من وجع الخبر الغائب إلى رسالة إعلامية تعبر الحدود

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وله الحمد كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد:

لم تبدأ حكاية «وصل» بموقع إلكتروني، ولا بغرفة أخبار، ولا بفريق من المحررين والمترجمين؛ بل بدأت بشعور عميق بالحسرة على أخبار المسلمين المستضعفين، وهي تتناثر في زوايا العالم، بعيدة عن أنظار إخوانهم، لا يكاد يصل منها إلا القليل، بينما تبقى قصص كثيرة من الألم والصمود والمعاناة حبيسة مصادر أجنبية، أو تضيع في زحام الأخبار، أو تخضع لانتقائية إعلامية تحكمها المصالح والحسابات السياسية.

كان السؤال الذي أطلق الفكرة بسيطًا في ظاهره، عظيمًا في معناه: كيف تبقى أمة واحدة، بينما يجهل كثير من أبنائها ما يجري لإخوانهم في أنحاء الأرض؟

ومن هذا السؤال بدأت رحلة «وصل».

البدايات الأولى.. حين كانت الفكرة أكبر من الإمكانات

في يوم الأربعاء 17 رمضان 1437هـ، الموافق 22 يونيو 2016م، بدأت البذرة الأولى لفكرة المشروع، حين شرعت الدكتورة ليلى حمدان في تخصيص مقالات - نشرت في مواقع مختلفة - تتناول قضايا المسلمين المستضعفين، انطلاقًا من الشعور بالحسرة على تشتت أخبارهم وتهميش قضاياهم، والرغبة في جمع ما يتيسر من أخبارهم، وترجمة التقارير والمقالات المهمة التي لا تصل إلى القارئ العربي، وتسليط الضوء على قضايا المسلمين المنسية، مع استحضار أبعادها التاريخية والسياسية لفهم واقعها وأسبابها.

ومع مرور السنوات، أخذت الفكرة تتبلور وتتسع، حتى جاء عام 1443هـ، الموافق 2021م، حيث أُطلق الموقع الشخصي للدكتورة ليلى حمدان، وتبلورت فيه فكرة تخصيص قسم مستقل لأخبار المسلمين المستضعفين، يحمل لأول مرة اسم «وصل»؛ ليكون حلقة وصل بين المسلمين في أنحاء العالم، وجسرًا للتعريف بأخبارهم وقضاياهم وهمومهم، وإحياء معاني الأخوة والتراحم والشعور بالمسؤولية تجاههم. ومن هنا بدأت الفكرة تتخذ هويتها الخاصة، تمهيدًا لتحولها لاحقًا إلى مشروع إعلامي جماعي مستقل.

لم تكن الغاية مجرد نقل خبر من لغة إلى أخرى، بل فتح نافذة على عوالم منسية، وإعادة وصل ما انقطع من المعرفة والاهتمام، حتى لا تبقى معاناة المسلمين في بقعة من الأرض مجهولة لإخوانهم في بقعة أخرى.

ومع توالي الرصد والترجمة والكتابة، اتسع العمل في قسم «وصل».

ولم يكن الاسم اختيارًا عابرًا؛ فقد اختُير ليجسد جوهر الرسالة: أن يكون الإعلام حلقة وصل بين المسلمين، وجسرًا تعبر عليه أخبارهم وقضاياهم وهمومهم، فتلتقي المعرفة بالتعاطف، والتعاطف بالمسؤولية، والمسؤولية بالسعي إلى النصرة بما هو مشروع ومتاح.

كانت الإمكانات محدودة، لكن الفكرة ظلت حاضرة، تكبر مع كل خبر غائب يُكتشف، وكل مظلمة تستحق أن تُروى، وكل صوت لا يجد من ينقله إلى العالم.

من المبادرة الفردية إلى مشروع جماعي

وفي يوم الجمعة 24 محرّم 1445هـ، الموافق 11 أغسطس 2023م بدأت مرحلة جديدة في مسيرة «وصل»، حين اجتمع حول الفكرة فريق آمن برسالتها، وتطلع إلى تحويلها من جهود متفرقة إلى عمل إعلامي جماعي منظم.

