كشفت دراسة أمريكية حديثة عن مؤشرات على توسع نشاط الجماعات البلوشية المسلحة في جنوب شرقي إيران باتجاه ساحل مكران المطل على خليج عُمان، في تطور قد يهدد المنشآت العسكرية والاقتصادية الإيرانية القريبة من ميناء تشابهار، ويدفع طهران إلى إعادة توزيع قواتها الأمنية والعسكرية، بالتزامن مع استمرار المواجهة مع الولايات المتحدة.
وأفاد معهد دراسة الحرب الأمريكي (ISW)، بالتعاون مع مشروع التهديدات الحرجة (CTP)، في تحليل نُشر الثلاثاء 3 نوفمبر 2026، بأن «جبهة المناضلين الشعبيين» (Mobarizoun Popular Front)، وهي ائتلاف يضم جماعات بلوشية مسلحة معارضة للسلطات الإيرانية، قد تكون بصدد توسيع النطاق الجغرافي لعملياتها نحو المناطق الساحلية بمحافظة سيستان وبلوشستان.
وربط التحليل هذا الاحتمال بهجمات أعلنت الجبهة مسؤوليتها عنها في كنارك وسراوان وغُلشن، إلى جانب عمليات أمنية نفذتها القوات الإيرانية في المنطقة، معتبرًا أن استمرار النشاط المسلح قرب ساحل مكران قد يفرض ضغوطًا إضافية على القدرات العسكرية الإيرانية في ظل المواجهة الإقليمية القائمة.
هجمات قرب منشآت عسكرية على ساحل مكران
وبحسب الدراسة، أعلنت الجبهة في 3 نوفمبر مسؤوليتها عن هجوم استهدف، في اليوم السابق، عناصر قالت إنهم يتبعون «لواء فاطميون» الأفغاني، داخل مدرسة حكومية في منطقة كنارك الساحلية.
ويُعد لواء فاطميون تشكيلًا مسلحًا يضم مقاتلين أفغانًا شيعة، ويخضع لسيطرة فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، فيما تشير الدراسة إلى مشاركته في عمليات أمنية داخل محافظة سيستان وبلوشستان.
ووفقًا لما نقلته وسائل إعلام عن بيانات الجبهة، فقد أعلنت مقتل ستة من عناصر اللواء وأحد مقاتليها خلال الاشتباكات، وهي حصيلة لم يتسنَّ التحقق منها بصورة مستقلة.
وفي تطور متزامن، أعلنت قاعدة «قدس» العملياتية التابعة للقوات البرية للحرس الثوري الإيراني، في 2 نوفمبر، أن قواتها نصبت كمينًا لمجموعة مسلحة كانت تستعد لمهاجمة مواقع أمنية وإقامة حاجز على طريق زرآباد–كنارك، ما أسفر، بحسب الرواية الرسمية، عن مقتل مسلح واعتقال آخرين.
ورجّح الباحثون أن تكون روايتا الجبهة والحرس الثوري متعلقتين بالاشتباك نفسه، نظرًا لتقارب التوقيت والموقع، لكنهم لم يستبعدوا وقوع حادثتين منفصلتين، وهو ما قد يشير إلى وجود نشاط مسلح أوسع في منطقة كنارك.
وأوضح التحليل أن الجبهة سبق أن نفذت عمليات في محيط خاش وسراوان وزاهدان، لكنه لم يوثق لها نشاطًا معلنًا سابقًا في كنارك، الأمر الذي يمنح التطور الجديد أهمية خاصة من الناحية الجغرافية.

سراوان وغُلشن.. تصاعد الهجمات على القوات الإيرانية
ولم تقتصر التطورات على المناطق الساحلية، إذ رصدت الدراسة سلسلة من الهجمات ضد القوات الأمنية والعسكرية الإيرانية في مناطق أخرى من المحافظة.
