سبحان الله وبحمده، حتى نفهم الأمر على وجهه، أريد أن أضع بين يديك أصلًا قرآنيًا عظيمًا، لو جعله الإنسان قاعدة في حياته لاستقام له كثير من الأمور.
قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219].
تأمل كيف أثبت القرآن وجود المنافع، ولم ينكرها، لكنه لم يجعل مجرد وجود النفع كافيًا للحكم على الشيء؛ وإنما نظر إلى مجموع آثاره ومآلاته، ثم قرر أن الإثم والمفسدة أكبر من النفع.
فليس كل ما فيه منفعة يكون نافعًا في مجموعه، وليس كل ما أراح النفس لحظة يكون غذاءً صالحًا لها.
ولذلك اجعل هذه قاعدة في حياتك: أن تنزل الأمور منازلها، وألا تنظر إلى المنفعة المجردة عن مآلاتها.
ولأقرب لك الصورة: قد يأكل الإنسان المخلل فيشعر بالشبع، وقد يأكل وجبة غذائية متكاملة فيشعر بالشبع أيضًا، لكن شتان بين هذا وذاك في الأثر والعائد على البدن.
وهكذا القلب والعقل.
قد تقرأ كلامًا في كتاب فتجد فيه عبارة جميلة، أو تفسيرًا لمشاعر مررت بها، أو تجربة إنسانية تشعر أنها لامست شيئًا في داخلك، وهذا نفع حقيقي لا أنكره. لكن السؤال ليس: هل في الكتاب شيء نافع؟
السؤال الأهم: ما الذي تحمله هذه المنظومة في مجموعها؟ وما التصور الذي تبنيه في النفس؟ وما الثمار التي يمكن أن تترتب عليها مع مرور الوقت؟
وهنا أصل إلى محل الكلام.
أنا لا أناقش شخص الكاتب المُنتقد، ولا أتكلم عن نيته، ولا أزعم أن كل ما في كتبه باطل؛ وإنما أناقش فكرة ومنظومة وطريقة في النظر إلى النفس والعلاقات، لأن الإشكال ليس دائمًا في العبارة المفردة، فقد تجد في الكتاب كلامًا مجملًا فيه معانٍ طيبة كثيرة، ومعها معانٍ أخرى تحتاج إلى نقد وتمييز، وإنما الإشكال فيما يمكن أن تنتهي إليه هذه المنظومة إذا تشربها الإنسان وجعلها ميزانًا لفهم حياته وعلاقاته.
وقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «وكم من مريد للخير لن يصيبه».
فحسن القصد لا يكفي وحده، بل لا بد من صحة الطريق وصحة الميزان.
المشكلة ليست في الكلمات وحدها، وإنما في المعاني التي تُبنى وراءها
خذ مثلًا عبارات أصبحت شائعة جدًا: حب الذات، تقدير الذات، الاستحقاق، وضع الحدود.
هذه الألفاظ قد يراد بها معانٍ صحيحة، ولا يصح ردها لمجرد شيوعها في الخطاب النفسي الحديث.
فحب الذات، إن أريد به صيانة النفس عن الهوان والظلم والمهانة، وحفظ الكرامة التي كفلها الشرع، وعدم تعريض النفس للتلف والعدوان، فهذا معنى صحيح.
لكن المشكلة تبدأ حين تتحول إلى مركزية للذات، فيصبح معيار الإنسان هو راحته وهواه ومشاعره، ويصبح كل تكليف ثقيل أو صبر على مكروه أو تنازل لمصلحة البيت أو احتمال لأذى محتمل من طبائع البشر اعتداءً على «ذاته» يجب التخلص منه.
وكذلك تقدير الذات؛ إن أريد به أن يعرف الإنسان قدره الذي جعله الله له، وألا يرضى بالظلم والمهانة، فهذا خير.
أما إذا تحول إلى تضخيم للذات، وشعور دائم بالاستحقاق، ونفور من كل ما فيه مجاهدة أو محاسبة أو اعتراف بالتقصير، فهنا انتقل المعنى من شيء نافع إلى شيء آخر.
وكذلك الاستحقاق.
المعنى الصحيح أن الإنسان له حقوق شرعية لا يجوز ظلمُه فيها، وأن المكلف مكرم شرعًا، فلا يجوز هضم حقوقه أو الاعتداء عليه.
