حذّر رئيس بلدية تراب الفرنسية، علي رباح، من تصاعد الخطاب المعادي للمسلمين والعرب والسود في فرنسا، معتبرًا أن انتشار الأفكار العنصرية في الخطاب السياسي والإعلامي ساهم في خلق مناخ من الخوف والانقسام، وذلك عقب هجوم مسلح شهدته مدينته وضواحيها يوم الجمعة 23 أكتوبر، وأسفر عن مقتل شاب وإصابة عدد من الأشخاص، بينهم طفلة تبلغ من العمر 12 عامًا.

وفي مقابلة موسعة نشرتها صحيفة «لوموند» الفرنسية يوم الأحد 25 أكتوبر، انتقد رباح ما وصفه بتطبيع خطاب اليمين المتطرف داخل الحياة السياسية الفرنسية، محذرًا من أن المسلمين والمواطنين ذوي الأصول المهاجرة أصبحوا يُصوَّرون باعتبارهم مصدرًا للمشكلات التي تواجه البلاد.

هجوم دموي قرب المساجد

وقعت الاعتداءات صباح الجمعة 23 أكتوبر في مدينتَي تراب ولا فيريير الواقعتين في إقليم إيفلين غرب العاصمة باريس، بعدما أطلق مسلح النار من داخل سيارة على أشخاص في عدة مواقع، بعضها قريب من المساجد.

وأسفر الهجوم عن مقتل شاب يبلغ من العمر 26 عامًا، فيما أعلنت السلطات في البداية إصابة خمسة أشخاص، بينهم طفلة تبلغ من العمر 12 عامًا. وأشارت صحيفة «لوموند» في تحديث لاحق يوم 26 أكتوبر إلى ارتفاع عدد المصابين إلى سبعة.

وألقت الشرطة القبض على المشتبه به، وهو فرنسي يبلغ من العمر 39 عامًا يُشار إليه باسم كيفن ت.، بعد وقت قصير من الهجوم.

وبحسب النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب، استخدم المشتبه به سلاحًا رشاشًا وأطلق ما لا يقل عن 128 طلقة خلال تحركه بين ثمانية مواقع على امتداد نحو 12 كيلومترًا.

وفتحت النيابة تحقيقًا في جرائم قتل ومحاولة قتل مرتبطة بنشاط إرهابي، مع الأخذ في الاعتبار احتمال استهداف الضحايا بسبب أصولهم العرقية أو القومية أو انتمائهم الديني الحقيقي أو المفترض.

ونقلت صحيفة «لوموند» عن مصادر مطلعة على التحقيق أن المشتبه به تحدث عند توقيفه عن رغبته في الانتقام من أعمال نهب تعرض لها تجار خلال احتجاجات سابقة، باستهداف أشخاص من السود والعرب.

غير أن النيابة أوضحت، الاثنين 26 أكتوبر، أن المشتبه به ينفي الطبيعة العنصرية لأفعاله، رغم استمرار التحقيق على أساس وجود دافع عنصري محتمل.

رئيس البلدية: الخطاب السياسي جعل المسلمين كبش فداء

818eff9_upload-1-bl2y5ym8jvzo-31-trappes-attentat-raciste-hleuqeux-dsc5822.avif

قال علي رباح، وهو عضو في حزب «جيل إس» اليساري، إن الهجوم يمثل نتيجة خطيرة لتنامي الخطابات التي تلقي بالمسؤولية عن الأزمات الاجتماعية والاقتصادية على المسلمين والعرب والسود.

واعتبر أن تصوير هذه الفئات باعتبارها عدوًا داخليًا ساهم في انتشار مشاعر العداء والخوف، مضيفًا أن تكرار هذه الأفكار عبر البرامج التلفزيونية والخطابات السياسية أدى، في تقديره، إلى ترسيخها في الوعي الجماعي.

وانتقد رئيس البلدية سياسيين يعلنون تمسكهم بالقيم الجمهورية، بينما يستخدمون، بحسب وصفه، مفردات وأفكارًا مستمدة من خطاب اليمين المتطرف.

وأشار إلى أن بعض المسؤولين يتبنون تعبيرات تربط الهجرة بانهيار المجتمع أو تزعم أن السكان الأصليين يتعرضون للاستبدال الديموغرافي، معتبرًا أن مثل هذه الخطابات تساهم في تأجيج الانقسام.

وحذر رباح من مناخ وصفه بأنه يشبه حربًا أهلية كامنة، داعيًا المسؤولين ووسائل الإعلام إلى خفض حدة الخطاب السياسي ومنع انتشار التحريض العنصري.

