دراسات أمريكية تكشف أن الهجمات المنسوبة إلى مسلمين تحظى بتغطية أكبر، وأن المتهمين بالإرهاب الدولي يواجهون عقوبات أشد من نظرائهم في الإرهاب المحلي.. وقضايا أوروبية تفضح تأخر الاعتراف بالدوافع العنصرية.

حين يرتكب شخص هجومًا دمويًا ضد مدنيين، يفترض أن يبدأ السؤال عن طبيعة الجريمة ودوافعها والأدلة المرتبطة بها. لكن الواقع الإعلامي والقضائي يكشف أن الأسئلة المطروحة على القاتل ليست واحدة دائمًا، وأن هوية المنفذ قد تؤثر في طريقة تقديم الجريمة إلى الرأي العام، بل وفي المسار الذي تسلكه القضية أمام العدالة.

ففي بعض الجرائم المرتبطة بمنفذين مسلمين، يتقدم الحديث عن الإرهاب والأفكار المتطرفة والشبكات العقائدية. وفي هجمات أخرى يرتكبها متطرفون يمينيون أو عنصريون، تبرز تفسيرات تتعلق بالعزلة الاجتماعية والاضطرابات النفسية والمشكلات الشخصية.

قد تكون بعض هذه التفسيرات صحيحة، لكنها تطرح سؤالًا يتجاوز الحالات الفردية: لماذا تُقرأ بعض الجرائم بوصفها تهديدًا أيديولوجيًا للمجتمع، بينما تُفحص جرائم أخرى ابتداءً من السيرة النفسية والشخصية لمنفذها؟

هذا السؤال ليس مجرد انطباع ناتج عن متابعة الأخبار؛ فقد تناولته دراسات أكاديمية أمريكية، وظهرت آثاره في تحقيقات وأحكام قضائية، تكشف أن التفاوت لا يتوقف دائمًا عند المفردات، بل قد يمتد إلى حجم التغطية، والتهم المستخدمة، ومدد العقوبات.

أولًا: عندما تصبح هوية المنفذ عاملًا في تضخيم الخبر

في دراسة نشرتها مجلة Justice Quarterly، فحص الباحثون إيرين كيرنز وأليسون بيتوس وأنتوني ليميو التغطية الإعلامية لـ136 هجومًا إرهابيًا وقع في الولايات المتحدة بين عامي 2006 و2015.

وخلص الباحثون إلى نتيجة لافتة: الهجمات التي نفذها مسلمون حظيت، في المتوسط، بتغطية إعلامية تزيد بنسبة 357% على الهجمات التي نفذها غير مسلمين، حتى بعد مراعاة عوامل مثل عدد القتلى وطبيعة الهدف والقبض على المنفذ.

والنتيجة هنا لا تعني أن جميع الهجمات المنسوبة إلى مسلمين كانت الأكثر دموية، وإنما أن الهوية الدينية للمنفذ ارتبطت بحجم الاهتمام الإعلامي، حتى بعد إدخال عوامل أخرى في التحليل.

وتكمن خطورة ذلك في أن كثافة التغطية لا تنقل الأخبار فحسب، بل تسهم في تشكيل تصور الجمهور عن مصدر الخطر.

فحين تتكرر أمام المتلقي قصص الإرهاب المرتبطة باسم ديني معين، بينما تحصل هجمات أخرى على اهتمام أقل، قد يتشكل لديه انطباع بأن الإرهاب ظاهرة تكاد تنحصر في تلك الهوية، رغم أن الوقائع التي لم تحظَ بالتغطية نفسها قد تقدم صورة مختلفة.

وهكذا لا يتحدد تصور الجمهور عن حجم الخطر بالوقائع وحدها، وإنما كذلك بما تختار المؤسسات الإعلامية إبرازه أو تهميشه.

ثانيًا: خمس مرات أكثر لاستخدام وصف الإرهاب

ذهبت دراسة ثانية للباحثين أنفسهم، نُشرت إلكترونيًا عام 2020 في مجلة Communication Research، إلى تحليل كيفية توصيف وسائل الإعلام للهجمات الإرهابية التي شهدتها الولايات المتحدة خلال الفترة نفسها.

