في أواخر القرن الحادي عشر الهجري، الموافق أواخر القرن السابع عشر الميلادي، كانت الهند المغولية واحدة من أعظم القوى في العالم. امتدت سلطنتها على أجزاء واسعة من شبه القارة الهندية، شملت الهند والسند، أي باكستان، وإقليم البنغال، أي بنغلادش، وأجزاء من أفغانستان ونيبال. ولم تقتصر مكانتها على اتساع أراضيها فقد كانت مركزًا اقتصاديًا بالغ الثراء وقوة عسكرية كبيرة، قبل أن تدخل مرحلة من الصراعات والانقسامات مهّدت لانحسار نفوذها وصعود القوى الأوروبية.
برزت مكانة الهند الاقتصادية في حجم إنتاجها وتنوعه. فقد كانت تنتج، وفق التقديرات الواردة، نحو ربع الإنتاج العالمي من البضائع التجارية والسلع اليدوية والغذائية، ومنها الطعام والبهارات والقطن والحرير والذهب. ووصل نفوذها التجاري إلى حدّ جعل الفضة، المستخدمة في شراء البضائع الهندية، ترتفع قيمتها في مرحلة من المراحل حتى تجاوزت الذهب.
وكانت جاذبية الهند التجارية واضحة في انتشار شركات أوروبية تحمل اسم «الهند الشرقية». فقد تأسست شركات بريطانية وهولندية ودنماركية وبرتغالية وفرنسية وسويدية، إلى جانب شركات أخرى، وبلغ عدد الشركات التجارية الأوروبية التي استلهمت اسمها من الهند قرابة 12 شركة. وقد عكست هذه التسمية حجم المكانة التي احتلتها الهند في التجارة العالمية آنذاك.
وفي مقارنة لافتة، وُصفت الهند بأنها كانت تمثل اقتصاديًا ما تمثله الصين والولايات المتحدة والهند اليوم مجتمعة، بينما لم تكن القوى الأوروبية، بإمبراطورياتها وملوكها، تضاهيها في ذلك الوقت.
صدام ضريبي مع شركة الهند الشرقية
في ربيع الآخر 1091هـ/ الموافق لمايو 1680، أصدر الإمبراطور أورنج زيب فرمانًا بتعديل الرسوم الجمركية على التجار الأجانب في الهند، فارتفعت من 3.5% إلى 5%. وفي المقابل، بلغت الرسوم على التجار المسلمين المحليين 2.5%. وأثار هذا التغيير استياء شركة الهند الشرقية الإنجليزية، التي كانت تحقق أرباحًا كبيرة من تجارتها في الهند.
لم تكن الشركة مجرد مؤسسة تجارية؛ فقد امتلكت أراضي وموظفين وجنودًا وأسطولًا وأسلحة ومدافع، ما جعلها أشبه بكيان سياسي وعسكري. وطالب حاكمها، السير جوزيا تشايلد، بإعفاء ضريبي شامل، لكن طلبه قوبل بالرفض. وعلى إثر ذلك، أُرسل أسطول الشركة العسكري، فقصف موانئ هندية وأسر تجارًا وبحارة، كما اعترض قافلة مسلمين كانت متجهة إلى مكة.
جاء الرد الهندي قويًا؛ إذ سحق الأسطول الهندي سفن الشركة الحربية والتجارية، وسُحبت تراخيصها وأُغلقت أسواقها وصودرت بضائعها، كما أُسر مسؤولوها وتجارها. وانتهت المواجهة بهزيمة مذلة للإنجليز، الذين قبلوا شروط الإمبراطور: أن يأتي تشايلد طالبًا العفو، وأن يُعزل من إدارة الشركة، وأن تدفع الشركة ضرائب أعلى وغرامة تعويضًا عن أضرار الحرب. وخضع تشايلد أمام الإمبراطور، في مشهد عكس مدى اختلاف ميزان القوة بين الطرفين في تلك المرحلة.
وفاة أورنج زيب وبداية التفكك
تغيّر المشهد بعد وفاة أورنج زيب خلال عامي 1118–1119هـ، الموافق 1707. فقد تنازع أبناؤه على العرش، ودخلت الأسرة الحاكمة في صراعات وحروب أهلية، فتوزعت الأراضي بين أطرافها، وبدأت الإمبراطورية والجيش يفقدان وحدتهما. وعلى الرغم من بقاء الهند غنية بثرواتها، أخذت السلطة المركزية تضعف، وبرزت الانقسامات في القيادة والجيش.
في المقابل، كانت الدولة الأفشارية في بلاد فارس تعاني ضيقًا ماليًا ومجاعة تهدد البلاد، لكن نادر شاه امتلك جيشًا قويًا. واستغل نادر ضعف المغول، وبدأ بالتدخل في شؤون الحدود. وجعل من وجود الأفغان الهوتكيين في الأراضي المغولية ذريعة للمطالبة بتسليمهم، إلا أن الإمبراطور المغولي محمد شاه رفض ذلك.
