بين المجمعات التجارية الحديثة ومشروعات الطاقة والسكك الحديدية، تسعى الصين إلى تقديم إقليم تركستان الشرقية، المعروف رسميًا باسم «شينجيانغ»، باعتباره نموذجًا للازدهار الاقتصادي والاستقرار. لكن خلف هذه الصورة التي تروج لها بكين، لا تزال أوضاع مسلمي الأويغور تثير تساؤلات حقوقية واسعة، تتعلق بالاعتقالات والقيود الدينية والثقافية والعمل القسري.
وكشف تحقيق ميداني نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية، الجمعة (23 أكتوبر 2026)، أن السلطات الصينية تضخ استثمارات ضخمة في الإقليم لتحويله إلى مركز تجاري وصناعي ولوجستي يربط الصين بآسيا الوسطى وأوروبا، رغم استمرار الانتقادات الدولية لسياساتها تجاه سكانه المسلمين.
استثمارات ضخمة ومشروعات جديدة
بحسب التحقيق، تشهد مدينة كاشغر التاريخية، التي كانت إحدى المحطات الرئيسية على طريق الحرير، توسعًا في المجمعات التجارية والأسواق والمشروعات السياحية، بالتزامن مع نمو الصادرات إلى روسيا ودول آسيا الوسطى.
وتتوسع الشركات المدعومة من الحكومة الصينية في إنشاء محطات الطاقة الشمسية ومراكز البيانات والمناطق الصناعية، بينما تعمل السلطات على تطوير شبكات النقل والسكك الحديدية لخدمة التجارة العابرة للحدود.
وأشار التقرير إلى أن التجارة الخارجية للإقليم ارتفعت بنحو 20% خلال عام 2025، فيما بلغت عائدات النشاط السياحي نحو 50 مليار دولار خلال العام نفسه، وفق البيانات الرسمية الصينية.
كما شهد مطار أورومتشي، عاصمة الإقليم، مشروع توسعة بلغت تكلفته نحو ستة مليارات دولار، شمل إنشاء صالة جديدة ومدرجين إضافيين.
وتراهن بكين أيضًا على خط سكة حديد يربط الصين بقرغيزستان وأوزبكستان، في مشروع يُتوقع أن يبدأ تشغيله قرابة عام 2030، ويسهم في تسريع نقل البضائع الصينية نحو الأسواق الأوروبية.
ازدهار اقتصادي تحت رقابة أمنية مشددة
لكن هذه المشروعات تتزامن، بحسب التحقيق، مع استمرار منظومة رقابة أمنية واسعة تشمل كاميرات المراقبة والتتبع الرقمي والتقنيات الحديثة، إلى جانب انتشار القوات الأمنية في مناطق الأويغور.
وفي كاشغر، لا تزال المركبات المدرعة وعناصر الشرطة المسلحة جزءًا من المشهد اليومي، بينما تتزايد مظاهر استخدام اللغة الصينية المندرينية في المؤسسات التعليمية والأماكن العامة.
ويشير التقرير إلى أن القوانين والسياسات الجديدة المتعلقة بـ«الوحدة القومية» تعزز مكانة اللغة الصينية في التعليم، وتفرض متطلبات أيديولوجية على الأسر والمؤسسات، وسط مخاوف حقوقية من تراجع قدرة الأويغور على المحافظة على لغتهم وهويتهم الثقافية والدينية.
ولفت التحقيق إلى أن مسجد «عيد كاه» التاريخي في كاشغر بات يستقبل زوارًا سياحيين، في مشهد يثير تساؤلات بشأن واقع الحياة الدينية للسكان المسلمين، ومدى قدرتهم على ممارسة شعائرهم بحرية.
اعتقالات طويلة وأسر تنتظر المفقودين
لم تقتصر المخاوف الحقوقية على المرحلة التي شهدت التوسع في مراكز الاحتجاز منذ عام 2017؛ إذ تؤكد منظمات حقوقية أن عددًا كبيرًا من الأويغور لا يزالون يقضون أحكامًا بالسجن لسنوات طويلة، في قضايا تتعلق باتهامات فضفاضة مرتبطة بالأمن والتطرف.
ونقلت «وول ستريت جورنال» شهادة الباحث الأويغوري يالقون أولويول، المقيم في لندن والعامل مع منظمة «هيومن رايتس ووتش»، الذي قال إن نحو 30 فردًا من أقاربه تعرضوا للاحتجاز خلال ذروة الحملة الأمنية بين عامي 2018 و2019.
وأضاف أنه علم لاحقًا بأن والده، الذي كان يعمل في تجارة البطيخ، حُكم عليه بالسجن 16 عامًا، دون أن يتمكن من معرفة التهم الدقيقة التي أُدين بها.
وفي المقابل، قالت وزارة الخارجية الصينية إنها ليست على علم بتفاصيل هذه القضية، مؤكدة أن الصين دولة تحكمها القوانين.
وكان مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان قد خلص في تقرير أصدره عام 2022 إلى أن الاعتقالات التعسفية والتمييزية واسعة النطاق بحق الأويغور وغيرهم من الأقليات المسلمة قد ترقى إلى جرائم دولية، ولا سيما جرائم ضد الإنسانية.
بكين ترفض الاتهامات
تنفي الصين الاتهامات المتعلقة بالعمل القسري والقمع الديني، وتؤكد أن سياساتها حققت الأمن والاستقرار والتنمية الاقتصادية، وأن الإجراءات الأمنية استهدفت مكافحة الإرهاب والتطرف.
وقالت وزارة الخارجية الصينية، ردًا على أسئلة الصحيفة الأمريكية، إن الإقليم يشهد استقرارًا اجتماعيًا وازدهارًا اقتصاديًا وتعايشًا بين المجموعات العرقية والدينية، متهمة المنظمات الحقوقية بالترويج لمعلومات غير صحيحة.
غير أن المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، دعا في يونيو 2026 إلى إلغاء التشريع الصيني الجديد المتعلق بالوحدة القومية، محذرًا من احتمال تعميقه القيود على الحقوق الدينية والتعليمية.
هل يغيّر الاستثمار واقع الأويغور؟
يشير التحقيق إلى أن التحول الاقتصادي في تركستان الشرقية أصبح جزءًا من استراتيجية أوسع للرئيس الصيني شي جين بينغ، تجمع بين توسيع نفوذ الصين التجاري وتعزيز سلطة الحزب الشيوعي على المناطق ذات الهويات القومية والدينية المختلفة.
وبينما تسعى بكين إلى استقطاب الشركات والسياح والاستثمارات الأجنبية، تظل الأسئلة المتعلقة بالمعتقلين والحريات الدينية وحقوق الأسر الأويغورية حاضرة دون حلول معلنة.
فالطرق الجديدة والمطارات والمصانع قد تعكس توسعًا اقتصاديًا حقيقيًا، لكنها لا تقدم، وحدها، جوابًا عن مصير المعتقلين أو مستقبل اللغة الأويغورية أو حرية ممارسة الشعائر الإسلامية.
وهكذا تواجه تركستان الشرقية واقعًا متناقضًا: مشروعات اقتصادية بمليارات الدولارات من جهة، ومطالبات مستمرة بكشف مصير المعتقلين وضمان الحقوق الدينية والثقافية لسكانها المسلمين من جهة أخرى.






