قبل 23 عامًا، فرّ الطفل السوداني أحمد يحيى من قريته في شمال دارفور هربًا من الحرب، ولم يكن قد تجاوز التاسعة من عمره. سار أيامًا وسط ظروف قاسية حتى وصل إلى شرق تشاد، حيث وجد مأوى في مخيم للاجئين، معتقدًا أن إقامته ستكون مؤقتة، وأنه سيعود إلى وطنه بمجرد انتهاء القتال.

لكن السنوات مضت، وتحول الطفل إلى رجل يبلغ اليوم 32 عامًا، وتزوج وأنجب طفلين يكبران في المخيم نفسه الذي استقبله صغيرًا، بعدما قضى معظم حياته بعيدًا عن السودان.

وكشف تحقيق موسع نشرته وكالة رويترز، الاثنين 26 أكتوبر، عن مأساة أجيال من اللاجئين السودانيين العالقين في مخيمات شرق تشاد منذ اندلاع حرب دارفور عام 2003، والذين وجدوا أنفسهم أمام موجة جديدة من النزوح مع استمرار الحرب السودانية الحالية، وسط تراجع حاد في المساعدات الإنسانية وتضاؤل فرص العودة إلى ديارهم.

أطفال الحرب يكبرون في المخيمات

MYSWFQNIDRCGRE6QP3YVVIDCOY (1).avif

كان أحمد يحيى قد انفصل عن معظم أفراد أسرته أثناء فراره من الهجمات التي اجتاحت قريته في شمال دارفور عام 2003، قبل أن يلتحق به شقيقه الأصغر صدام إسماعيل وابن عمه الهادي صالح.

وفقدت العائلة عددًا من أقاربها خلال أعمال العنف، فيما توزع آخرون بين مناطق النزوح واللجوء، ولم يتمكن الأطفال الثلاثة من العودة إلى حياتهم السابقة.

واستقروا في مخيم إيريديمي بشرق تشاد، الذي أُنشئ عام 2004 لاستقبال اللاجئين الفارين من إقليم دارفور، ونشؤوا فيه مع آلاف الأطفال السودانيين الذين اعتقدت أسرهم أن الحرب ستنتهي سريعًا.

لكن المخيم الذي أُقيم ليكون ملاذًا مؤقتًا تحول إلى موطن دائم لأجيال متعاقبة، في حين ظلت فرص العمل والتعليم والاستقرار محدودة.

واليوم يعيش أحمد مع زوجته وطفليه ووالدته وشقيقتيه في منزل بسيط مبني من الطوب، يضطرون إلى ترميم جدرانه بعد موسم الأمطار كل عام.

ورغم مضي أكثر من عقدين على وصوله إلى تشاد، لم يتمكن أحمد من بناء حياة مستقرة تكفل لأسرته احتياجاتها الأساسية.

محاولة للعودة انتهت بلجوء جديد

لم يتخلَّ أحمد عن حلم العودة إلى السودان طوال سنوات لجوئه الأولى.

وفي عام 2018، عاد إلى بلاده ضمن برنامج للعودة الطوعية بدعم من الأمم المتحدة، في محاولة لاستئناف حياته خارج المخيم.

لكن اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023 دمّر آماله مجددًا، بعدما هاجمت قوات الدعم السريع مدينة نيالا، حيث كان يقيم، فاضطر إلى الفرار إلى تشاد مرة أخرى.

وهكذا عاد أحمد إلى المنزل نفسه في مخيم إيريديمي، بعدما حاول الخروج من حياة اللجوء التي لازمته منذ طفولته.

وقال في شهادته لرويترز إنه لم يعد يرغب في تكرار تجربة العودة، حتى لو توقفت الحرب، بعدما فقد ما حاول بناءه في السودان.

وتجسد تجربته مأساة لاجئين اضطروا إلى النزوح أكثر من مرة، وأصبحوا يخشون أن يقضوا بقية حياتهم في المخيمات دون أن تتوفر لهم فرصة حقيقية للاستقرار.

1.4 مليون لاجئ سوداني في تشاد

تستضيف تشاد نحو 1.4 مليون لاجئ سوداني، بينهم قرابة 974 ألف شخص فروا إليها منذ اندلاع الحرب الأخيرة في أبريل 2023، وفق الأرقام الواردة في تحقيق رويترز.

ويُعد مخيم إيريديمي، الواقع في إقليم وادي فيرا شرقي تشاد، أحد أقدم المخيمات التي أُنشئت لاستقبال الفارين من دارفور.

وكان المخيم يضم نحو 15 ألف لاجئ بعد أشهر قليلة من افتتاحه عام 2004، بينما بلغ عدد اللاجئين المسجلين فيه وفي مخيم غودران المجاور نحو 94,700 شخص بحلول سبتمبر 2026.

وتواجه تشاد، وهي من أفقر دول العالم، ضغوطًا متزايدة بسبب استمرار تدفق النازحين، في وقت تعاني فيه المناطق الحدودية شح المياه وضعف البنية التحتية ومحدودية فرص العمل.

