تتواصل في أذربيجان حملة من القيود المفروضة على الحجاب الإسلامي داخل المؤسسات التعليمية، وسط احتجاجات واعتقالات طالت معارضين للقرارات الحكومية، في وقت حذرت فيه أسرة صحفي سجين من احتمال دخوله في غيبوبة نتيجة إضرابه عن الطعام احتجاجًا على حرمان الطالبات المحجبات من التعليم والمعلمات من العمل.

وتكشف الأزمة، التي تفجرت بعد إقرار قواعد جديدة للزي المدرسي، عن وجه قسري للعلمانية حين تتحول من مبدأ لتنظيم علاقة الدولة بالدين إلى أداة لفرض التخلي عن المظاهر الدينية، حتى في مجتمع يشكل المسلمون نحو 96% من سكانه.

صحفي سجين يواجه خطر الموت احتجاجًا على منع الحجاب

hd_avif_aslanov_khmspue__1_.png.avif

كشف موقع «عقدة القوقاز» الروسي، الثلاثاء 27 أكتوبر، عن تدهور خطير في صحة الصحفي الأذربيجاني المعتقل بولاد أصلانوف، الذي يواصل إضرابه عن الطعام اعتراضًا على القيود المفروضة على حجاب الطالبات والمعلمات.

وقالت زوجته، غولميرا أصلانوفا، إن وزن زوجها انخفض من 52 إلى 43 كيلوغرامًا، وإن مستوى السكر في دمه تراجع بدرجة خطيرة، مما دفع طبيبًا إلى تحذيره من احتمال دخوله في غيبوبة.

وأضافت أن الصحفي أصبح شديد الضعف ولا يستطيع الوقوف على قدميه، ويقضي معظم وقته مستلقيًا، لكنه يرفض إنهاء إضرابه رغم تحذيرات الأطباء ومناشدات أسرته.

وبدأ أصلانوف إضرابه في 8 أكتوبر، ثم أوقفه مؤقتًا بعدما تلقى تأكيدات بأن القيود على الحجاب أُلغيت، قبل أن يستأنفه في 12 أكتوبر بعد علمه باستمرار منع المحجبات من دخول المدارس.

وبحسب زوجته، تعرض الصحفي لضغوط داخل السجن ووُضع في الحبس الانفرادي، ثم نُقل إلى منشأة طبية تابعة لإدارة السجون، حيث استمر احتجازه في زنزانة انفرادية.

وتؤكد الأسرة أن أصلانوف يخوض احتجاجه دفاعًا عن حق ابنته البالغة من العمر 13 عامًا في التعليم بالحجاب، إلى جانب حقوق الطالبات والمعلمات الأخريات اللواتي تضررن من القرارات.

ويُذكر أن أصلانوف، رئيس تحرير موقعي «خبرمان» و«برس آز»، يقضي عقوبة بالسجن لمدة 13 عامًا بتهمة الخيانة العظمى، وهي اتهامات ينفيها، فيما تعدّه منظمات حقوقية من الصحفيين المعتقلين على خلفية نشاطهم الإعلامي.

ولم تتمكن وسائل الإعلام من الحصول على تعليق من إدارة السجون الأذربيجانية بشأن الحالة الصحية للصحفي والاتهامات المتعلقة بمعاملته.

«اخلعي الحجاب أو غادري».. معلمات وطالبات خارج المدارس

بدأت الأزمة بعد تعديل الحكومة الأذربيجانية قواعد الزي المدرسي في 21 سبتمبر 2026، ثم اعتماد متطلبات جديدة لملابس المعلمين في 6 أكتوبر، استندت إلى مبدأ علمانية التعليم.

ورغم أن النص التنظيمي لم يذكر الحجاب الإسلامي صراحة، فإنه حظر ارتداء الملابس التي تُعد مخالفة للزي المدرسي الموحد أو للطابع العلماني للتعليم، وهو ما فسرته إدارات مدارس بأنه يشمل غطاء الرأس الإسلامي.

ومنذ 12 أكتوبر، تحدثت طالبات ومعلمات عن منعهن من دخول المؤسسات التعليمية بسبب تمسكهن بالحجاب.

ونشرت وسائل إعلام مقاطع مصورة أظهرت فتيات ينتظرن خارج المدارس، ومعلمات يودعن تلاميذهن باكيات بعدما طُلب منهن خلع الحجاب أو مغادرة المؤسسة التعليمية.

ومن بين الحالات التي وثقتها قناة الجزيرة، المعلمة غولشان علييفا، التي تعمل في تدريس اللغة الإنجليزية منذ 23 عامًا، وقالت إنها مُنعت من دخول مدرستها في العاصمة باكو بسبب حجابها، كما مُنعت ابنتها من مواصلة الدراسة بالسبب نفسه.

وأكدت المعلمة أنها ترغب في مواصلة عملها دون أن تتحول معتقداتها الدينية إلى عائق أمام حقها في التعليم والعمل.

