تواجه الولايات المتحدة تحديًا متزايدًا في إعادة بناء مخزوناتها من الأسلحة المتطورة بعد أشهر من المواجهة العسكرية مع إيران، وسط تقديرات بارتفاع كلفة الحرب إلى أكثر من 47 مليار دولار، استُخدم معظمها في الذخائر والصواريخ الاعتراضية. وتكشف التقارير العسكرية عن فجوة متزايدة بين سرعة استهلاك الأسلحة في المعارك وقدرة المصانع الأميركية على تعويضها، في وقت تتصاعد فيه احتمالات اندلاع مواجهة جديدة مع طهران.

ووفق تقديرات أعدتها القيادة المركزية الأمريكية واطلعت عليها وسائل إعلام أمريكية في أواخر أكتوبر 2026، بلغت تكلفة الحرب نحو 47.1 مليار دولار حتى منتصف الشهر، بينها قرابة 29 مليار دولار لتعويض الذخائر المستهلكة، و11.9 مليار دولار للنفقات التشغيلية، ونحو 6.1 مليارات دولار لتعويض المعدات والمنصات العسكرية المفقودة.

ولا تشمل هذه التقديرات كامل تكاليف إصلاح القواعد الأميركية المتضررة من الهجمات الإيرانية، ما يعني أن الأعباء المالية الفعلية قد تكون أكبر من الأرقام المعلنة.

لكن التحدي الأبرز لا يتعلق بحجم الإنفاق وحده، وإنما بالوقت اللازم لإعادة إنتاج الأسلحة المستهلكة، ولا سيما منظومات الدفاع الجوي والصواريخ بعيدة المدى، التي يتطلب تصنيعها سنوات من التخطيط والتعاقد والإنتاج.

باتريوت.. استنزاف نحو ثلثي المخزون

تعد صواريخ «باتريوت» (Patriot) من أبرز الأسلحة التي تعرضت مخزوناتها للاستنزاف خلال الحرب، نتيجة استخدامها لاعتراض الصواريخ الباليستية الإيرانية وحماية القوات والقواعد الأمريكية وحلفائها في المنطقة.

ووفق تحليل نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في يوليو 2026، استهلكت القوات الأمريكية نحو 65% من مخزونها التقديري السابق للحرب من الصواريخ الاعتراضية، ليتراجع العدد المتبقي إلى أقل من ألف صاروخ.

ويُقدر سعر الصاروخ الاعتراضي من طراز PAC-3 MSE بنحو 3.7 ملايين دولار، في حين قد لا تتجاوز تكلفة بعض المسيّرات التي تتعامل معها الدفاعات الجوية عشرات آلاف الدولارات.

ورغم اختلاف أنواع التهديدات التي تواجهها المنظومة، فإن هذا التفاوت يبرز الكلفة الاقتصادية المرتفعة لاعتراض أهداف منخفضة التكلفة باستخدام صواريخ متطورة، خصوصًا في المواجهات طويلة الأمد.

وفي محاولة لتعزيز المخزونات، منحت الولايات المتحدة شركة «لوكهيد مارتن» عقدًا بقيمة 9.8 مليارات دولار في سبتمبر 2025، لإنتاج 1,970 صاروخًا اعتراضيًا من طراز PAC-3 MSE، إلى جانب معدات مرتبطة بها.

غير أن زيادة الطلبيات لا تعني تعويض المخزون بصورة فورية، إذ تخضع عمليات الإنتاج والتسليم لقدرات المصانع وسلاسل التوريد، فضلًا عن الالتزامات السابقة تجاه الجيش الأمريكي والدول المتعاقدة على شراء المنظومة.

ثاد.. مخزون محدود وإنتاج لا يواكب الاستهلاك

وتواجه منظومة «ثاد» (THAAD)، المتخصصة في اعتراض الصواريخ الباليستية على ارتفاعات عالية، تحديًا مشابهًا، بعدما استهلكت القوات الأمريكية أعدادًا كبيرة من صواريخها الاعتراضية خلال العمليات العسكرية.

وقدّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية تراجع المخزون الأمريكي من هذه الصواريخ بنحو 38% حتى يوليو 2026، مع بقاء ما يتراوح بين 234 و278 صاروخًا، وفق البيانات المتاحة للمركز آنذاك.

وتتراوح تكلفة الصاروخ الواحد بين 12 و15 مليون دولار، ما يجعل تعويض المخزونات المستهلكة عملية مرتفعة الكلفة، فضلًا عن صعوبات التصنيع.

وتشير بيانات المركز إلى أن الولايات المتحدة لم تتسلم صواريخ اعتراضية جديدة من هذا الطراز منذ أغسطس 2023، فيما يُنتظر استئناف التسليمات بحلول أبريل 2027.

وتبلغ الطاقة الإنتاجية الحالية المعلنة نحو 96 صاروخًا سنويًا، مع خطط أعلنتها شركة «لوكهيد مارتن» لرفع القدرة الإنتاجية إلى 400 صاروخ في السنة.

لكن الوصول إلى الطاقة المستهدفة يتطلب توسيع خطوط التصنيع وتوفير المكونات والعمالة المتخصصة، ما يجعل زيادة الإنتاج عملية تدريجية لا تقدم حلًا فوريًا للاستنزاف.

توماهوك.. أكثر من ألف صاروخ استُخدم في الحرب

أما صواريخ «توماهوك» (Tomahawk)، التي تطلقها السفن والغواصات الأمريكية لضرب أهداف برية بعيدة المدى، فقد شهدت بدورها استهلاكًا واسعًا خلال العمليات ضد إيران.

وبحسب تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أطلقت القوات الأمريكية أكثر من ألف صاروخ من هذا النوع خلال المرحلة الأولى من الحرب، وهو ما يعادل نحو ثلث المخزون التقديري السابق للعمليات.

وتبرز صعوبة التعويض في أن معدلات الإنتاج السنوية أقل بكثير من أعداد الصواريخ التي استُخدمت خلال فترة قصيرة من القتال.

وتشير التقديرات إلى أن إعادة بناء مخزون «توماهوك» قد تستغرق عدة سنوات، حتى مع زيادة التمويل المخصص للإنتاج، خصوصًا مع استمرار الطلب على هذه الصواريخ لتلبية احتياجات القوات الأمريكية في مناطق أخرى من العالم.

ويثير ذلك تساؤلات بشأن قدرة واشنطن على مواصلة استخدام الصواريخ بعيدة المدى بوتيرة مرتفعة إذا اندلعت حرب جديدة، دون التأثير في مخزوناتها المخصصة لعمليات عسكرية محتملة خارج الشرق الأوسط.

القنابل الخارقة للتحصينات.. تحدٍّ آخر أمام واشنطن

ولا يقتصر الاستنزاف على الصواريخ الاعتراضية والهجومية، إذ تبرز تساؤلات بشأن عدد القنابل الأمريكية الثقيلة الخارقة للتحصينات، المصممة لاستهداف المنشآت العسكرية المدفونة في أعماق الأرض.

وكانت الولايات المتحدة قد استخدمت 14 قنبلة من طراز GBU-57، المعروفة باسم «القنبلة الضخمة الخارقة للتحصينات»، خلال ضرباتها للمنشآت النووية الإيرانية في يونيو 2025.

وتتميز هذه القنابل بقدرتها على اختراق طبقات سميكة من التربة والصخور والخرسانة قبل الانفجار، لكنها من الذخائر المتخصصة التي يتطلب إنتاجها قدرات صناعية ومكونات محددة.

ومع تجدد الحديث عن احتمال استهداف منشآت إيرانية شديدة التحصين تحت الجبال، تزداد أهمية معرفة حجم المخزون الأمريكي المتبقي من هذه القنابل، وقدرة الصناعات الدفاعية على إنتاج بدائل لها.

