي تجعل استحضار الاسم في سياق حرب حديثة موضوعًا يستحق التدقيق.
فالرمز الديني قد يؤدي وظيفة تتجاوز الوصف، لأنه يضع الخصم داخل إطار أخلاقي مطلق، تُقدَّم فيه المواجهة باعتبارها صراعًا بين الخير والشر، لا نزاعًا سياسيًا يمكن تحديد أطرافه وأهدافه ومساءلة قراراته. لذلك، السؤال المحوري هنا : كيف تُفسَّر هذه النصوص، ومن يملك سلطة إسقاطها على الحاضر، ومتى تتحول الذاكرة الدينية إلى خطاب يحدد صورة العدو وحدود الحرب؟
ما المرجعية الدينية للحرب في اليهودية؟
لا تستند التصورات اليهودية المتعلقة بالحرب إلى نص واحد أو تفسير موحد، فهي تتشكل عبر مستويات متداخلة تشمل التوراة، وبقية أسفار الكتاب المقدس العبري، والتلمود، والمدونات الفقهية الحاخامية، ثم الاجتهادات الدينية الحديثة.
في الأسفار التوراتية، تظهر الحروب ضمن سياقات متعددة: الدفاع عن الجماعة، والصراع على الأرض، ومواجهة شعوب معادية، وروايات تُقدَّم فيها المعارك بوصفها أوامر إلهية. وهذه النصوص ليست متطابقة في مضمونها أو ظروفها، كما أن تفسيرها عبر التاريخ لم يكن واحدًا.
وتبرز هنا أربعة محاور رئيسية:
- العهد والأرض: ارتباط تاريخ بني إسرائيل بالوعود الواردة في النصوص الدينية، وهو ارتباط تفسره التيارات اليهودية بطرق متفاوتة، ولا ينتج عنه موقف
سياسي واحد.
- الحروب الواردة في النصوص القديمة: مثل الروايات المتعلقة بالعماليق والكنعانيين، وما تتضمنه بعض المقاطع من أوامر شديدة العنف.
- القانون الحاخامي: الاجتهادات التي ناقشت مشروعية الحرب وشروطها، والتمييز بين أنواع القتال، والقيود الدينية المرتبطة به.
- التفسير السياسي المعاصر: توظيف بعض التيارات الدينية القومية لهذه المرجعيات في قضايا الأرض والاستيطان والهوية والصراع مع الفلسطينيين.
وتوضح دراسة صادرة عن مطبعة جامعة أكسفورد بعنوان War in the Hebrew Bible: A Study in the Ethics of Violence، أن نصوص الحرب في الكتاب المقدس العبري تحمل تصورات متعددة، وأن الروايات التي تتضمن الإبادة الكاملة للخصم ليست سوى جانب من تراث أوسع يطرح أسئلة معقدة عن العنف والأخلاق.
وفي دراسة نشرها الباحث آفي ساغي في دورية Harvard Theological Review عام 1994 تناول مشكلة العقاب الوارد في قصة العماليق، وكيف تعاملت التقاليد اليهودية مع الإشكالات الأخلاقية التي تثيرها.
كيف تحولت القصة إلى رمز؟
مع مرور القرون، لم يبق اسم العماليق محصورًا في سياق الروايات القديمة، بل اكتسب دلالات رمزية في بعض التفسيرات اليهودية، وأصبح يُستخدم للتعبير عن عدو يمثل تهديدًا وجوديًا للجماعة.
ويشرح الباحث ريفن فايرستون، في كتابه Holy War in Judaism: The Fall and Rise of a Controversial Idea الصادر عن مطبعة جامعة أكسفورد، أن العماليق والأمم الكنعانية الواردة في نصوص الحرب تحولا في الأدبيات الحاخامية إلى نموذجين رمزيين للعدو، مع تقييد إمكانية تحويل هذه النماذج إلى حروب فعلية في الظروف التاريخية اللاحقة. لكن هذا التحول لا يعني أن كل تفسير يهودي يجعل أي خصم معاصر امتدادًا للعماليق. فهناك فرق بين استخدام الاسم رمزًا للشر أو للعداء التاريخي، وبين اعتباره هوية دينية قابلة للإسقاط على شعب موجود اليوم.