لكن قد ينقلب المفهوم إلى شعور بالاستغناء، وكأن الإنسان يستحق من الحياة دائمًا الراحة والتقدير والقبول، فإذا وقع عليه شيء من المكاره الطبيعية في الحياة شعر أن هناك خللًا يجب التخلص منه فورًا.
وهذا يتعارض مع حقيقة عظيمة غفل عنها كثير من الناس:
أن الدنيا دار ابتلاء، وليست دار استيفاء كامل للراحة واللذة.
وكذلك مفهوم وضع الحدود.
فمن المشروع أن يمنع الإنسان الظلم والعدوان والتلاعب، وأن يحفظ نفسه من العلاقات المحرمة أو المؤذية، وأن يضع الضوابط التي تحفظ الحقوق.
لكن قد يتحول ذلك إلى ذريعة للجفاف، وقطع الحقوق، وترك الإحسان، ورفض التنازل في مواضعه، وعدم احتمال طبائع الناس، وكل ذلك تحت عنوان: «أنا أحمي حدودي».
فتختلف المفاسد من شخص إلى آخر، لكن الخطر هنا أن المصطلح الواحد قد يبدأ بمعنى صحيح، ثم يُحمّل بمعنى آخر يغير طريقة الإنسان في النظر إلى نفسه وإلى أسرته وإلى واجباته الشرعية.
وهنا يظهر السؤال الأكبر: ما المرجعية التي نبني بها أنفسنا؟
نحن نعيش اليوم في واقع فيه إشكالات عظيمة: ضعف في البناء العقدي، وجهل، واتباع للهوى، واضطراب في المفاهيم، وانسلاخ من بعض معاني الدين، وأمراض في القلوب والعلاقات.
فهل يكون علاج ذلك أن نذهب إلى كل فلسفة حديثة لنجعلها مرجعًا لفهم النفس والحياة؟
أم نعود إلى الأصل الذي أصلح الله به أول هذه الأمة؟
ولهذا يُروى عن الإمام مالك رحمه الله المعنى المشهور: «ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها».
والمقصود أن الطريق الذي أصلح الله به صدر هذه الأمة لا يمكن أن نستبدله بمناهج بشرية ثم نظن أننا سنصل إلى الإصلاح نفسه.
وليس معنى هذا أن كل معرفة بشرية باطلة، ولا أن علم النفس لا ينتفع منه، ولا أن كل تجربة إنسانية يجب ردها؛ وإنما المعنى أن الوحي هو الأصل والميزان والمرجعية العليا، وما جاء من البشر يُنظر فيه على هذا الأساس.
المُسكّن ليس هو الغذاء.
وهنا نعود إلى مثال المخلل.
قد تقرأ كتابًا فتشعر براحة، وتجد عبارات تفسر لك مشاعرك، وربما يساعدك على فهم جانب من المشكلة، وهذا نفع قد يكون حقيقيًا.
لكن الخطر أن يصبح هذا الكتاب غذاءً فكريًا للقلب بدل الوحي.
فتتشرب النفس مصطلحاته وطريقته في تفسير الحياة، حتى إذا رجعت بعد ذلك إلى القرآن والسنة وجدت العلاج الشرعي أقل إثارة لمشاعرها، وأقل موافقة لما اعتادت عليه، وكأنها لم تعد تجد في الوحي ذلك الطعم الذي وجدته في الخطاب النفسي الحديث.
وهنا الخلل.
ليس لأن الوحي قاصر ـ حاشاه ـ، وإنما لأن القلب تشرب شيئًا آخر وأصبح يزن الحق بمقدار موافقته لمشاعره. وهذا من أخطر ما ينبغي أن ننتبه إليه.
فالقرآن يقول: ﴿قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 57].
فالوحي ليس مجرد مصدر للمواعظ، بل هو هدى وشفاء لما في الصدور.
ولهذا لا ينبغي أن يكون تعاملنا مع الوحي أننا لا نرجع إليه إلا بعد أن نحاول كل شيء.
بل الأصل أن نبني أنفسنا بالوحي قبل وقوع المشكلة، ثم نعالج مشكلاتنا بالوحي إذا وقعت.
اختلاف نقطة الانطلاق يغيّر النتيجة.
هناك فرق جوهري بين الرؤية النفسية الحداثية حين تجعل الذات الفردية وراحتها النفسية وتحقيق رغباتها ومشاعرها مركزًا في تقييم العلاقات، وبين التصور الإسلامي الذي يجعل أصل الإنسان هو العبودية لله.