وبعد ضبط عوامل من بينها عدد الضحايا، وارتباط المنفذ بجماعة، وتاريخه المرضي النفسي المعروف، وجد الباحثون أن أرجحية ورود وصف الإرهاب في المقال الصحفي كانت أعلى بنحو خمسة أضعاف عندما يكون المنفذ مسلمًا، مقارنة بمنفذ غير مسلم.

هذه النتيجة مهمة؛ لأنها لا تقيس عدد الأخبار فقط، بل اللغة المستخدمة في تفسير الجريمة.

غير أن الدراسة توصلت أيضًا إلى نتيجة ينبغي عدم تجاهلها: لم تجد فرقًا ذا دلالة إحصائية في ذكر الأمراض النفسية بين المنفذين البيض وغير البيض.

وهذا يعني أن الأدلة تؤيد بوضوح وجود تفاوت في استخدام وصف الإرهاب، لكنها لا تثبت تعميمًا يقول إن الإعلام يصف كل منفذ أبيض بالمريض النفسي.

المشكلة المثبتة بحثيًا، إذن، ليست أن المرض النفسي يُذكر دائمًا عند الحديث عن الغربيين، بل أن وصف الإرهاب نفسه لا يُستخدم بالقدر ذاته عندما تختلف هوية المنفذ.

والفارق بالغ الأهمية؛ فمصطلح الإرهاب لا يحدد نوع الجريمة في ذهن الجمهور فحسب، بل يربطها أيضًا بقضية سياسية وأمنية واسعة، وقد ينعكس على المخاوف العامة والسياسات الأمنية.

ثالثًا: من نشر الخبر إلى إصدار الحكم.. ماذا تقول الأرقام؟

إذا كانت الفروق الإعلامية مثيرة للقلق، فإن الأرقام المتعلقة بالأحكام القضائية تكشف جانبًا أشد حساسية.

في دراسة أجراها الباحثان مايكل جنسن وإيلينا إيكرز بجامعة ميريلاند، ونُشرت في مجلة Perspectives on Terrorism عام 2024، جرى تحليل 344 قضية إرهاب اتحادية أمريكية بدأت بين عامي 2014 و2019.

وقارن الباحثان القضايا المرتبطة بالإرهاب الدولي بالقضايا المرتبطة بالتطرف المحلي، مع مراعاة درجة خطورة الجريمة وعوامل أخرى تؤثر في الأحكام.

وكانت النتائج لافتة:

في المخططات الإرهابية الفاشلة أو التي أحبطتها السلطات، بلغ متوسط العقوبة السجنية في القضايا الدولية 11.2 سنة، مقابل 1.6 سنة في القضايا المحلية.

أما الهجمات التي أسفرت عن إصابات، فبلغ متوسط العقوبة 34.6 سنة للمتهمين بالإرهاب الدولي، مقابل 8.6 سنوات للمتهمين بالتطرف المحلي.

وامتد التفاوت إلى إجراءات المراقبة بعد الإفراج عن السجناء، وشروط الرقابة المفروضة عليهم.

وخلصت الدراسة إلى أن المتهمين بالإرهاب الدولي كانوا أكثر تعرضًا للعقوبات المشددة، حتى بعد مراعاة خطورة الجرائم.

لكن من الضروري توضيح أن الدراسة قارنت بين الإرهاب الدولي والإرهاب المحلي، وليس بين المسلمين وغير المسلمين بصورة مباشرة. ومع ذلك، فإن هذا التقسيم القانوني يكتسب أهمية خاصة لأن قضايا الإرهاب الدولي تشمل عادةً الارتباط بجماعات أجنبية، بينما تضم ملفات الإرهاب المحلي جماعات متطرفة داخل الولايات المتحدة، ومنها تيارات يمينية وعنصرية.

كيف تنشأ الفجوة داخل النظام القضائي؟

لا يبدأ التفاوت بالضرورة عندما ينطق القاضي بالعقوبة؛ فقد يتشكل قبل ذلك بوقت طويل.

تملك النيابة الأمريكية أدوات قانونية شديدة الفاعلية في قضايا الإرهاب الدولي، أبرزها تجريم تقديم الدعم المادي للمنظمات الأجنبية المصنفة إرهابية.