تقدم نادر شرقًا، وسيطر على مدن ومناطق رئيسية، بينها قندهار وبشاور ولاهور وكابول. وبعد سقوط قندهار، دُمّرت المدينة وهُجّر سكانها وهُدمت أسوارها لتفادي استخدامها مركزًا للتمرد، ثم أُنشئت بالقرب منها مدينة جديدة حملت اسم نادر آباد.
معركة كرنال: ثلاث ساعات غيّرت ميزان القوة
التقى الجيشان المغولي والفارسي في معركة كرنال. كان الجيش المغولي، وفق وصف المعركة، أكبر عددًا وأكثر تسليحًا، وضم مدفعية وأفيالًا. أما الجيش الفارسي فكان أقل من نصف عدد المغول وأقل من نصف تسليحهم. ولا يُذكر تعداد إجمالي محدد لأي من الجيشين.
اعتمد نادر شاه على دراسة أرض المعركة وخطوط الإمداد. اعترض قافلة المؤن المتجهة إلى المعسكر المغولي، ثم تظاهر بالتراجع، فاندفعت القوات المغولية لملاحقته حتى وصلت إلى سهل اختاره الفرس ساحةً للقتال. هناك باغتت القوات الفارسية المغول، فيما بقيت المدافع المغولية الثقيلة بعيدة عن القوات التي طاردت الفرس، واستخدمت القوات الفارسية مدافعها المتحركة.
كما أسهمت الأفيال في اضطراب الصفوف المغولية بعدما أخافتها الأعمدة النارية، فهربت ودهست جنودًا في طريقها. وتفاقمت خسائر المغول بسبب غياب التنسيق بين قياداتهم ووحداتهم.
استمر القتال الحاسم، بحسب الرواية، ثلاث ساعات فقط، من أذان الظهر إلى أذان العصر. وبلغ عدد القتلى الفرس 2,500 جندي، مقابل ما لا يقل عن 30,000 قتيل مغولي. وبعد المعركة، حاصر نادر شاه المعسكر الرئيسي، وفي ذي القعدة 1151هـ، الموافق لفبراير 1739، أعلن الإمبراطور محمد شاه الاستسلام غير المشروط.
دخول دلهي ومقاومة السكان
فتح الاستسلام الطريق أمام نادر شاه إلى دلهي، عاصمة المغول، التي اشتهرت بثرائها وكنوزها. وكان الجيش الفارسي يعاني نقصًا في الرواتب، فأُتيح لجنوده جمع المال عبر فرض الضرائب في المناطق الخاضعة لسيطرتهم بدلًا من نهبها. لكن الضرائب كانت شديدة، ورفض تجار دلهي دفع المبالغ المطلوبة، ما أشعل صدامات تحولت إلى حرب شوارع.
تشكّلت مقاومة مدنية في المدينة، وازدادت حدتها بعد انتشار شائعة بأن نادر شاه اغتيل. ووفق الرواية، قتل سكان دلهي نحو 3,000 جندي فارسي خلال الاضطرابات؛ وهو عدد يفوق قتلى الفرس في معركة كرنال، الذين بلغوا 2,500.
ظهر نادر شاه بنفسه في شوارع المدينة، وأطلق أحد السكان النار عليه فأخطأت الرصاصة هدفها. ثم اتجه نادر إلى مسجد روشان الدولة، المعروف اليوم باسم مسجد السوناهري، وأشهر سيفه تجاه المدينة، في إشارة إلى بدء الانتقام.
مذبحة دلهي: 30 ألف قتيل في ست ساعات
أُغلقت مداخل المدينة ومخارجها، وبدأت القوات الفارسية حملة قتل واسعة داخل دلهي. اقتحم الجنود المنازل وصعدوا إلى الأسطح وأطلقوا النار، وقُطعت رؤوس سكان وشُنق آخرون أو أُلقوا من المباني والأسوار. ولم يقتصر القتل على فئة بعينها، بل شمل رجالًا ونساءً وأطفالًا وكبارًا في السن.
وتحدثت الروايات عن أحياء أُحرقت وسكانها محاصرون في داخلها، وعن دخان غطى سماء المدينة ودماء غمرت الأسواق والطرقات. كما وردت شهادات عن عائلات اختارت الانتحار خوفًا من الوقوع في الأسر، وعن أناس احترقوا داخل منازلهم.
وبحسب الرقم الوارد، قُتل 30,000 من سكان دلهي في ست ساعات. كما استمر صمت نادر شاه، الذي كان يصدر أوامره بالإشارات، وكان الإمبراطور محمد شاه حاضرًا وشاهد ما يحدث لرعيته.