في التصور الإسلامي، أنا لست حرًا في أن أجعل راحتي النفسية هي الحاكم الأعلى.
بل أنا عبد لله.
عندي أوامر ونواهٍ، وعندي حقوق وواجبات، وعندي ابتلاء ومجاهدة، وعندي صبر واحتساب، وعندي آخِرة أُحاسب فيها على أفعالي.
ولذلك قد يكون الشيء مؤلمًا ومع ذلك يكون واجبًا.
وقد يكون الشيء ثقيلًا على النفس ومع ذلك يكون خيرًا لها.
وقد أتنازل عن شيء أحبه ابتغاء مرضاة الله.
وقد أصبر على مشقة في علاقة مشروعة لأن الصبر والإحسان والتغافل من أخلاق المؤمن.
وقد أرفض الظلم والعدوان لأن الشرع أمرني برفع الظلم.
فالميزان ليس: «ما الذي يجعلني أشعر بالراحة الآن؟»
وإنما: «ما الذي يرضي الله؟ وما الذي أمرني به الشرع في هذه الحال؟»
وهذا لا يعني أن المسلم يطلب الأذى أو يبقى في الظلم، بل يعني أنه لا يجعل مجرد الألم النفسي دليلًا قاطعًا على أن العلاقة فاسدة، كما لا يجعل مجرد الراحة دليلًا على أن العلاقة صحيحة.
وهذا يظهر بوضوح في العلاقات.
انظر مثلًا إلى التعامل مع شريك مسيء، سواء كان خطيبًا أو زوجًا أو أبًا أو أخًا أو أمًا.
قد يأتي خطاب معين ليختزل الحل في: اقطع، احظر، اخرج، لا تتواصل، وانتظر أن يرتطم الطرف الآخر بالقاع حتى يتغير.
وقد يكون قطع العلاقة مشروعًا في بعض الأحوال، وقد يجب إذا ترتب على استمرارها ضرر معتبر أو فتنة أو معصية، لكن ليس كل علاقة مؤلمة تُعالج بالطريقة نفسها، وليس كل خلاف يساوي ظلمًا، وليس كل ألم دليلًا على وجوب القطيعة.
الشريعة جاءت بمنظومة أوسع وأدق: نصح، وإصلاح، وتغافل، وهجر في موضعه، وتحكيم عند الحاجة، وإمساك بمعروف، وتسريح بإحسان حيث يكون الفراق هو الحل المشروع.
فهي لا تأمر الإنسان أن يظلم نفسه، ولا تأمره كذلك أن يجعل كل مشقة في العلاقات سببًا للقطيعة.
بل تنظر إلى نوع الضرر، وسببه، ودرجته، وحقوق الأطراف، والمآلات، والحكم الشرعي في كل حالة.
وكذلك نظرة الإسلام إلى الألم والابتلاء
وهذه من أعظم نقاط الاختلاف.
بعض الخطابات النفسية الحديثة قد تجعل الألم الشعوري الناتج عن العلاقة مؤشرًا حاسمًا على أن البيئة «سامة» وأن الخروج منها هو العلاج.
لكن الشريعة أكثر تفصيلًا.
فهناك ألم ناشئ عن ظلم وعدوان، وهذا يشرع دفعه ورفعه.
وهناك ألم ناشئ عن طبيعة الحياة البشرية: اختلاف الطباع، وتفاوت المزاج، وسوء الفهم، والمشقة الملازمة لبعض المسؤوليات، ومجاهدة النفس، واحتمال ما لا يخلو منه بيت من البيوت من المنغصات.
وهذا لا يعني أن كل ألم ينبغي احتماله، وإنما يعني أن الألم في ذاته ليس حكمًا شرعيًا.
قال الله تعالى: ﴿فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19].
فقد تكره النفس شيئًا، ويكون فيه خير كثير.
وقد يكون في الصبر على بعض المكاره تربية للنفس، وتهذيب للأخلاق، وتعويد على الإحسان، وتعظيم لمعنى المسؤولية، ورفع للدرجات عند الله.
ولهذا فالسؤال ليس دائمًا: كيف أتخلص من الألم؟
بل قد يكون السؤال الأصح: هل هذا الألم ظلم يجب أن أرفعه، أم ابتلاء مشروع ينبغي أن أتعلم كيف أتعامل معه وأحتسبه؟
وهذا التفريق لا يمكن أن يقوم به الإنسان بمجرد مشاعره، بل يحتاج إلى علم بالشرع وبصيرة بالنفس والواقع.
