أثارت تحذيرات أطلقها الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون بشأن احتمال توجيه ضربة نووية أمريكية إلى إيران مخاوف من تصعيد غير مسبوق في المنطقة، بالتزامن مع تقارير عن استعداد واشنطن لشن حملة عسكرية «قصيرة ومكثفة» ضد طهران، وتحركات عسكرية أمريكية جديدة في الخليج، وسط تعثر جهود الوساطة الرامية إلى إنهاء الحرب.

وفي مطلع نوفمبر 2026، حذّر كارلسون من أن إدارة الرئيس دونالد ترامب قد تكون على بُعد أيام من شن ضربة نووية ضد إيران، قائلًا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يمارس ضغوطًا على واشنطن لتنفيذها.

وحدد كارلسون منشأة تحت الأرض في جبل «بيكأس» (Pickaxe Mountain)، قرب منشأة نطنز النووية وسط إيران، بوصفها الهدف المحتمل، مشيرًا إلى أن الاستخبارات الإسرائيلية تعتقد أن طهران استأنفت أنشطة تخصيب اليورانيوم في الموقع، وهي معلومات لم يتسنَّ التحقق منها بصورة مستقلة.

غير أن تحذيرات كارلسون لم تتضمن أدلة تثبت اتخاذ قرار أمريكي باستخدام السلاح النووي، كما لم يصدر عن البيت الأبيض إعلان يؤكد وجود خطة من هذا النوع.

منشأة محصنة تثير التساؤلات بشأن الخيارات العسكرية

تكتسب منشأة «بيكأس» أهمية خاصة بسبب طبيعتها الجغرافية وعمق التحصينات المحيطة بها، إذ تقع داخل تكوينات صخرية من الغرانيت، ويُعتقد أنها تضم شبكة من الأنفاق والمرافق المحصنة تحت الأرض.

وكان مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في واشنطن قد نشر تحليلًا لصور الأقمار الصناعية أشار فيه إلى زيادة أعمال البناء في الموقع خلال عام 2026، موضحًا أن تقديرات مفتوحة المصدر تضع عمق المنشأة بين 80 و100 متر، مع صعوبة تحديد العمق الحقيقي أو التصميم الداخلي بدقة.

وبحسب التحليل، فإن استهداف منشأة بهذا المستوى من التحصين يمثل تحديًا كبيرًا للأسلحة التقليدية، بما فيها القنابل الأمريكية الثقيلة الخارقة للتحصينات.

لكن محدودية قدرة هذه الأسلحة على تدمير منشأة عميقة لا تعني بالضرورة أن واشنطن ستلجأ إلى السلاح النووي، إذ يبقى ذلك خيارًا مختلفًا جذريًا من الناحيتين العسكرية والسياسية، فضلًا عن مخاطره الإنسانية والبيئية.

وفي مقابل تحذيرات كارلسون، كان ترامب قد استبعد علنًا استخدام السلاح النووي ضد إيران، خلال مقابلة مع شبكة «نيوزماكس» في 15 أكتوبر 2026، مؤكدًا أن الولايات المتحدة ليست بحاجة إلى اللجوء إليه.

وأوضح ترامب، أثناء حديثه عن احتمال استخدام قنبلة تقليدية ضخمة تعرف باسم «أم القنابل»، أنها ليست سلاحًا نوويًا، مشددًا على عدم اعتزامه استخدام الأسلحة النووية ضد إيران.

ويكشف هذا التباين بين تصريحات الرئيس الأمريكي وتحذيرات كارلسون أهمية الفصل بين السيناريوهات التي يطرحها المعلقون السياسيون وبين القرارات العسكرية الرسمية.

واشنطن تحذر دولًا خليجية من حملة عسكرية جديدة

وبالتوازي مع الجدل بشأن احتمال استخدام السلاح النووي، كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال»، في 28 أكتوبر، أن الولايات المتحدة أبلغت عدة دول خليجية بضرورة الاستعداد لحملة عسكرية قصيرة ومكثفة ضد إيران، عقب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية التي جرت في 3 نوفمبر.

