وصل للأخبار | مقال رأي:
إن من أخطر ما يُبتلى به المجتمع في مراحل التحول والحساسية السياسية، أن تسرق منه ثوابته، وتشوه مقدساته، وتستغل أنبياؤه لتسويق مشاريع التنازل عن الحقوق. حين تتخذ من "أبو الأنبياء" إبراهيم عليه السلام غطاءً لتبرير التطبيع مع الاحتلال الصهيوني، وتفتح الأبواب أمام شبكات النفوذ الخارجية في بلدٍ ينهض من جراحه، يصبح لزامًا على النخب والعلماء والمجتمع أن يطرحوا أسئلة الجوهر لا الشكل: ما حقيقة هذا المشروع؟ ومن يموّله؟ وأي مستقبلٍ يُراد لسوريا وأهلها؟
من التطبيع السياسي إلى الهندسة الاجتماعية
لم تخرج "الحركة الإبراهيمية" إلى الوجود من فراغ، بل هي الذراع المجتمعي والديني لما يسمى "اتفاقات أبراهام" عام 2020م، التي سعت إلى فصل القضية الفلسطينية عن الوجدان العربي. وتهدف هذه الحركة عالميًا إلى ترويج ما يُسمى بـ "المرجعية الإبراهيمية"، وهو مصطلح يُراد به تكييف الوعي الإسلامي والمسيحي واليهودي ليقبل بالتعايش مع الاحتلال الصهيوني كأمر واقع.
أما في سوريا، فقد بدأ حضور الحركة يأخذ طابعًا علنيًا خلال عام 2026، مع ظهور جمال صباغ في واجهتها، ثم تعيين سامي نوفل مديرًا تنفيذيًا، إلى جانب الإعلان عن مسؤولين ومبعوثين للتواصل مع أديان وثنية وباطنية متعددة، بينها النصيرية (العلويون) والدروز، وكذلك مع الطوائف السريانية النصرانية (المسيحية). ورافق هذا النشاط حديث عن خلافات تنظيمية وتبدلات في المواقع القيادية، فضلًا عن غموض يحيط بوضعها القانوني ومصادر تمويلها وطبيعة ارتباطاتها.
توظيف اسم "إبراهيم" عليه السلام: تحريفٌ وتبرير للمغتصب
إن إبراهيم عليه السلام هو إمام الحنفاء، ورمز التوحيد الخالص، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: 67].
ومن الإساءة للدين والافتراء عليه أن يُختزل إرث خليل الرحمن في مشروع سياسي يشرعن اغتصاب الأرض، ويُبطل حق العودة، ويُساوي بين الضحية والجلاد. إن الأنبياء عليهم السلام بُعثوا لإقامة العدل ومقاومة الظلم، لا ليُتخذت أسماؤهم ذريعةً لتطبيع الاحتلال وتجميل وجهه البشع.
ومن منظور فقهي، فإن التعامل مع "الكيان الصهيوني" لا يخضع لأحكام "أهل الذمة" أو "المعاهدين"، بل يخضع لأحكام الغاصب المحارب الذي يحتل مقدسات المسلمين وأراضيهم. قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ [هود: 113].
ازدواجية المعايير: أين كانت "الإنسانية" حين سُفكت دماء السوريين؟
من حق السوريين أن يواجهوا القائمين على هذا المشروع بـ "ميزان العدالة" الذي لا يقبل الازدواجية: أين كان خطابكم عن "السلام" و"حقوق الإنسان" و"التعايش" حين كانت طائرات النظام السابق تُمطر المدن بالبراميل المتفجرة والكيماوي؟ أين كانت "المرجعية الإنسانية" حين حُوصرت الغوطة وحلب وإدلب الزبداني ومضايا، وسُجن مئات الآلاف في أفرع المخابرات؟
إن الإسلام يرفض رفضًا قاطعًا أن تُنتقى المظلوميات، أو أن تُتخذ دماء السوريين الذين ضحوا بحريتهم وكرامتهم سلعةً للمقايضة السياسية. فمن صمت عن ظلم النظام السابق لسنوات، ثم يتباكى اليوم على "السلام" مع الاحتلال الصهيوني، لهو أدرى الناس بمقاصده، وأبعدهم عن أخلاق الأنبياء.