في المقابل، لا توجد جريمة اتحادية مستقلة شاملة تحمل اسم «الإرهاب المحلي» تقابل تلك المنظومة القانونية، رغم وجود تعريف قانوني للإرهاب المحلي وإمكانية استخدام جرائم أخرى لملاحقته.

وبذلك قد يواجه متهم في مخطط مرتبط بتنظيم أجنبي تهمًا خاصة بالإرهاب، بينما يُلاحق متهم آخر في نشاط عنيف محلي بموجب قوانين الأسلحة أو التآمر أو جرائم الكراهية.

ووجدت دراسة جامعة ميريلاند أن تهم الدعم المادي استخدمت في نحو 50% من قضايا الإرهاب الدولي التي درستها، مقابل حالة واحدة فقط من قضايا الإرهاب المحلي.

وهنا تظهر حقيقة مهمة: قد يتشكل اختلاف العقوبة قبل الوصول إلى المحكمة، من خلال تعريف الجريمة واختيار التهم التي تقدمها النيابة.

ولا يعني ذلك أن جميع الفروق ناتجة عن انحياز متعمد من القضاة؛ فبعضها مرتبط ببنية القانون نفسه. لكن الأثر العملي يظل سؤالًا مشروعًا عن المساواة في التعامل مع العنف ذي الدوافع الأيديولوجية.

رابعًا: دراسة أخرى وجدت عقوبات أشد للمسلمين في قضايا متشابهة

في تقرير بعنوان Equal Treatment?، أصدره معهد السياسة الاجتماعية والفهم (ISPU) عام 2018، قارن الباحثون بين حالات عنف ومخططات ذات دوافع أيديولوجية نُسبت إلى أشخاص يُنظر إليهم باعتبارهم مسلمين، وأخرى نُسبت إلى غير مسلمين.

ووجد التقرير أنه في الحالات المختارة للمقارنة، بلغ متوسط العقوبات المحكوم بها في المخططات التي أحبطت 211 شهرًا للمنفذين المصنفين مسلمين، مقابل 53 شهرًا لغير المسلمين.

كما بلغ متوسط العقوبات التي طلبها الادعاء 230 شهرًا، مقابل 76 شهرًا.

وأشار التقرير أيضًا إلى أن الأجهزة الأمنية أو المخبرين وفروا وسائل تنفيذ الجريمة، مثل الأسلحة أو القنابل غير الفعالة، في نسبة أعلى بكثير من المخططات المنسوبة إلى مسلمين.

وهذه النتائج تثير تساؤلات عن دور الممارسات الأمنية وأساليب التحقيق والتهم المستخدمة، وليس الأحكام وحدها.

مع التنبيه إلى أن التقرير اعتمد مجموعة مختارة من الحالات المقارنة.

كما أن دراسة أكاديمية أخرى، نُشرت عام 2024 وحللت 825 قضية إرهاب بين 2001 و2018، توصلت إلى نتائج أكثر تعقيدًا؛ إذ وجدت أن المتهمين المنتمين إلى تيارات تفوق العرق الأبيض تلقوا في بعض المقارنات عقوبات أطول من المتهمين ذوي الأيديولوجيا الجهادية، بينما استفاد متهمون من التيارات المناهضة للحكومة من تخفيضات أكبر بين خطورة الاتهامات الأولية والتهم التي أُدينوا بها.

وهذا الاختلاف بين الدراسات لا ينفي وجود التفاوت، بل يكشف أن النتائج تتغير بحسب طبيعة المتهمين، ونوع التهم، ودرجة خطورة الجريمة، والمرحلة التي تجري فيها المقارنة.

إنها صورة أكثر تعقيدًا من القول إن القضاء الغربي يحابي جميع المتطرفين البيض أو يعاقب جميع المسلمين بصورة أشد؛ لكنها تظل صورة تستدعي البحث في مواطن الخلل بدل تجاهلها.

خامسًا: ألمانيا.. حين استغرق الاعتراف بالإرهاب اليميني سنوات

تقدم ألمانيا مثالًا تاريخيًا على خطورة التأخر في إدراك الدافع العنصري وراء الهجمات.