لم يكن الطريق إلى إطلاق الموقع مجرد جمع للأخبار أو توزيع للمهام؛ فقد سبقت الانطلاقة فترة من الإعداد والتأهيل، درس خلالها الفريق دورتين إعلاميتين متخصصتين في الصحافة الإسلامية. وخاض تدريبًا عمليًا على العمل الإخباري والترجمة والتحرير، بما يؤسس لعمل أكثر انضباطًا وقدرة على متابعة الأحداث ونقلها.

كان الطموح أن يجتمع صدق الانتماء إلى قضايا الأمة مع المسؤولية المهنية في نقل أخبارها؛ فلا يكون الحماس بديلًا عن التثبت، ولا تتحول الرغبة في نصرة المظلوم إلى تساهل في دقة الخبر أو أمانة نقله.

وهكذا بدأت «وصل» تعمل بفريقها قبل أن يكون لها موقع مستقل، في مرحلة تأسيسية على مواقع التواصل، ساهمت في بلورة هويتها وتطوير تجربتها الصحفية.

ثم جاءت المحطة الفارقة.

يوم الإثنين 29 ربيع الآخر 1445هـ، الموافق 13 نوفمبر 2023م، انطلق الموقع الإلكتروني «وصل» (wasl.news)، لتتحول الفكرة التي بدأت قبل أكثر من سبع سنوات، والاسم الذي تأسس قبل نحو سنتين، إلى منصة إخبارية مستقلة تحمل اسمها ورسالتها إلى القراء.

ولم يكن إطلاق الموقع نهاية رحلة التأسيس، بل بداية مسؤولية أوسع، وعمل أكثر انتظامًا، وطموح يتجدد مع كل مرحلة.

وفي شهر جمادى الأولى 1448هـ، الموافق لأكتوبر 2026م، بعد مسيرة سنتين على الموقع الأول، بدأت مرحلة جديدة من تطوير «وصل»، شملت تحديث الموقع وترقيته ليكون أكثر حداثة وكفاءة، وأقدر على مواكبة متطلبات العمل الصحفي والتغطية الإخبارية المتجددة. وتضمنت هذه المرحلة استحداث قسم إخباري باللغة الإنجليزية إلى جانب القسم العربي، في خطوة تهدف إلى توسيع نطاق التغطية والوصول إلى جمهور عالمي أوسع، وإيصال أخبار المسلمين وقضايا المستضعفين إلى قراء من مختلف أنحاء العالم، بما يعزز رسالة «وصل» في مد جسور المعرفة والتواصل عبر اللغات والحدود.

لماذا وصل؟

لأننا نؤمن أن أخبار المسلمين ليست هامشًا في هذا العالم، وأن معاناة المستضعفين ليست أرقامًا عابرة في نشرات الأخبار، وأن وراء كل عنوان أرواحًا وحكايات وحقوقًا وواقعًا يستحق أن يُعرف.

ولأن وحدة الأمة لا تكون بالشعارات وحدها؛ بل تحتاج إلى معرفة متبادلة، ووعي بما يجري، وإحساس بالمسؤولية تجاه من تجمعنا بهم أخوة الإيمان.

ولأن الاعتزاز بالهوية الإسلامية والاستقلال بإعلام حر وصحافة تنقل الحقيقية كما هي، أولوية قصوى في زمن العمل على الانبعاث والتمكين للإسلام.

من هنا جاءت «وصل» منصةً إخبارية تُعنى بأخبار العالم الإسلامي، مع اهتمام خاص بالمسلمين المستضعفين والأقليات المسلمة في مختلف أنحاء العالم، وتسعى إلى رصد التطورات التي تمس حياتهم ودينهم وحقوقهم ومستقبلهم.

نتابع الأحداث، ونترجم التقارير، ونحلل الأحداث، ونبحث في المصادر المحلية والدولية، ونجري لقاءات حصرية ونُعد دراسات متخصصة، ونعمل على تقديم التغطية في سياقاتها التي تساعد القارئ على فهم ما حدث، ولماذا حدث، وما الذي قد يترتب عليه.

نؤمن أن نصرة المظلوم تبدأ أيضًا من أمانة الكلمة؛ من خبر صحيح لا يضلل، وشهادة لا تُطمس، وحقيقة لا تُشوَّه.

ولهذا نحرص على التثبت من المعلومات، والرجوع إلى مصادرها، والتمييز بين الوقائع المؤكدة والادعاءات، وتجنب المبالغة والإثارة التي تضر بمصداقية الخبر، مهما كانت القضية التي يتناولها.

