يواجه المسلمون في مدينة سبتة المغربية، الواقعة تحت الإدارة الإسبانية على الساحل الشمالي لإفريقيا، تصاعدًا في الاعتداءات العنصرية والمضايقات اللفظية والجسدية، على خلفية أزمة الهجرة التي شهدتها المدينة خلال الصيف الماضي، وسط شكاوى من تعرض مواطنين إسبان مسلمين للإهانات والتشكيك في انتمائهم الوطني، رغم إقامة عائلاتهم في المدينة منذ أجيال.

وكشف تحقيق نشره موقع «هايفن» (Hyphen)، الثلاثاء 27 أكتوبر، أن التوترات المرتبطة بتدفق المهاجرين من المغرب إلى سبتة تحولت إلى مصدر قلق متزايد للسكان المسلمين، الذين بات بعضهم يتعرض لمعاملات عدائية بسبب مظهره أو دينه أو لغته، في مدينة طالما عُرفت بتعايش مجموعاتها الدينية المختلفة.

إهانات عنصرية واعتداءات تطال المسلمين

قال عبد الله مصطفى، رئيس جمعية حي سيدي مبارك في سبتة، إنه يتلقى يوميًا عشرات الاتصالات من سكان مسلمين تعرضوا لمضايقات أو اعتداءات عنصرية منذ تدفق المهاجرين إلى المدينة في يوليو الماضي.

وأوضح مصطفى أنه يتلقى في بعض الصباحات ما يصل إلى 40 اتصالًا، من بينها شكاوى لأسر تعرضت للإهانة في الأماكن العامة.

وروى حادثة تعرض أم مسلمة لإهانة عنصرية أثناء انتظارها الحافلة برفقة ابنتها البالغة من العمر ست سنوات، مشيرًا إلى أن زوجها أبلغ الشرطة بالواقعة، فيما تواصلت الأسرة مع الجمعية للمساعدة في تسليط الضوء عليها.

واتهم مصطفى السلطات المحلية بعدم اتخاذ إجراءات كافية لمواجهة التوترات، محذرًا من أن بعض التصريحات السياسية المتعلقة بالمهاجرين ساهمت، برأيه، في تأجيج العداء تجاه المسلمين المقيمين في المدينة.

وأشار إلى أن الاعتداءات لم تعد تستهدف المهاجرين الوافدين حديثًا فحسب، بل امتدت إلى مواطنين إسبان مسلمين ولدوا ونشؤوا في سبتة، ولا تربطهم بأزمة الهجرة سوى أصولهم الثقافية أو انتماؤهم الديني.

طفلة في الثالثة عشرة تتعرض لاعتداء عنصري

ومن أبرز الوقائع التي تناولها التحقيق حادثة تعرض طفلة تبلغ من العمر 13 عامًا، تنتمي إلى أسرة إسبانية ذات خلفية مسلمة، لمضايقات واعتداء مزعوم أثناء مشاركتها في إحدى المظاهرات المحلية.

وبحسب شهادات نقلتها وسائل إعلام إسبانية، تعرضت الطفلة لاتهامات بأنها من المهاجرين غير النظاميين، وطُلب منها إثبات هويتها، رغم أنها تنتمي إلى عائلة تحمل الجنسية الإسبانية منذ أجيال.

كما تحدث تحقيق «هايفن» عن اتهام الطفلة وشخص مسلم آخر بنقل مرض السل، وهي إساءة أثارت غضب أسرتها.

وقدمت والدة الطفلة شكوى إلى الشرطة الوطنية الإسبانية، فيما طالب نشطاء محليون بالتحقيق في الحادثة ومحاسبة المسؤولين عنها. ولم تتضح النتائج النهائية للتحقيق.

وسبق أن وثّقت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإسبانية (RTVE)، في سبتمبر الماضي، شهادات لمسلمين من سبتة اشتكوا من مطالبتهم المتكررة بإثبات جنسيتهم، لمجرد أن ملامحهم أو أصولهم تختلف عن الصورة النمطية للمواطن الإسباني.

مسلمون منذ أجيال.. وهويتهم موضع تشكيك

يشكل المسلمون نحو 43% من سكان سبتة البالغ عددهم قرابة 84 ألف نسمة، وفق البيانات السكانية التي أوردها التحقيق، ويعيش كثير منهم في المدينة منذ أجيال، ويحملون الجنسية الإسبانية ويتمتعون بحقوق المواطنة.

وتُعد سبتة واحدة من أكثر المدن المغربية الإسبانية تنوعًا دينيًا وثقافيًا، إذ تضم مجتمعات مسلمة ونصرانية ويهودية وهندوسية.

غير أن هذا التنوع لم يمنع ظهور ممارسات تمييزية بحق بعض سكانها المسلمين، خصوصًا مع تصاعد التوترات السياسية المتعلقة بالهجرة والعلاقة مع المغرب.