وتؤكد مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن الأزمة السودانية أصبحت عبئًا إنسانيًا واقتصاديًا طويل الأمد على تشاد، يتطلب دعمًا يتجاوز الاستجابة الطارئة.

المساعدات تتراجع والجوع يتسع

YJGOIJXJ7BDGHORVWACL2AIU3A.avif

إلى جانب استمرار النزوح، يواجه اللاجئون السودانيون أزمة غذائية متفاقمة نتيجة تقليص التمويل الدولي وتدهور الظروف المعيشية وارتفاع أسعار المواد الأساسية.

وبحسب برنامج الأغذية العالمي، لم يعد سوى نحو 200 ألف لاجئ في تشاد يحصلون على حصص غذائية شهرية كاملة، بعدما اضطر البرنامج إلى تقليص مساعداته بسبب نقص التمويل.

ويُتوقع أن يتلقى نحو 600 ألف لاجئ أي شكل من أشكال الدعم الغذائي، مقارنة بمليون شخص كانوا يستفيدون من المساعدات في وقت سابق من العام.

وقال أحمد إن المساعدة الشهرية التي تتلقاها أسرته المكونة من أربعة أشخاص انخفضت إلى ما يعادل سبعة دولارات، في حين تبلغ قيمة الحصة الشهرية الكاملة نحو 14 دولارًا.

كما تسبب الجفاف في تلف محاصيل الذرة الرفيعة والدخن التي كانت عائلته تزرعها بالقرب من المخيم، مما جعلها تعتمد على كميات محدودة من الغذاء الذي توزعه المنظمات الإنسانية.

وفي الوقت نفسه، ارتفعت أسعار السلع الأساسية داخل الأسواق المحلية، بينما تراجعت فرص العمل بصورة حادة.

وحذّر برنامج الأغذية العالمي في سبتمبر الماضي من أن تخفيض المساعدات في تشاد والسودان وجنوب السودان يهدد بدفع مزيد من الأسر النازحة إلى الجوع، ولا سيما النساء والأطفال.

أطفال يولدون في اللجوء ويكبرون بلا مستقبل واضح

تتجاوز الأزمة نقص الطعام والماء لتشمل مستقبل جيل كامل من الأطفال الذين وُلدوا في مخيمات اللاجئين، ولم يعرف كثير منهم وطن آبائهم سوى من خلال القصص والذكريات.

فمع تراجع تمويل البرامج الإنسانية، تقلصت خدمات التعليم والرعاية الصحية وفرص اكتساب المهارات والعمل.

وفي بعض مناطق إقليم وادي فيرا، تشير تقديرات دولية إلى انتشار واسع لسوء التغذية بين الأطفال، في ظل النقص المستمر في الغذاء والخدمات الصحية.

ويواجه الشباب الذين نشؤوا في المخيمات خيارات محدودة؛ فالبقاء يعني استمرار الاعتماد على المساعدات، والعودة إلى السودان محفوفة بالمخاطر، بينما تدفع قلة الفرص بعضهم إلى التفكير في الهجرة عبر طرق خطرة.

ومن بين هؤلاء صدام إسماعيل، شقيق أحمد، الذي حاول الوصول إلى أوروبا مرتين، لكنه اعتُقل في مصر خلال محاولتيه، قبل أن يتجه لاحقًا للعمل في مناطق التعدين قرب الحدود التشادية مع ليبيا والنيجر.

أما ابن عمهما الهادي صالح، فيحاول إعالة أسرته من خلال إصلاح الهواتف والعمل على مركبة أجرة صغيرة، لكنه يواجه صعوبات متزايدة مع تدهور الاقتصاد المحلي.

أزمة ممتدة تحتاج إلى أكثر من المساعدات

ترى المنظمات الإنسانية أن استمرار الاكتفاء بتوزيع الغذاء والمساعدات الطارئة لم يعد كافيًا للتعامل مع أزمة استمرت أكثر من عقدين.

ودعت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى اعتماد برامج طويلة الأمد توفر فرص العمل والتعليم والتنمية الاقتصادية، إلى جانب المساعدات الإنسانية، بما يسمح للاجئين بالاعتماد على أنفسهم تدريجيًا.

لكن تحقيق هذه الأهداف يظل صعبًا في ظل استمرار الحرب بالسودان وتراجع الدعم الدولي وارتفاع أعداد الفارين إلى تشاد.

وتكشف مأساة أحمد وأسرته عن وجه آخر للحروب لا ينتهي بتوقف المعارك أو إعلان اتفاقات السلام؛ فالأطفال الذين فروا من دارفور قبل أكثر من عشرين عامًا أصبحوا آباءً، وأطفالهم يكبرون اليوم في المخيمات نفسها.

وبعد 23 عامًا من اللجوء، يبقى السؤال الذي يواجه هؤلاء السودانيين: هل سيحصل أبناؤهم على فرصة لحياة مستقرة خارج المخيمات، أم سيرثون حياة النزوح التي عاشها آباؤهم؟