ففي 22 يوليو 2016، قتل ديفيد سونبولي، وهو شاب ألماني من أصول إيرانية، تسعة أشخاص في مدينة ميونيخ، وكان سبعة من الضحايا مسلمين، بينما كان اثنان من الروما والسنتي.

وفي البداية، تعاملت السلطات مع الحادث بوصفه إطلاق نار جماعيًا مرتبطًا بمشكلات شخصية ونفسية، ولم تصنفه جريمة سياسية يمينية.

لكن التحقيقات اللاحقة كشفت ارتباط المنفذ بأفكار عنصرية ومتطرفة، واختياره الضحايا وفق معايير عنصرية.

ولم تُعد السلطات البافارية تصنيف الجريمة باعتبارها ذات دوافع يمينية متطرفة إلا في عام 2019، بعد نحو ثلاث سنوات من الهجوم.

وأكدت الوكالة الاتحادية الألمانية للتثقيف السياسي أن التفسير الأولي للجريمة أثار انتقادات، خاصة مع وجود مؤشرات مبكرة إلى الدافع العنصري.

ولا يعني ذلك أن التقييم النفسي الأول كان مختلقًا، لكنه يكشف خطورة اعتماد التفسير الفردي للجريمة قبل استكمال فحص دوافعها السياسية والعنصرية.

حين وُضع الضحايا أنفسهم موضع الشبهة

والقضية الألمانية الأكثر إيلامًا ربما كانت سلسلة جرائم تنظيم «الاشتراكية القومية السرية» (NSU)، الذي قتل عشرة أشخاص بين عامي 2000 و2007، بينهم تسعة من أصول مهاجرة.

فعلى مدى سنوات، اتجهت تحقيقات الشرطة إلى البحث عن صلات الضحايا بالجريمة المنظمة والخلافات داخل الجاليات المهاجرة، رغم تحذيرات أسرهم من احتمال وجود دوافع عنصرية.

بل إن بعض وسائل الإعلام الألمانية استخدمت وصفًا اشتهر باسم «جرائم قتل الدونر»، في إشارة إلى الطعام التركي، وهو تعبير اختزل الضحايا في خلفياتهم العرقية ومهن بعضهم.

ولم تُكشف حقيقة التنظيم الإرهابي النازي الجديد إلا في عام 2011.

هذه القضية تطرح شكلًا آخر من الانحياز: ليست المشكلة دائمًا في تقديم القاتل باعتباره مريضًا نفسيًا؛ فقد يُحجب الدافع العنصري أصلًا، ويُدفع الضحايا وعائلاتهم إلى دائرة الاشتباه.

وفي مثل هذه الحالات، لا تكون خسارة الضحايا مقتصرة على الاعتداء نفسه، بل تمتد إلى سنوات من التشكيك والاتهامات وتأخر كشف الحقيقة.

سادسًا: المرض النفسي والدافع الإرهابي.. هل يلغي أحدهما الآخر؟

من أخطر صور الخلط في تناول الهجمات الدموية تقديم الاضطراب النفسي وكأنه تفسير يلغي تلقائيًا احتمال وجود دافع إرهابي.

والحقيقة أن السؤالين مختلفان:

الأول يتعلق بالدافع وراء اختيار الضحايا واستخدام العنف.

والثاني يتعلق بالحالة النفسية للمنفذ، ومدى تأثيرها في إدراكه ومسؤوليته الجنائية.

وقد يجتمع الاضطراب النفسي مع دوافع عنصرية أو متطرفة لدى شخص واحد، من دون أن يعني ذلك أن المرضى النفسيين عمومًا يشكلون خطرًا على المجتمع.

ويظهر ذلك بوضوح في هجوم هاناو الألمانية في 19 فبراير 2020، الذي قتل فيه توبياس راتين تسعة أشخاص بدوافع عنصرية، قبل أن يقتل والدته وينتحر.

فقد خلصت السلطات الألمانية إلى أن المنفذ تبنى أفكارًا يمينية متطرفة واختار ضحاياه وفق معايير عنصرية، بينما أشارت دراسة نفسية جنائية بعد وفاته إلى إصابته بالفصام المصحوب بأفكار اضطهادية.