فنحن لا نرى تعارضًا بين الانحياز للحق والالتزام بأخلاق الصحافة؛ بل نرى أن الصدق والدقة والعدل من أعظم ما تستحقه القضايا التي نعمل من أجلها.

فريق يجمعه الإيمان بالرسالة

تقوم «وصل» اليوم على جهود فريق أساسي، يسانده متطوعون ومساهمون في مجالات الرصد والترجمة والتحرير وغيرها من الأعمال التي يحتاج إليها المشروع.

وقد كانت روح التطوع والتعاون من أبرز ما رافق مسيرته؛ إذ التقت فيه جهود أشخاص من خلفيات ومناطق مختلفة من العالم الإسلامي، يجمعهم الحرص على أن يصل الخبر إلى من يعنيه، وأن يجد المسلم المستضعف من يهتم بقضيته وينقل صوته.

وهي صورة من صور كثيرة تؤكد أن العمل الكبير لا يصنعه فرد واحد، وأن الجهود الصغيرة حين تتكامل تستطيع أن تفتح أبوابًا لم تكن متاحة من قبل.

رسالتنا لا تنتهي عند نشر الخبر

نطمح أن تكون «وصل» أكثر من موقع تُقرأ فيه الأخبار ثم تُنسى؛ أن تكون مصدرًا للمعرفة، ووسيلة لبناء الوعي، وجسرًا من جسور التراحم والتكافل، وأن تسهم في إبقاء قضايا المسلمين حاضرة في الذاكرة والضمير.

نريد للقارئ أن يجد فيها الخبر الذي فاته، والسياق الذي يفسره، والقصة التي لم تنل حقها من الاهتمام، والصورة التي توثق حدثًا وتاريخًا وذكرى جميلة أو ذات شجون.

ونريد أن يعرف المسلمون بعضهم بعضًا، لا من خلال المآسي وحدها، بل أيضًا من خلال أخبار صمودهم، ومبادراتهم، وإنجازاتهم، وجهودهم في حفظ دينهم وهويتهم وحقوقهم.

وندرك أن الطريق طويل، وأن ما نستطيع تقديمه يبقى قليلًا أمام اتساع القضايا وكثرة الآلام، لكننا نؤمن بأن الأثر لا يُقاس بحجم الإمكانات وحدها، وأن الكلمة الصادقة قد تكون بداية وعي، وأن خبرًا يصل في وقته قد يوقظ اهتمامًا، أو يدفع إلى مبادرة، أو يفتح بابًا من أبواب الخير.

وصل.. مشروع يتسع لكل من يحمل همًّا

لم تُبنَ «وصل» لتكون حكرًا على فريقها، وإنما لتكون بابًا مفتوحًا لكل من يستطيع الإسهام في رسالتها، برصد خبر، أو ترجمة تقرير، أو توثيق حدث، أو تقديم فكرة، أو بذل خبرة، أو تسجيل شهادة، أو دعم يعين على استمرار العمل وتطويره.

فقد بدأت هذه الرحلة بفكرة، ثم حملتها أقلام، وساندتها همم، واجتمعت عليها جهود حتى أصبحت واقعًا.

وما زلنا نؤمن أن أمامها آفاقًا أوسع، وأن كل من يُحسن عملًا وينضم إلى هذا الجهد يضيف لبنة إلى بناء نرجو أن ينفع الله به المسلمين.

منذ البذرة الأولى في رمضان 1437هـ، مرورًا بانطلاقة العمل الجماعي في محرّم 1445هـ،، ثم إطلاق الموقع في ربيع الآخر من العام نفسه، وحتى اليوم، بقي المعنى الذي وُلدت من أجله «وصل» واحدًا: ألّا تنقطع جسور المعرفة والتراحم بين المسلمين، وألّا تضيع أخبار المستضعفين في صمت العالم.

هذه حكايتنا، وهي حكاية لم تكتمل فصولها بعد.

نسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يبارك في كل من أسهم فيه بفكر أو وقت أو جهد أو مال أو دعاء، وأن يسدد العاملين عليه إلى الصدق والعدل والإحسان، وأن يجعله من أسباب نصرة المظلوم، وإحياء معاني الأخوة، وجمع القلوب على الحق والخير.

«وصل».. لأن بيننا من الأخوة ما يستحق أن نبقى على وصل.

«وصل» .. الحقيقة كما هي.