وهذا الفرق يصبح بالغ الأهمية عندما يستخدم مسؤول سياسي أو عسكري الاسم خلال حرب جارية؛ إذ قد يقرأه الجمهور بوصفه استعارة عن عدو تاريخي، بينما قد يفهمه آخرون في ضوء النصوص التي تتضمن أوامر بالإبادة.
ماذا حدث عندما استحضر نتنياهو العماليق في حرب غزة؟
في 28 أكتوبر 2023، استحضر نتنياهو قصة العماليق خلال خطاب بشأن الحرب على غزة، في إشارة إلى النص الوارد في سفر التثنية: «اذكر ما فعله بك عماليق». وجاء ذلك بعد أسابيع قليلة من هجمات 7 أكتوبر، وفي وقت كانت فيه العمليات العسكرية الإسرائيلية تتوسع.
لم تكن دلالة الاقتباس موضع اتفاق، فقد قدمت الحكومة الإسرائيلية الإشارة باعتبارها استحضارًا لذاكرة الهجوم الذي تعرض لها اليهود، فيما رأى منتقدون أن استخدام اسم يرتبط في نصوص أخرى بأوامر قتل شاملة يحمل دلالة خطيرة في سياق حرب تطال سكانًا مدنيين.
ووثقت منظمة العفو الدولية، في تقريرها You Feel Like You Are Subhuman الصادر في ديسمبر 2024، الخلاف المتعلق بالترجمة الرسمية الإنجليزية لخطاب نتنياهو، مشيرة إلى اختلافات بين الترجمة والنص العبري في طريقة عرض الإشارة إلى العماليق. كما نقل التقرير توضيحًا نشره مكتب نتنياهو في يناير 2024، قال فيه إن المقصود كان وصف أفعال حماس في 7 أكتوبر والتأكيد على ضرورة مواجهتها، لا الدعوة إلى إبادة الفلسطينيين، فيما أظهرت ممارسات جيش الاحتلال تعمد إبادة أهل غزة.
وقد أشار تقرير لمقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بحرية الرأي والتعبير، نُشر عام 2024، إلى تداول أوصاف دينية إلى نزع الإنسانية عن الفلسطينيين في الخطاب العام المرتبط بالحرب، كما ناقشت وثائق أممية استخدام مصطلح العماليق في تصريحات لمسؤولين إسرائيليين.
التلمود.. هل يشرّع الحرب أم يضع لها حدودًا؟
التوراة ليست المرجع الوحيد في الفقه اليهودي. فالتلمود، الذي يضم مناقشات وتفسيرات حاخامية تراكمت عبر قرون، يشكل أحد أهم مصادر القانون الديني اليهودي، بما في ذلك النقاشات المتعلقة بالحرب.
وفي هذا المجال، تطور تمييز بين نوعين رئيسيين من الحروب: حرب الفريضة ، وهي فئة من الحروب التي اعتبرتها التقاليد الفقهية واجبة في ظروف معينة، وشملت في التصنيفات الكلاسيكية الحروب ضد العماليق وبعض الشعوب المذكورة في النصوص القديمة، إلى جانب الدفاع عن الجماعة، وحرب الاختيار ، وهي الحروب التي لا تُعد واجبة بذاتها، وتخضع لشروط وإجراءات تتعلق بالسلطة والمشروعية.
وتوضح مادة بحثية أعدها الباحث ريوفن كيميلمان من جامعة برانديز أن الفقه اليهودي ناقش مشروعية الحرب وشروط خوضها، وأن تصنيف الحروب ارتبط كذلك بقيود تتعلق بالسلطة التي تجيزها، وبالفصل بين الحرب الدفاعية والحرب الاختيارية.