ومع ذلك، لم تعتبر الجهات الألمانية وجود الاضطراب النفسي سببًا لمحو الطابع العنصري والإرهابي للهجوم.

وفي الخلاصة، وجود مرض نفسي لا يلغي بالضرورة وجود جريمة إرهابية، كما أن وجود دافع أيديولوجي لا يثبت وحده السلامة النفسية للمنفذ.

سابعًا: فرنسا 2026.. لماذا أعاد هجوم تراب السؤال إلى الواجهة؟

عاد هذا النقاش بقوة بعد الهجوم المسلح الذي وقع يوم الجمعة (23 أكتوبر 2026) في تراب ولا فيريير قرب باريس، وأسفر عن مقتل شخص وإصابة خمسة آخرين.

وبحسب معلومات نشرتها صحيفة «لوموند»، تشير التحقيقات إلى أن المشتبه به استهدف أشخاصًا من ذوي البشرة السوداء والأصول العربية، فيما عُثر داخل منزله على نسخة من كتاب «كفاحي» لأدولف هتلر.

وتولت النيابة الوطنية الفرنسية لمكافحة الإرهاب التحقيق، مع بحث الدوافع العنصرية والدينية المحتملة، بينما وصف الرئيس إيمانويل ماكرون الهجوم بأنه اعتداء إرهابي عنصري.

لكن تطورًا جديدًا وقع في 25 أكتوبر أعاد مسألة الصحة النفسية إلى دائرة النقاش؛ إذ أعلنت النيابة تعليق احتجاز المشتبه به مؤقتًا ونقله للمراقبة النفسية بعد فحص طبي، بينما نقلت وسائل الإعلام عنه قوله إنه يتلقى علاجًا للفصام.

وهذه القضية تمثل اختبارًا لكيفية تعامل الإعلام والمؤسسات القضائية مع اجتماع مؤشرات الدافع العنصري وادعاءات الاضطراب النفسي.

هل يستمر التحقيق في احتمال وجود أيديولوجيا عنصرية وراء الهجوم؟ أم تتراجع هذه الزاوية أمام التركيز على التاريخ الطبي للمنفذ؟

الإجابة ينبغي أن تأتي من الأدلة ونتائج التحقيق.

ثامنًا: هل ينصف القضاء الغربي ضحايا الإرهاب اليميني دائمًا؟ لا.. لكنه ليس موقفًا واحدًا

لن يكون تحليل الظاهرة كاملًا دون ذكر الحالات التي تعاملت فيها المحاكم الغربية بوضوح مع المنفذين اليمينيين بوصفهم إرهابيين.

ففي نيوزيلندا، أُدين برينتون تارانت بارتكاب عمل إرهابي وقتل 51 مسلمًا في هجوم المسجدين بكرايستشيرش عام 2019، وحُكم عليه في أغسطس 2020 بالسجن المؤبد دون إفراج مشروط.

وفي بريطانيا، وصفت المحكمة هجوم دارين أوزبورن على المصلين قرب مسجد فينسبري بارك عام 2017 بأنه هجوم إرهابي، وحكمت عليه بالمؤبد مع حد أدنى يبلغ 43 عامًا.

وفي كندا، قررت محكمة أونتاريو في فبراير 2024 أن الهجوم الذي قتل أربعة أفراد من عائلة أفضل المسلمة في مدينة لندن عام 2021 شكل نشاطًا إرهابيًا بدافع تفوق العرق الأبيض، وحُكم على المنفذ بالسجن المؤبد.

وهذه الأحكام تقدم أدلة على أن الأنظمة القضائية الغربية قادرة على الاعتراف بالإرهاب اليميني ومعاقبته بشدة.

لكنها تطرح أيضًا سؤالًا عن مدى اتساق هذا الاعتراف بين الدول، وبين الجرائم المختلفة، وبين المراحل المبكرة من التحقيق والأحكام النهائية.

فوجود أحكام عادلة في بعض القضايا لا ينفي حقيقة التفاوت في قضايا أخرى.

تاسعًا: لماذا يمثل الانحياز الإعلامي خطرًا يتجاوز الضحية الفردية؟

تكمن خطورة التفاوت في توصيف العنف في أنه لا يؤثر على صورة القاتل وحده، بل يمتد إلى طريقة فهم المجتمع للخطر وتحديد الأشخاص الذين يُنظر إليهم باعتبارهم مصدر تهديد.