اختراق النسيج الاجتماعي
إن مما يثير القلق استهداف هذه الحركة لأتباع العقائد الوثنية والباطنية بعينها، من خلال ما يُسمّى "مكاتب التواصل" التابعة لقيادة خارجية، في خطوة تكشف عن مسعى لتشكيل حلف يخدم أعداء الأمة، وتوظيف أتباع العقائد الوثنية والباطنية لتفكيك روابط المجتمع.
والسؤال الجوهري هنا: من فوّض هذه الحركة الخارجية لتتحدث باسم الدروز أو السريان أو غيرهم؟ ومن منحها حق تمثيل جماعات لم تفوضها، أو التحدث باسمها وتقرير مواقفها؟ وما الغايات الحقيقية وراء هذه التحركات والارتباطات الخارجية؟
الأهداف الاستراتيجية للمشروع: قراءة في المآلات
يمكن تلخيص المرامي الحقيقية لهذا الفرع السوري في النقاط التالية:
- التطبيع التدريجي (الخطوة بخطوة): تهيئة البيئة النفسية والاجتماعية لقبول التعايش مع الاحتلال، بدءًا من الجولان وصولًا إلى القبول السياسي والشعبي.
- الهندسة الاجتماعية: زرع بذور الانقسام عبر التواصل المنفصل مع الأديان الوثنية والباطنية، وتوظيفها في بناء شبكات ارتباط خاصة.
- تسويق الصهيونية العربية: الترويج لأدبيات وأطروحات فكرية تحاول التوفيق بين العروبة والإسلام من جهة، والصهيونية من جهة أخرى، في محاولة لخلط المفاهيم وتذويب الفوارق بين عقيدة التوحيد والمشاريع المعادية للإسلام. وهو مشروع فكري متهافت، يقوم على التناقض بين الانتماء إلى الإسلام والترويج لمشروع صهيوني قائم على الاحتلال والعدوان.
- التغلغل الناعم: بناء شبكات نفوذ غير خاضعة للمساءلة ، تُمهد لمصالح إقليمية ودولية على حساب السيادة السورية.
خاتمة ودعوة إلى اليقظة
إن الحقوق لا تسقط بالشعارات، والاحتلال لا تُمنح له الشرعية عبر ما يُسمّى بالحوار الديني، والظلم لا يتحول إلى حق مهما تعددت محاولات تزيينه وتبريره، والمظلوم لن يتنازل عن حقه مهما ارتفعت أصوات المطبّعين والمروّجين لمشاريع الاحتلال.
وإننا ندعو علماء سوريا الأجلاء، وطلبة العلم، والمفكرين، وأهل الرأي والوجهاء، إلى تحمّل مسؤولياتهم الشرعية في كشف حقيقة هذا المشروع، وبيان مخالفاته العقدية والشرعية، والتحذير من مساعيه الرامية إلى تمييع العقيدة، وتسويغ التطبيع، وفتح أبواب النفوذ أمام الجهات المعادية للإسلام والمسلمين.
فاليقظة اليوم واجب شرعي، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسؤولية، وصيانة عقيدة المسلمين من التحريف والتذويب أمانة، والبراءة من الاحتلال والعدوان ومشاريعهما من مقتضيات الإيمان.
وكلمتنا في ذلك قول الله تعالى:
﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141].
فلا يجوز للمؤمن أن يرضى بالذل، أو يشرعن الظلم، أو يعين المعتدي على عدوانه، ولا أن يفرّط في ثوابت دينه تحت ضغط المصالح السياسية أو الشعارات الزائفة. وإنما العزة في التمسك بدين الله، والثبات على الحق، ونصرة المظلوم، ورفض العدوان،
قال تعالى:
﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: 8].
ولا سبيل للاحتلال علينا إلا إن رضينا بالذل، وهو ما يأباه الله ورسوله والمؤمنون.