ركع محمد شاه أمام نادر، وطلب الرحمة لسكان المدينة، قائلًا: «إذا كنت تريد انتقامًا فخذ حياتي، ولكن ارحم رعاياي الأبرياء». ثم عرض عليه ثروات دلهي وكنوزها مقابل وقف القتل. وافق نادر شاه، وصدر أمر فوري بإنهاء المذبحة.
الغنائم وثروة دلهي
شملت الغنائم، وفق الرواية، كميات هائلة من الذهب والألماس والياقوت والتحف. ومن أبرزها ماسة كوه نور، المعروفة باسم «جبل النور»، وماسة بحر النور، إلى جانب عرش الطاووس، الذي كان من أفخم التحف الفنية في عصره.
قُدّر ما استُخدم في عرش الطاووس بنحو طن ونصف من الذهب الخالص وربع طن من الأحجار الكريمة، وكانت مظلته تستند إلى 12 عمودًا من الذهب. ووفقًا للمقارنات الواردة، بلغت تكلفة بنائه ضعف تكلفة بناء تاج محل.
أما نقل الغنائم، فاستلزم موكبًا ضخمًا ضم 700 فيل حربي و4,000 جمل و12,000 حصان. ويذكر أن نادر شاه دفع رواتب جيشه وزيادة، وأعفى بلاد فارس من الضرائب ثلاث سنوات، في دلالة على حجم الثروة التي استولى عليها. ووُصفت الغنائم بأنها من أكبر ما حصل عليه منتصر في الحروب.
من انحسار المغول إلى صعود الإنجليز
بعد هزيمة كرنال ومذبحة دلهي ونهب جانب كبير من ثرواتها، ضعفت السلطة المركزية المغولية، وفقد الإمبراطور جيشه وهيبته، وانحصرت سلطته في العاصمة. وبدأت قوى وأقاليم مختلفة تطالب بالاستقلال أو تنفصل فعليًا، ومنها الماراثا والبنغال وحيدر آباد والكارناتيك، إلى جانب قوى أخرى كالهندوس والسيخ والروهيلا.
استغل الإنجليز والفرنسيون هذا الانقسام للعودة إلى الهند. تمركز الإنجليز في البنغال، بينما ركز الفرنسيون نشاطهم في إقليم الكارناتيك. وفي معركة أديار خلال عامي 1159–1160هـ، الموافق 1746، هُزمت قوات الكارناتيك أمام الفرنسيين.
ثم تصاعد التنافس بين بريطانيا وفرنسا بالتوازي مع حرب السنوات السبع التي بدأت ، خلال عامي 1169–1170هـ الموافق 1756. سلّح الإنجليز مراكزهم التجارية في البنغال، رغم رفض حاكم الإقليم سراج الدولة امتلاكها أسلحة ثقيلة خشية تحولها إلى قوة عسكرية تهدد المنطقة.
وتذكر الرواية حادثة «الحفرة السوداء»، إذ احتُجز 146 إنجليزيًا في غرفة مساحتها 23 مترًا مربعًا. وقدّرت المساحة المتاحة لكل شخص بنحو 0.16 متر مربع، أو قرابة 40 × 40 سنتيمترًا، وقالت إن 123 من أصل 146 ماتوا اختناقًا.
أرسل الإنجليز بعد ذلك قوة قوامها 3,100 جندي، بينهم 750 إنجليزيًا، بينما كان الباقون مقاتلين هنودًا جندهم الإنجليز. وفي معركة بيلاسي خلال عامي 1171–1172هـ الموافق 1758م. مُنيت قوات البنغال بهزيمة كبيرة، وأُعدم سراج الدولة، ثم بسط الإنجليز سيطرتهم على البنغال وحوّلوا مراكزهم التجارية إلى مستعمرات.
وباستيلائهم على ثروات البنغال، تعززت موارد الإنجليز، فيما واجه الفرنسيون ضائقة مالية. وتوسعت السيطرة الإنجليزية لاحقًا، وطُردت القوات الفرنسية من شبه القارة الهندية، لتجد الأقاليم الهندية المنقسمة نفسها أمام قوة أوروبية متنامية.
وهكذا اجتمعت عوامل داخلية وخارجية في مسار التحول: انقسام السلطة المغولية وتفكك الجيش، وهزيمة كرنال، ومذبحة دلهي ونهب ثرواتها، ثم استغلال الإنجليز والفرنسيين للتنافس بين الأقاليم. وكان نادر شاه أحد العوامل التي أسهمت بقوة في إضعاف الهند المغولية، بينما ساعدت السيطرة على البنغال وثرواتها لاحقًا في ترسيخ النفوذ البريطاني.