فعندما تُربط جريمة يرتكبها فرد مسلم بدينه بصورة متكررة، قد يتحول مرتكب الجريمة، في ذهن الجمهور، من شخص مسؤول عن فعل محدد إلى ممثل لجماعة دينية واسعة.

وفي المقابل، عندما يُفسَّر عنف متطرف عنصري باعتباره مشكلة شخصية منعزلة، فقد يغيب السياق الفكري الذي ساهم في تشكيل عدائه للضحايا.

وينتج عن ذلك تفاوت في المسؤولية الرمزية: جماعة دينية تجد نفسها مطالبة بتبرير أفعال فرد ينتمي إليها، بينما تُقدَّم جماعات أخرى بوصفها منفصلة بطبيعتها عن جرائم بعض المتطرفين المنتمين إليها.

كما يمكن أن تؤثر هذه الصور المتكررة في أولويات الأجهزة الأمنية، والسياسات المتعلقة بالمراقبة، والنقاش العام حول الهجرة والحريات الدينية.

وليس من الضروري افتراض وجود اتفاق سري بين وسائل الإعلام والسلطات لتحقيق هذا الأثر؛ فقد ينشأ الانحياز من الصور النمطية المتوارثة، والعادات التحريرية، وأولويات المؤسسات الأمنية، واختلاف القوانين التي تنظم الملاحقة القضائية.

وهنا تتشكل دائرة يصعب كسرها: تتكرر صورة نمطية عن مصدر الإرهاب، فتزداد حساسية المؤسسات والمجتمع تجاه ذلك المصدر، وتصبح الأخبار التي تؤكد الصورة أكثر حضورًا، بينما تتراجع الأدلة التي تكشف تنوع مصادر العنف والتطرف.

الإرهاب الإسرائيلي.. حين تختلف تسمية الجريمة باختلاف هوية الضحية والقاتل

وتبرز إحدى صور ازدواجية المعايير في طريقة تعامل قطاعات من الإعلام والمؤسسات السياسية الغربية مع العنف الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، مقارنة بالعنف الذي تنفذه حركة حماس. فبينما تُصنَّف حماس منظمة إرهابية لدى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وتُقدَّم هجماتها على نطاق واسع باعتبارها أعمالًا إرهابية، غالبًا ما تُتناول الهجمات الإسرائيلية، حتى عندما تؤدي إلى مقتل أعداد هائلة من النساء والأطفال، بمفردات من قبيل «العمليات العسكرية» و«الضربات» و«الضحايا المدنيين»، دون استخدام الوصف الإرهابي بالوضوح نفسه.

ولم يعد الحديث هنا عن اتهامات غير موثقة؛ فقد أعلنت لجنة تحقيق دولية مستقلة تابعة للأمم المتحدة، في يونيو 2026، أن العمليات الإسرائيلية تسببت في مقتل ما لا يقل عن 20,179 طفلًا فلسطينيًا وإصابة 44,143 آخرين منذ أكتوبر 2023، وخلصت إلى أن القوات الإسرائيلية استهدفت أطفالًا عمدًا، ضمن أفعال اعتبرتها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية. وكانت المحكمة الجنائية الدولية قد أصدرت، في نوفمبر 2024، مذكرتي اعتقال بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت، على خلفية اتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، من بينها التجويع المتعمد وتوجيه هجمات ضد المدنيين.

ورغم ذلك، يظل توصيف العنف الإسرائيلي بالإرهاب غائبًا إلى حد كبير عن الخطاب الرسمي الغربي، بينما يحضر المصطلح بقوة في الحديث عن حماس. ولا يقتصر التفاوت على التوصيف السياسي؛ إذ كشف تحليل نشره مركز رصد الإعلام البريطاني عام 2025، شمل أكثر من 35 ألف مادة لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، أن كلمة «قتل عمدًا» (murder) استُخدمت 220 مرة عند الحديث عن الضحايا الإسرائيليين، مقابل مرة واحدة للضحايا الفلسطينيين، وفق منهجية المركز. صحيح أن جرائم الحرب والإرهاب تصنيفان قانونيان مختلفان، وأن قوائم الإرهاب الغربية تُطبَّق وفق أطر قانونية خاصة، لكن هذا الاختلاف لا يبرر تفاوت الاعتراف بمعاناة المدنيين أو التهوين من خطورة الجرائم.