وتبقى هذه القراءة للعلاقة بين الخطاب السياسي والهجوم موقفًا عبّر عنه رئيس البلدية، بينما تواصل السلطات القضائية التحقيق في دوافع المشتبه به ومسؤوليته الجنائية.

انتقادات لماكرون وغياب الحماية الكافية

وجّه رئيس بلدية تراب انتقادات مباشرة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، معتبرًا أنه لم يوفر الحماية التي كان ينتظرها المواطنون المسلمون والأقليات من رئاسته.

وقال رباح إن سكان مدينته دعموا ماكرون في الانتخابات الرئاسية السابقة، خصوصًا في مواجهة مرشحي اليمين المتطرف، على أمل أن يحمي قيم الجمهورية والمساواة بين المواطنين.

لكنه اعتبر أن استمرار تصاعد الخطاب المعادي للمسلمين يعكس إخفاقًا سياسيًا في مواجهة التمييز والعنصرية.

وكان ماكرون قد زار تراب عقب الهجوم، وأدانه بوصفه اعتداءً إرهابيًا عنصريًا، معتبرًا أن ما حدث يمثل منعطفًا خطيرًا في الحياة العامة الفرنسية.

ومع ذلك، انتقد رباح عدم تسمية الرئيس للطابع المعادي للمسلمين بصورة صريحة، مشيرًا إلى أن استهداف الأشخاص بسبب أصولهم أو ديانتهم المفترضة يتطلب اعترافًا واضحًا بطبيعة التهديد الذي تواجهه الأقليات.

المسلمون الفرنسيون والخوف من الاستهداف

قال رئيس البلدية إن الخوف أصبح حاضرًا في الحياة اليومية لكثير من المسلمين والمواطنين ذوي الأصول العربية والإفريقية، حتى لدى الأشخاص الذين ولدوا في فرنسا ويعدون أنفسهم جزءًا أصيلًا من المجتمع.

وأضاف أن بعض السكان يشعرون بأن انتماءهم الوطني لا يحميهم من الشك والاتهامات، وأن أسماءهم أو أصولهم قد تجعلهم عرضة للتمييز في العمل والحياة العامة.

واستشهد بامرأة تعرضت سيارتها لإطلاق النار أثناء الهجوم، وأكدت أمام الرئيس الفرنسي أنها وُلدت في فرنسا وأن ابنتها فرنسية أيضًا، متسائلة عن المكان الذي يمكن أن تذهب إليه إذا أصبحت غير آمنة في بلدها.

ورأى رباح أن هذه الشهادات تعكس أزمة أعمق تتعلق بمعنى المواطنة والمساواة، عندما يشعر بعض الفرنسيين بضرورة الدفاع المستمر عن انتمائهم إلى وطنهم بسبب دينهم أو أصولهم.

كما أشار إلى أن نحو ألفي مصلٍّ يتوجهون إلى مساجد المدينة لأداء صلاة الجمعة، محذرًا من أن الهجوم كان يمكن أن يتحول إلى مجزرة أكبر لو وقعت عمليات إطلاق النار في أماكن أكثر ازدحامًا.

دعوات لمواجهة خطاب الكراهية

دعا رباح وسائل الإعلام الفرنسية، ولا سيما القنوات الإخبارية التي تبث على مدار الساعة، إلى مراجعة طريقة تعاملها مع الشخصيات التي تروج لأفكار عنصرية أو معادية للمسلمين.

واعتبر أن إتاحة مساحات متكررة لهذه الخطابات، دون مساءلة كافية، تساعد على جعل التمييز ضد المسلمين والعرب والسود أمرًا مألوفًا في النقاش العام.

وفي الوقت نفسه، شدد على ضرورة الحفاظ على التعايش بين السكان، مؤكدًا أن مدينة تراب تضم أكثر من مئة أصل قومي وثقافي مختلف، وأن تنوع سكانها يمثل جزءًا من هويتها الاجتماعية.

ودعا كذلك القوى السياسية اليسارية إلى مراجعة خطابها وأساليبها في مواجهة انتشار الأفكار المتطرفة، معتبرًا أن الدفاع عن قيم الحرية والمساواة لا ينبغي أن يقتصر على بيانات الإدانة بعد وقوع الاعتداءات.

وتأتي تصريحاته وسط استمرار التحقيق القضائي في هجوم تراب، الذي أعاد إلى الواجهة مخاوف المسلمين والأقليات في فرنسا من العنف العنصري.

وبينما لم يُحسم بعد الدافع النهائي للمشتبه به بحكم قضائي، تكشف شهادات سكان المدينة وتصريحات رئيس بلديتها عن شعور متزايد بالخوف من الاستهداف بسبب الدين أو اللون أو الأصل، وعن مطالبات بحماية جميع المواطنين من التمييز والعنف دون استثناء.