غير أن العدد الفعلي المتاح منها غير معلن، ولا تكفي المعلومات المنشورة لتحديد حجم المخزون المتبقي بدقة أو الجزم بموعد تعويضه.

البنتاغون يقر بنقص في المخزونات الاستراتيجية

ولم تعد المخاوف بشأن استنزاف الذخائر مقتصرة على تقديرات مراكز الأبحاث، فقد أشار مكتب المفتش العام في وزارة الدفاع الأمريكية إلى أن استخدام الذخائر خلال عملية «الغضب الملحمي» ضد إيران تسبب في نقص بمخزونات استراتيجية، وكشف اختناقات في القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية تعرقل سرعة إعادة الإمداد.

وفي تقرير محدّث بتاريخ 5 أكتوبر 2026، أوضحت دائرة أبحاث الكونغرس أن مكتب الميزانية في الكونغرس قدّر الحاجة إلى خمس سنوات على الأقل لتعويض بعض الصواريخ الاعتراضية المستهلكة، حتى في حال زيادة معدلات الإنتاج.

وتكشف هذه التقديرات أن امتلاك الولايات المتحدة القدرة المالية على شراء أسلحة جديدة لا يعني بالضرورة القدرة على الحصول عليها بالسرعة المطلوبة.

فالصواريخ الاعتراضية والذخائر الدقيقة تحتاج إلى مكونات إلكترونية ومحركات وأنظمة توجيه متطورة، وترتبط صناعتها بسلاسل توريد ومواعيد تسليم قد تمتد لسنوات.

وفي المقابل، تؤكد الإدارة الأمريكية امتلاك قواتها ذخائر كافية لمواصلة العمليات العسكرية، بينما يحذر باحثون من أن استمرار الاستنزاف قد يفرض تحديات تتعلق بالاستعداد لمواجهات أخرى في المستقبل.

تداعيات تتجاوز الحرب مع إيران

وتزداد أهمية هذه التحديات بالنظر إلى الالتزامات العسكرية الأمريكية خارج الشرق الأوسط، ولا سيما في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث تعتبر واشنطن الاستعداد لأي مواجهة محتملة مع الصين أولوية استراتيجية.

ويرى باحثون في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن استمرار استهلاك الصواريخ الاعتراضية بوتيرة مرتفعة قد يقلص هامش المرونة العسكرية الأمريكية في حال اندلاع أزمات متزامنة في أكثر من منطقة.

كما أن تخصيص جانب أكبر من الإنتاج لتعويض ما استُهلك خلال الحرب قد يؤثر في مواعيد تسليم الأسلحة إلى الدول الحليفة، التي تعتمد بدورها على منظومات الدفاع الجوي الأمريكية.

وهكذا، فإن التداعيات لا تقتصر على حجم الذخائر المتبقية، بل تمتد إلى توزيع الموارد العسكرية بين مسارح العمليات، وقدرة المصانع على تلبية الطلب المتزايد، والفترة اللازمة لإعادة بناء الاحتياطيات الاستراتيجية.

وتكشف هذه المعطيات عن مفارقة تواجه القوة العسكرية الأمريكية: فالصواريخ التي تُستهلك خلال ساعات أو أيام من القتال قد يحتاج تعويض بعضها إلى سنوات من التصنيع، رغم ما تمتلكه الولايات المتحدة من موارد مالية وقدرات صناعية ضخمة.

ومع تصاعد التسريبات بشأن احتمال تجدد العمليات العسكرية ضد إيران، تصبح قدرة واشنطن على تعويض ذخائرها عاملًا مهمًا في تقدير كلفة أي مواجهة جديدة واستدامتها.

ولا تعني هذه المؤشرات أن الترسانة الأمريكية باتت عاجزة عن خوض الحرب، لكنها تكشف حدود القدرة الصناعية على مواكبة الاستهلاك العسكري المرتفع، وأن استمرار القتال قد يترك آثارًا تتجاوز ميدان المواجهة الحالي إلى جاهزية القوات الأمريكية لسنوات مقبلة.