والسؤال الذي تفرضه هذه الوقائع: لماذا يُقدَّم قتل المدنيين في سياق بوصفه دليلًا على الإرهاب، بينما يُقدَّم قتلهم في سياق آخر باعتباره نتيجة لعملية عسكرية، حتى عندما تتحدث جهات التحقيق الدولية عن استهداف متعمد للمدنيين؟ إن المعيار العادل لا يُقاس بهوية القاتل ولا بعلاقاته السياسية، بل بطبيعة الفعل والأدلة على ارتكابه.

وفي الختام

لقد أظهرت الدراسات وجود تفاوت حقيقي في التغطية الإعلامية، وكشفت أبحاث قضائية اختلافات معتبرة في التهم والعقوبات بين أنواع من قضايا الإرهاب. وأثبتت تجارب تاريخية، كما في ألمانيا، أن إغفال الدوافع العنصرية قد يحرم الضحايا وأسرهم الاعتراف العادل بمعاناتهم سنوات طويلة.

والخطر الأكبر لا يكمن فقط في تسمية قاتل بأنه إرهابي أو مريض نفسي، بل في أن تصبح هوية الإنسان معيارًا غير معلن لتفسير جريمته، وتحديد خطورتها، ومنحه أو حرمانه من الضمانات القانونية نفسها.

فالعدالة لا تبدأ عند إصدار الحكم؛ إنها تبدأ من الطريقة التي نرى بها الجريمة، ومن السؤال الذي نطرحه على القاتل قبل أن نعرف اسمه.

إن وصم كل قاتل غير مسلم بالاضطراب النفسي، في مقابل تصنيف كل قاتل مسلم بالإرهاب، ليس إلا ازدواجيةً في المعايير تُعمّق الانقسام، وتُغذّي الخلافات، وتُسهم في إطالة أمد الصراعات بدلًا من معالجتها بإنصاف وموضوعية.

المصادر والمراجع

  1. Kearns, Betus & Lemieux، دراسة Why Do Some Terrorist Attacks Receive More Media Attention Than Others?، مجلة Justice Quarterly، عن التغطية الإعلامية لهجمات الولايات المتحدة بين 2006 و2015.
    https://doi.org/10.1080/07418825.2018.1524507
  2. Betus, Kearns & Lemieux، دراسة How Perpetrator Identity (Sometimes) Influences Media Framing Attacks as “Terrorism” or “Mental Illness”، مجلة Communication Research، نُشرت إلكترونيًا عام 2020.
    https://doi.org/10.1177/0093650220971142
  3. Michael A. Jensen & Elena Akers، دراسة Prosecuting Terror in the Homeland، مجلة Perspectives on Terrorism، مارس 2024.
    https://doi.org/10.19165/2024.9722
  4. معهد السياسة الاجتماعية والفهم (ISPU)، تقرير Equal Treatment?، أبريل 2018.
    https://www.ispu.org/equal-treatment/
  5. Jesse J. Norris & Hanna Grol-Prokopczyk، دراسة Sentencing Disparities in US Terrorism Prosecutions, 2001–2018، مجلة Criminology, Criminal Justice, Law & Society، 2024.
    https://ccjls.scholasticahq.com/article/122095
  6. الوكالة الاتحادية الألمانية للتثقيف السياسي (BPB)، ملفات توثيق جرائم ميونيخ 2016 وتنظيم NSU وهجوم هاناو 2020.
    https://www.bpb.de
  7. صحيفتا لوموند ولو باريزيان وTF1، تحقيقات الهجوم العنصري في تراب ولا فيريير، 23–25 أكتوبر 2026.
  8. محكمة نيوزيلندا العليا، ودائرة الادعاء العام الكندية، وأحكام القضاء البريطاني المتعلقة باعتداءات كرايستشيرش وفينسبري بارك وعائلة أفضل المسلمة.