ليس هذا المقال جزءًا من حملة «ماغ» المؤيدة لترامب التي تستهدف عبدول السيد، ولا من الحملات التي تشنها جهات يهودية ضده، ولا من الحملات المصرية التي تحركها مواقفه الناقدة للنظام المصري، ولسنا معنيين بالدفاع عن ترامب، ولا بتبرئة خصوم عبدول، ولا بتسويغ حملات التشويه والعنصرية التي يتعرض لها. لكننا أيضًا لسنا ملزمين بأن نضع عقولنا جانبًا، وأن نعتبر وصول شخص إلى الكونجرس انتصارًا للإسلام لمجرد أن اسمه "عبد الرحمن السيد"، أو أن أصوله مصرية، أو أنه اتخذ موقفًا معارضًا للحرب على غزة.

 المسألة ليست من انتصر انتخابيًا، بل ماذا انتصر في مواقفه؟

 هذه هي البوصلة التي اختلت عند بعض المسلمين المتحمسين، حيث انتقلوا من الاحتفاء بتمثيل انتخابي لشخص يحمل لقب "مسلم" إلى تقديمه بوصفه نصرًا للدين، وكأن الهوية تمنح حصانة من النقد، وكأن مجرد الانتساب يكفي لإضفاء المشروعية على المواقف.

عبدول السيد أعلن مواقف واضحة في قضايا لا تحتمل التجميل الشرعي، فقد أعلن دعمه لحقوق المثليين والمتحولين جنسيًا، ودافع عن الحماية القانونية لهم، وعن إتاحة الرعاية المرتبطة بتأكيد الهوية الجندرية، كما حظي بتأييد منظمة «حملة حقوق الإنسان» الأمريكية، إحدى أبرز المنظمات المدافعة عن حقوق مجتمع الميم، وهذه ليست اتهامات أطلقها خصومه، بل مواقف معلنة وتأييد موثق من المنظمة نفسها.

وهنا نسأل الذين يرفعون صوره باعتبارها راية انتصار للإسلام: بأي ميزان يصبح تبني هذه المواقف انتصارًا للدين؟ وهل يُختزل الإسلام في هوية المرشح، ثم تُعطّل أحكامه عندما تتعارض مع برنامجه السياسي؟

قال الله تعالى في قوم لوط: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. فكيف يُحتفى بمواقف سياسية تدافع عن شخص أيد ما حرمه الوحي، ثم يُطلب من المسلمين أن يسموا ذلك نصرًا للإسلام؟

ولا ينفع هنا الاحتماء بالهوية أو النسب أو الصفة الاجتماعية، فالقرآن ضرب مثلًا بامرأة نوح وامرأة لوط، فقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [التحريم: 10]. وهذه قصة في القرآن من أعظم القصص التي تدعم "الولاء والبراء"، حيث أن رابط الزوجية بنبي لم تنفعهما حين خالفتا الإيمان. فالعبرة ليست بالانتساب، وإنما بالحق الذي يلتزمه الإنسان والموقف الذي يقفه.

ثم يأتي القسم الدستوري الأمريكي الذي سيؤديه عبدول عند مباشرة عضويته في مجلس الشيوخ، وهو التزام دستوري يتضمن التعهد بدعم دستور الولايات المتحدة والدفاع عنه. وهنا سؤال لا يجوز إسكاتُه: ما حدود الالتزام بدستور وضعي يتضمن منظومة تشريعية وقيمية تتعارض مع أحكام الشريعة؟، وهل يجوز أن يتحول هذا الالتزام إلى أمر لا يُناقش لمجرد أن صاحبه حقق مكسبًا انتخابيًا؟. ولذلك، إن أبيت إلا أن تحتفل به ، فاحتفل به كونه "مواطنًا أمريكيًا" ، وليس كونه "انتصارًا للإسلام".

أما الاعتراض على ما يحدث في غزة، فهو موقف يُحمد لصاحبه بقدر ما فيه من حق، لكنه لا يمحو بقية المواقف ولا يمنح تزكية شاملة. فهناك غير مسلمين اعترضوا على العدوان، ونددوا بقتل المدنيين، وطالبوا بوقف الدعم العسكري، ولم يجعلنا ذلك نمنحهم ولاءً دينيًا أو نتبنى كل ما يقولونه.

نأخذ الحق ممن جاء به، ونرد الباطل ممن قاله، ولا نخلط بين موافقة في قضية وتزكية في العقيدة والمنهج.

والأمر نفسه مع آدم حموي، فالرجل يقدم في سيرته الانتخابية خدمته العسكرية الأمريكية باعتبارها جزءًا أساسيًا من مسيرته، ويذكر أكثر من عشرين عامًا من الخدمة العسكرية، ووصوله إلى رتبة مقدم، وعمله جراحًا عسكريًا في العراق خلال ذروة الغزو الأمريكي. كما يذكر مساهمته في علاج جنود أمريكيين، ومن بينهم السيناتورة تامي داكوورث، التي أُصيبت في العراق. ثم يبرز مشاركته في بعثات طبية إلى غزة عامي 2024 و2025، وعلاجه المصابين والأطفال هناك.

نحن لا ننكر فضل الطبيب الذي ينقذ جريحًا أو يعالج طفلًا، ولا نسوّي بين الطبيب الذي يعالج المصابين وبين من يباشر القتال.