ففي سراوان، أفادت وسائل إعلام إيرانية بمقتل أحد ضباط التحقيقات الجنائية التابعين لقوات إنفاذ القانون على أيدي مسلحين مجهولين، في 3 نوفمبر.
وفي اليوم نفسه، أعلنت «جبهة المناضلين الشعبيين» مسؤوليتها عن استهداف قائد ميداني في الوحدات الخاصة التابعة للشرطة الإيرانية في المدينة.
ورجّح المعهد أن تكون الروايتان متعلقتين بالهجوم نفسه، دون الجزم بهوية المنفذين بصورة مستقلة.
كما أعلنت الجبهة مسؤوليتها عن هجوم في منطقة غُلشن، قالت إنه أسفر عن مقتل قائد في الحرس الثوري الإيراني وثلاثة من مرافقيه.
وفي حادثة أخرى، نقلت وسائل إعلام إيرانية مقتل أحد أفراد اللواء الهجومي المتحرك 377 التابع للقوات البرية للجيش الإيراني، وإصابة جندي آخر، في جنوب شرقي البلاد، دون تحديد الجهة المسؤولة عن الهجوم.
هل بدأت إيران نقل قوات إضافية إلى بلوشستان؟
لفت التحليل الأمريكي إلى أهمية وجود عناصر من اللواء 377 في جنوب شرقي إيران، نظرًا إلى أن هذا التشكيل يتمركز عادة في محافظة خراسان الرضوية شمال شرقي البلاد.
واعتبر الباحثون أن رصد عناصر من اللواء في سيستان وبلوشستان قد يشير إلى نقل قوات من خارج المحافظة لتعزيز العمليات الأمنية ومواجهة تصاعد نشاط الجماعات المسلحة.
غير أن الدراسة لم تؤكد صدور قرار إيراني بإعادة نشر وحدات عسكرية واسعة، بل طرحت ذلك بوصفه احتمالًا يستند إلى المعلومات المتاحة عن انتشار القوات.
وكان المعهد قد رصد، في تقرير صدر في 2 نوفمبر، تسجيلات نشرتها الجبهة تُظهر مسلحين يوقفون مركبات ويفحصون بيانات سائقيها على طريق خاش–زاهدان، بعد عملية مشابهة على طريق خاش–سراوان في 25 أكتوبر.
وقال الباحثون إن إقامة هذه الحواجز المؤقتة قد تهدف إلى استهداف عناصر الأجهزة الأمنية وتقويض سلطة الدولة في بعض المناطق، لكنهم أقروا بعدم تمكنهم من التحقق بصورة مستقلة من مدة سيطرة المسلحين على الطرق.
وفي المقابل، وصفت وسائل إعلام إيرانية التسجيلات بأنها مواد دعائية، مؤكدة أن إحدى العمليات لم تستمر سوى دقائق.
كنارك وتشابهار.. أهمية عسكرية واقتصادية تتجاوز بلوشستان
تكتسب التطورات قرب ساحل مكران أهمية استراتيجية بسبب وجود منشآت عسكرية إيرانية في كنارك وتشابهار، من بينها قواعد بحرية وجوية تدعم العمليات العسكرية الإيرانية في خليج عُمان.
وأوضح معهد دراسة الحرب أن هذه المنشآت توفر إمكانات للعمليات البحرية والجوية، بما فيها تشغيل المسيّرات وتنفيذ هجمات على السفن، وهو ما يجعل المنطقة ذات أهمية خاصة خلال المواجهة بين إيران والولايات المتحدة.
وفي الجانب الاقتصادي، تنظر طهران إلى ساحل مكران، ولا سيما ميناء تشابهار، باعتباره منفذًا رئيسيًا على المحيط الهندي ومركزًا مهمًا لخطوط التجارة التي تربط إيران بأفغانستان ودول آسيا الوسطى.
ولذلك، فإن استمرار العمليات المسلحة في المناطق المحيطة قد يفرض تكاليف أمنية إضافية لحماية المنشآت العسكرية والبنية التحتية وطرق النقل، حتى في حال عدم تعرض الموانئ نفسها لهجمات مباشرة.