وقالت سهام عبد الله، وهي مواطنة إسبانية مسلمة وُلد آباؤها وأجدادها وأسلافها في سبتة، إن الأزمة الأخيرة منحت بعض الأشخاص فرصة للتعبير علنًا عن مواقف عدائية كانت موجودة سابقًا.

وأوضحت أن أفرادًا من عائلتها خدموا في الجيش الإسباني، ومع ذلك ما يزال انتماؤهم الوطني عرضة للتشكيك بسبب هويتهم الدينية والثقافية.

كما عبّر نجيب، وهو مدرب كرة قدم تنتمي عائلته إلى الجيل الخامس من الإسبان، عن استيائه من النظرة المتشككة تجاه بناته المحجبات، مؤكدًا تمسكه بهويته الإسبانية ورفضه معاملته باعتباره أجنبيًا.

أزمة الهجرة تعيد العنصرية إلى الواجهة

image.png

تفاقمت التوترات في سبتة عقب وصول عشرات الآلاف من المهاجرين من المغرب خلال يومي 30 و31 يوليو الماضي، في موجة عبور واسعة وضعت الخدمات المحلية والسلطات الأمنية أمام تحديات كبيرة.

ورغم عودة معظم الوافدين لاحقًا، أفادت بيانات للشرطة نقلها تحقيق «هايفن» بأن ما بين 16 ألفًا و18 ألف مهاجر كانوا لا يزالون في المدينة حتى 12 أكتوبر، ويقيم كثير منهم في ظروف معيشية صعبة.

وأثارت الأزمة احتجاجات واسعة طالبت السلطات الإسبانية باتخاذ إجراءات لمعالجة الأوضاع الأمنية والإنسانية، في وقت اتهم فيه بعض السكان الخطاب السياسي والإعلامي بالمساهمة في تأجيج الكراهية.

وكان رئيس حكومة سبتة المحلية، خوان خيسوس بيباس، قد وصف تدفق المهاجرين في تصريحات سابقة بأنه «غزو»، واتهم المغرب بانتهاج سياسة ضغط ضد المدينة.

ويرى عبد الله مصطفى أن استخدام مثل هذه الأوصاف ساهم في انتشار مشاعر العداء تجاه المهاجرين والسكان المسلمين على حد سواء، بينما شدد بيباس في تصريحات أخرى على ضرورة الدفاع عن سبتة بمشاركة جميع سكانها، بصرف النظر عن معتقداتهم وأصولهم.

وكشف المرصد الإسباني للعنصرية وكراهية الأجانب عن رصد نحو 9,600 رسالة تحريضية على وسائل التواصل الاجتماعي خلال 48 ساعة من أزمة الهجرة، تضمنت بعض المنشورات اتهامات لمسلمي سبتة بالولاء للمغرب، ودعوات لطردهم من المدينة.

بين الهوية الإسبانية والانتماء الإسلامي

يرى أستاذ علم الاجتماع في جامعة كاتالونيا المفتوحة، فيكتور ألبرت بلانكو، أن الأزمة أبرزت توترًا تاريخيًا يتعلق بالعلاقة بين الهوية الإسبانية والانتماء الإسلامي، خصوصًا في مدينتَي سبتة ومليلية.

وأوضح أن الهوية الوطنية الإسبانية ارتبطت تاريخيًا بالكاثوليكية، وهو ما ساهم في الخلط بين الانتماء الإسلامي والأصول المغربية أو العربية والأمازيغية، رغم أن كثيرًا من المسلمين مواطنون إسبان منذ أجيال.

ويؤدي هذا الخلط، بحسب الباحث، إلى مطالبة المسلمين بإثبات ولائهم وانتمائهم إلى بلد هم مواطنون فيه بالفعل.

وفي المقابل، يؤكد ممثلو المجتمع المسلم في سبتة أن المطالبة بمعالجة أزمة الهجرة وحماية المدينة لا تتعارض مع احترام كرامة المهاجرين أو الدفاع عن حقوق السكان المسلمين.

وشهدت المدينة في 9 أغسطس مظاهرة شاركت فيها جماعات دينية مختلفة، وطالبت بتوفير الأمن والمساعدات الإنسانية والحفاظ على التعايش، في محاولة لاحتواء الانقسام الاجتماعي.

وتكشف شهادات المسلمين في سبتة عن مشكلة تتجاوز أزمة الهجرة نفسها، وتتعلق بمدى قبول التعدد الديني والثقافي داخل المجتمع الإسباني، والتمييز الذي قد يواجهه مواطنون بسبب دينهم أو أصولهم.

وبينما تستمر المطالبات باتخاذ إجراءات لمواجهة الاعتداءات العنصرية، يتمسك مسلمو المدينة بهويتهم الإسبانية وحقهم في العيش بأمان، رافضين تحويل انتمائهم إلى الإسلام إلى سبب للتشكيك في مواطنتهم.