لكن السؤال الذي نرفض إسقاطه هو: كيف تتحول صور العلاج في غزة إلى شهادة تزكية سياسية مطلقة، بينما يُغفل سجل الخدمة في الجيش الأمريكي الذي قتل أطفالنا ونسائنا وفعل في أمتنا مافعل؟ وكيف يُقدم ذلك باعتباره انتصارًا للإسلام دون قراءة السيرة كاملة، ودون التمييز بين العمل الإنساني والموقف السياسي والعسكري؟.

إن علاج المصابين فضيلة في موضعها، لكنه لا يمحو الأسئلة المتعلقة ببقية المسيرة. الميزان هو الإنصاف، لا الانتقاء.

أما أخطر ما في هذه الفتنة فهو توظيف كلام شيخ الإسلام ابن تيمية لتكميم أفواه المعترضين.

 يقتبس بعضهم قوله رحمه الله: «ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر، وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين»، ويستشهدون بكلامه عن تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، ثم يقفزون من هذه القاعدة إلى نتيجة جاهزة: يجب التصويت لعبدول أو حموي، ومن يمتنع أو يعترض لا يفقه الواقع ولا يعرف فقه الموازنات!

لكنهم يقتطعون القاعدة من شروطها، ويغفلون قيدًا حاسمًا ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى (20/53): «دفع ما هو أسوأ منها إذا لم تدفع إلا بها».

تأملوا: إذا لم تُدفع إلا بها.

ليست كل مفسدة أصغر مباحة لمجرد وجود مفسدة أكبر، وليس كل مرشح يُوصف بأنه أقل سوءًا يصبح التصويت له واجبًا شرعيًا. لا بد من إثبات أن المفسدة الأكبر لا يمكن دفعها بوسيلة أخرى، وأن التصويت لهذا المرشح سيؤدي بالفعل إلى دفعها، وأن المصلحة المتحققة راجحة وفق ميزان الشرع، لا وفق الحسابات الحزبية وحدها. وإلا أصبح فقه الموازنات ستارًا فقهيًا لقرار سياسي اتُّخذ مسبقًا، ثم جرى البحث عن نصوص العلماء لتبريره.

فهل أثبت هؤلاء أن الخطر لا يُدفع إلا بعبدول؟ وهل أثبتوا أن تأييده والاحتفال به سيمنع المفسدة فعلًا؟ وهل أدخلوا خيار الامتناع ضمن الموازنة؟ أم أنهم افترضوا النتيجة، ثم جعلوا كلام ابن تيمية ختمًا شرعيًا عليها؟

والأدهى أن بعضهم يتعامل مع اجتهاده السياسي كأنه حكم شرعي ملزم للأمة، فيصنف المخالف بالجهل وقلة الفقه. وهذا قلب للمسألة؛ فالموازنة الشرعية تحتاج علمًا بالشرع، ومعرفة بالواقع، وتقديرًا للمآلات، ولا تتحول إلى عصا يُضرب بها كل من لم يصوت للمرشح الذي اختاره صاحبها.

ولا يجوز كذلك استدعاء آيات سورة الروم لتصوير فوز عبدول أو حموي وكأنه امتداد لفرح المؤمنين بانتصار الروم على الفرس. فالآيات تتحدث عن واقعة تاريخية محددة، وفرح المؤمنين بغلبة أهل الكتاب على المجوس، ولا تمنح تفويضًا دينيًا مفتوحًا لتزكية كل شخص أو مشروع سياسي يحمل عنوانًا قريبًا من هويتهم. انتصار الروم في تلك الواقعة لم يجعل كل عقائدهم وممارساتهم حقًا، فكيف يُستخرج من الآية حكم لم تقله، ويُحمّل النص ما لا يحتمل؟

إننا لا نريد عبدولًا شيطانًا كما تريده حملات التشويه، ولا نريده بطلًا إسلاميًا كما تصنعه حملات التزكية. نريد ميزانًا لا يميل مع الهوى: نُنصفه فيما أصاب، وننقده فيما أخطأ، ونرفض استغلال اسمه في معارك ترامب أو خصومه أو خصوم النظام المصري، ونرفض بالقدر نفسه أن يتحول فوزه إلى انتصار موهوم للإسلام.

فالإسلام ليس بطاقة انتخابية، ولا شعار حملة، ولا صورة مرشح تُرفع ثم يُطلب من الناس أن يغضوا الطرف عن مواقفه.

الإسلام يؤخذ كله: عقيدةً وعبادةً وأخلاقًا وتشريعًا وموقفًا من الحق والباطل. لا نأخذ منه ما يوافق حساباتنا ونترك ما يخالفها، ولا نُسقط ثوابته لأن مرشحًا حقق لنا مكسبًا سياسيًا.

قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]، وقال سبحانه: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 40].

فالنصر ليس أن يصل شخص يحمل اسمًا مسلمًا إلى مجلس الشيوخ، ولا أن يدخل آخر إلى مجلس النواب، ثم نعلن أن الإسلام انتصر. النصر أن ننصر أمر الله، ونقيم شرعه في أنفسنا، ونثبت على الحق، ولا نبيع المحكمات بثمن مكسب سياسي عابر.