أصل المشكلة: ضعف البناء قبل وقوع الأزمة
ولهذا أعود إلى ما بدأت به.
كثير من الناس لا يحتاجون فقط إلى علاج المشكلة التي وقعت، بل يحتاجون إلى أن يسألوا: لماذا كنتُ مستعدًا أصلًا لأن أقع فيها؟
لماذا تعلقت بهذا الشخص بهذا القدر؟
لماذا أصبحت قيمتي عندي مرتبطة برضاه عني؟
لماذا لا أستطيع احتمال الفقد؟
لماذا أكرر النمط نفسه في العلاقات؟
لماذا أبحث دائمًا عن قبول الناس؟
لماذا أهرب من كل مشقة؟
لماذا أفسر كل خلاف على أنه إساءة؟
ولماذا أجد نفسي أحيانًا أعلم الحكم الشرعي، لكن قلبي لا يزال يريد شيئًا آخر؟
هنا نحتاج إلى إصلاح الأصل.
نحتاج إلى بناء عقدي وإيماني صحيح، وإلى فقه في الدين، وإلى معرفة بالله وأسمائه وصفاته، وإلى فهم لحقيقة الدنيا والآخرة، وإلى معرفة بمقامات الصبر والتوكل والرضا والخوف والرجاء، وإلى تعلم أحكام العلاقات والحقوق والواجبات.
حتى إذا جاءت الفتنة وجد الإنسان في قلبه أصلًا ثابتًا يرجع إليه.
فالوقاية الحقيقية ليست أن تحفظ عشرين جملة عن «العلاقات السامة»، وإنما أن تبني في قلبك من الإيمان والعلم ما يجعلك تعرف حدود الله قبل أن تدخل العلاقة، وتعرف حقوقك وواجباتك أثناءها، وتعرف كيف تتصرف إذا وقع الخلل.
لذلك: لا نريد مُسكّنات، وإنما نريد غذاءً.
أنا لا أريد منك أن تترك كل كتاب بشري، ولا أن تظن أن كل ما كتب في علم النفس والعلاقات باطل.
لكن أريد أن يكون عندك ميزان.
أن تقرأ بعقل المؤمن لا بعقل المتلقي المستسلم.
أن تأخذ ما وافق الحق وانتفعت به، وأن ترد ما خالف الوحي، وأن تعرف أن التجربة البشرية مهما بلغت لا يمكن أن تكون بديلًا عن هداية الله.
والأهم من ذلك كله: لا تجعل الكتب التي تتحدث عن النفس هي التي تعرّف لك نفسك، ثم تذهب إلى الوحي لتبحث عن شيء يوافق التعريف الذي أخذته منها.
بل اجعل الوحي هو الذي يعرّف لك الإنسان، وغاية وجوده، وعلاقته بربه، وحقوقه، وواجباته، ومرض قلبه، وطريق تزكيته.
ثم بعد ذلك انتفع بما عند البشر مما لا يخالف هذا الأصل.
فالفرق كبير بين إنسان يقرأ كتابًا ليستعين به على فهم جانب من المشكلة، وبين إنسان يجعل الكتاب مرجعية لتشكيل نظرته إلى نفسه ودينه وعلاقاته.
الأول قد ينتفع.
أما الثاني فقد يتشرب منظومة كاملة وهو لا يشعر.
ولهذا فإن الخير كل الخير أن نرجع إلى الأصل:
نبني أنفسنا بالوحي، ونفهم مشكلاتنا في ضوء الوحي، ونعالج قلوبنا بالوحي، ونتعلم من الشرع كيف نحفظ أنفسنا في علاقاتنا، ثم ننتفع بما عند البشر بقدر ما وافق الحق ونفع.
لأن القلب إذا امتلأ بالوحي لم يعد يبحث عن مجرد كلام يدغدغ مشاعره، وإنما يبحث عن الحق الذي يهديه، وإن خالف هواه، والدواء الذي يصلح قلبه، وإن كان مرًّا على نفسه.
وهذا هو الفرق بين المُسكِّن والغذاء، وبين أن تبحث عن شيء يجعلك تشعر بتحسن مؤقت، وبين أن تبحث عما يصلحك حقًا بإذن الله.
بقلم ابن الأثيل.