وأكد الباحثون أن توسع نشاط الجماعات البلوشية على الساحل قد يؤدي إلى اضطراب بعض الأنشطة البحرية والمشروعات الاقتصادية الإيرانية، فضلًا عن اضطرار طهران إلى تخصيص قوات إضافية لتأمين المنطقة.
ومع ذلك، لم تقدم الدراسة أدلة على استهداف ميناء تشابهار أو القواعد البحرية الإيرانية مباشرة من جانب الجبهة خلال العمليات الأخيرة.
تصاعد التمرد المسلح وسط ضغوط الحرب
تأتي هذه التطورات في سياق تصاعد النشاط المسلح بمحافظة سيستان وبلوشستان، التي تشهد منذ سنوات توترات بين السلطات الإيرانية وجماعات بلوشية معارضة، وسط شكاوى حقوقية متكررة بشأن التمييز والتهميش والانتهاكات التي يتعرض لها السكان، وغالبيتهم من المسلمين السنة.
وتشير بيانات مشروع رصد مواقع وأحداث النزاعات المسلحة (ACLED) إلى تسجيل نحو 70 مواجهة مسلحة بين جماعات معارضة والقوات الأمنية الإيرانية في المحافظة منذ مطلع عام 2026، وهو أعلى مستوى سنوي يسجله المشروع منذ عقد على الأقل.
كما رصد المشروع مؤشرات على زيادة التنسيق بين الفصائل البلوشية المسلحة، خاصة بعد تشكيل «جبهة المناضلين الشعبيين» أواخر عام 2025، التي تضم جماعة «جيش العدل» وفصائل أخرى.
غير أن تصاعد العمليات المسلحة يثير أيضًا مخاوف بشأن سلامة المدنيين، خصوصًا مع امتداد الاشتباكات إلى الطرق العامة والمناطق السكنية، واستهداف مواقع تقول الجماعات المسلحة إن قوات أمنية تستخدمها.
وتبقى المسؤولية عن حماية السكان المدنيين ملزمة لجميع أطراف النزاع، بصرف النظر عن طبيعة الصراع بين السلطات والجماعات المسلحة.
جبهة داخلية جديدة في توقيت حساس لإيران
تخلص الدراسة الأمريكية إلى أن استمرار نشاط «جبهة المناضلين الشعبيين» على ساحل مكران قد يشكل تحديًا أمنيًا إضافيًا لإيران، في وقت تواجه فيه ضغوطًا عسكرية خارجية متصاعدة.
فإذا استمر توسع العمليات نحو كنارك وتشابهار، فقد تضطر السلطات الإيرانية إلى تعزيز وجودها العسكري والأمني في الجنوب الشرقي، لحماية القواعد والمنشآت والممرات التجارية الحيوية.
لكن هذه السيناريوهات تبقى تقديرات تحليلية تعتمد على المعلومات مفتوحة المصدر، ولا تثبت أن الجماعات المسلحة أصبحت قادرة على تهديد القواعد البحرية أو السيطرة على المناطق الساحلية.
وتبرز أهمية التطور الجديد في انتقال مؤشرات النشاط المسلح من المناطق الداخلية والحدودية إلى محيط الساحل الاستراتيجي الإيراني، بما يفتح جبهة أمنية إضافية أمام طهران في مرحلة تتزايد فيها حاجتها إلى تركيز قدراتها العسكرية على مواجهة التهديدات الخارجية.
وبين العمليات التي تعلنها الجماعات البلوشية والتحركات الأمنية الإيرانية، ستكون قدرة السلطات على احتواء التصعيد دون اتساع المواجهات أو تعريض المدنيين لمزيد من المخاطر عاملًا أساسيًا في تحديد مسار الأوضاع في المحافظة خلال الفترة المقبلة.