غير أن هذه التصنيفات لا تعني أن كل حرب تخوضها دولة يهودية تُعد تلقائيًا حرب فريضة، ولا أن جميع السلطات الحاخامية تتفق على إسقاط هذه الأحكام على الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
من أبرز المسائل في هذا الملف أن كثيرًا من النقاشات الحاخامية اللاحقة تعاملت مع أوامر الحرب ضد العماليق والشعوب القديمة باعتبارها مرتبطة بوقائع تاريخية لا يمكن تطبيقها ببساطة على الحاضر.
ويشير فايرستون في دراسته عن «الحرب المقدسة في اليهودية» إلى أن الحاخامات سعوا، بعد تجارب تاريخية كارثية، إلى تقييد فكرة الحرب التي يصدر بها أمر إلهي مباشر، وإلى وضع شروط تجعل تحويل تلك النصوص إلى حروب معاصرة أمرًا بالغ الصعوبة. كما يوضح أن العماليق تحولوا في بعض الأدبيات إلى نموذج رمزي للشر، لا إلى شعب يمكن تحديد هويته المعاصرة بسهولة.
الصهيونية الدينية.. حين تصبح الأرض جزءًا من العقيدة السياسية
لم تكن الحركة الصهيونية في بداياتها حركة دينية خالصة، فقد قاد جانبًا مهمًا من مشروعها السياسي مفكرون وقادة علمانيون سعوا إلى إقامة وطن قومي لليهود. لكن العلاقة بين الدين والقومية شهدت تحولًا مهمًا بعد قيام «إسرائيل» عام 1948، ثم بعد حرب يونيو 1967، التي سيطرت خلالها «إسرائيل» على القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة.
فقد رأى بعض التيارات الدينية القومية في نتائج الحرب علامة على تحقق وعود توراتية، وبدأت الأرض تحتل مكانة أكثر مركزية في خطابها السياسي، ثم برزت حركة «غوش إيمونيم» في سبعينيات القرن العشرين، داعية إلى الاستيطان في الأراضي المحتلة، انطلاقًا من تصور ديني يعتبر الوجود اليهودي في أجزاء من هذه الأراضي جزءًا من مسار تاريخي ذي دلالة خلاصية.
وتتناول الدراسات الأكاديمية حول الصهيونية الدينية كيف أعادت بعض التيارات تفسير العلاقة بين الأرض والتاريخ اليهودي، وكيف تحول الاستيطان لدى أنصارها من خيار سياسي إلى التزام ديني يصعب التراجع عنه.
في هذا السياق، لا تعود الأرض مجرد مساحة جغرافية تُناقش حدودها ضمن مفاوضات سياسية، بل تتحول لدى بعض التيارات إلى عنصر في الهوية الدينية والواجب القومي.
وتظهر هنا ثلاثة مفاهيم متداخلة:
- العهد: الاعتقاد بوجود علاقة خاصة بين الله وبني إسرائيل، وما يرتبط بها من نصوص دينية وتفسيرات تاريخية.
- الأرض الموعودة: التصورات الدينية المرتبطة بالأرض الواردة في النصوص المقدسة، مع اختلاف واسع حول كيفية تفسيرها وتحديد نطاقها.
- الخلاص: الاعتقاد لدى بعض التيارات بأن أحداثًا سياسية وتاريخية معاصرة قد تمثل مراحل في تحقق وعود دينية.
وهنا تظهر إحدى أهم نقاط التوتر في الصراع: عندما تُقدَّم الأرض باعتبارها التزامًا إلهيًا لا يقبل التنازل، تصبح التسويةالسياسية أكثر تعقيدًا، لأن التراجع قد يُصوَّر لدى بعض المؤمنين باعتباره مخالفة للعقيدة، لا مجرد تنازل تفاوضي.