اعتقالات تطال المحتجين والمدافعين عن المحجبات

أثارت القيود احتجاجات في عدد من المدن والبلدات الأذربيجانية، شارك فيها طلاب وأولياء أمور وناشطون، مطالبين بإلغاء الإجراءات التي تمنع المحجبات من الدراسة والعمل.

وأعلنت وزارة الداخلية اعتقال 37 شخصًا في العاصمة باكو يوم 12 أكتوبر، متهمة بعض المشاركين بالإخلال بالنظام العام والاعتداء على ممتلكات، بينما تحدث ناشطون عن توقيف أكثر من 200 شخص، وهي حصيلة لم يتسنَّ التحقق منها بصورة مستقلة.

ووثقت منظمة العفو الدولية اعتقال أشخاص على خلفية احتجاجات سلمية، بينهم ناشط عوقب بالحبس 25 يومًا بسبب منشور على منصة تيك توك، وآخر احتُجز 30 يومًا بعدما كتب عبارة تطالب بحرية الحجاب على مبنى مدرسة.

كما أثارت قضية الناشط إلكين حسينوف اهتمام المنظمات الحقوقية، بعدما اختفى في 14 أكتوبر عقب إطلاقه منصة إلكترونية مجانية لمساعدة الفتيات المحرومات من الدراسة بسبب الحجاب، قبل أن تتحدث تقارير لاحقة عن احتجازه.

وتحدثت المنظمة أيضًا عن اعتقال أم احتجت أمام مدرسة في باكو بعدما مُنعت ابنتها من الدخول بسبب ارتداء الحجاب.

علمانية تتحول إلى قمع للمظاهر الإسلامية

تثير الإجراءات الأذربيجانية إشكالًا يتعلق بحدود سلطة الدولة في فرض العلمانية على الأفراد، ولا سيما عندما يُستخدم مبدأ حياد التعليم لتقييد حق الطالبات والمعلمات في ممارسة شعائرهن الدينية.

فالدستور الأذربيجاني ينص على الطابع العلماني للدولة والتعليم، لكنه يضمن كذلك حرية الضمير والمعتقد. ويرى منتقدو الإجراءات أن الحياد الديني لا يتحقق بإجبار المرأة المسلمة على نزع حجابها، بل بضمان حقها في التعليم والعمل دون تمييز على أساس معتقدها أو لباسها.

ومن هذا المنطلق، فإن منع فتاة من دخول المدرسة بسبب حجابها لا يمثل مجرد تطبيق لقواعد الزي، وإنما يطرح سؤالًا أعمق: كيف يمكن لدولة تتبنى حرية المعتقد أن تجعل التخلي عن مظهر ديني شرطًا للحصول على التعليم؟

وتتجلى قسوة التطبيق عندما تواجه المعلمة خيارًا بين وظيفتها وحجابها، أو تُحرم طفلة من مقعدها الدراسي لأنها ترفض نزع غطاء رأسها.

وفي المقابل، تدافع السلطات ومؤيدو القواعد الجديدة عنها بوصفها وسيلة للحفاظ على الزي الموحد والطابع العلماني للمؤسسات التعليمية، ويؤكدون أن الإجراءات لا تمنع ارتداء الحجاب خارج المدارس.

لكن هذا التبرير لم يقنع المنظمات الحقوقية، التي ترى أن علمانية التعليم لا تستلزم منع التلاميذ من إظهار معتقداتهم الدينية بصورة سلمية.

منظمة العفو الدولية: حرمان المحجبات من التعليم انتهاك للحقوق الأساسية

دعت منظمة العفو الدولية، في بيان أصدرته يوم 16 أكتوبر، السلطات الأذربيجانية إلى التراجع عن القيود المفروضة على الحجاب، والسماح للطالبات والمعلمات المتضررات بالعودة إلى مدارسهن.

وأكدت المنظمة أن منع الفتيات من الدراسة بسبب ارتداء الحجاب يمثل تمييزًا ينتهك الحق في التعليم وحرية الدين والتعبير، وأن الطابع العلماني للتعليم العام لا يبرر فرض حظر شامل على الملابس الدينية.

وطالبت كذلك بالإفراج عن الأشخاص المحتجزين لمجرد مشاركتهم السلمية في الاحتجاجات، واحترام حرية التعبير والتجمع.

وتعيد الأزمة الأذربيجانية إلى الواجهة قضية اضطهاد النساء بسبب لباسهن الديني، سواء بالإجبار على ارتدائه أو على خلعه، وتبرز الحاجة إلى حماية حرية المرأة المسلمة في التمسك بحجابها دون أن تُعاقَب بحرمانها من التعليم أو العمل.

وبينما يواصل الصحفي بولاد أصلانوف إضرابه عن الطعام رغم تدهور صحته، ما تزال ابنته وغيرها من الطالبات المحجبات خارج الفصول الدراسية، في أزمة تتجاوز مسألة الزي المدرسي لتصبح اختبارًا حقيقيًا لحرية المعتقد وحقوق المسلمين في أذربيجان.