ونقلت الصحيفة عن مصادر مطلعة على الاتصالات أن التحذيرات نُقلت عبر قنوات دبلوماسية وعسكرية، في ظل مؤشرات على استعداد الولايات المتحدة وإسرائيل لجولة جديدة من العمليات القتالية، بهدف إضعاف القدرات الإيرانية والضغط على طهران للعودة إلى المفاوضات.

وشملت التحركات الأمريكية تعزيز الدفاعات الجوية الإسرائيلية بمنظومة «باتريوت» إضافية، وإعادة تموضع بعض القوات بعيدًا عن القواعد المعرضة للهجمات، إلى جانب تجديد مخزونات الذخائر والاستعداد لاحتمال استئناف الضربات الجوية.

لكن الصحيفة أوضحت أن ترامب لم يكن قد اتخذ قرارًا نهائيًا بشأن تنفيذ الحملة، وأن التسوية التفاوضية لا تزال أحد الخيارات المطروحة.

ولم تتضمن المعلومات المنشورة ما يشير إلى أن العملية المحتملة ستستخدم فيها أسلحة نووية.

ضربات أمريكية محدودة تستهدف جزيرة قشم

وفي تطور ميداني يزيد المخاوف من اتساع المواجهة، نفذت القوات الأمريكية، يوم الإثنين 2 نوفمبر، ضربات جوية محدودة استهدفت جزيرة قشم الإيرانية عند مدخل مضيق هرمز.

ونقلت شبكة «ABC News» عن مسؤولين أمريكيين أن الضربات جاءت ردًا على هجوم إيراني استهدف طائرة أمريكية، ووصفها المسؤولون بأنها إجراءات دفاعية لحماية القوات والمصالح الأمريكية في المنطقة.

كما أفادت شبكة «CNN» بأن العملية لم تكن جزءًا من الحملة العسكرية الواسعة التي يجري الحديث عن الاستعداد لها، فيما أشارت تقارير أمريكية إلى تنفيذ ضربات محدودة أخرى خلال الأسابيع السابقة دون الإعلان عنها.

وتعكس هذه العمليات استمرار المواجهة العسكرية، رغم عدم بدء الحملة الأوسع التي تناولتها التسريبات، وتثير تساؤلات بشأن قدرة الطرفين على إبقاء الضربات المتبادلة ضمن نطاق محدود.

تعثر المفاوضات يضيّق فرص التهدئة

وفي المسار الدبلوماسي، تتواصل محاولات الوساطة الإقليمية لمنع اندلاع مواجهة جديدة، لكن الخلافات بشأن شروط التسوية لا تزال تعرقل التوصل إلى اتفاق.

فقد أفادت وكالة «رويترز»، في 28 أكتوبر، بأن وسطاء قطريين قدموا إلى إيران مسودة اتفاق جديدة لإنهاء الحرب مع الولايات المتحدة و”إسرائيل”، تتضمن خطوات متبادلة لبناء الثقة خلال سبعة أيام، بمشاركة دول ضامنة.

غير أن مسؤولًا إيرانيًا رفيعًا وصف الأفكار القطرية بأنها غير مقبولة ولا ترقى إلى مستوى عرض اتفاق، مؤكدًا تمسك طهران بموقفها من الملف النووي.

وتتمحور الخلافات حول ترتيب خطوات التسوية؛ إذ تريد واشنطن معالجة البرنامج النووي الإيراني منذ بداية الاتفاق، بينما تطالب طهران برفع الحصار الأمريكي المفروض على موانئها والعقوبات التي تستهدف صادراتها النفطية.

ومع استمرار هذا التعثر، تزداد احتمالات أن تعود واشنطن إلى الخيار العسكري للضغط على إيران، دون أن يعني ذلك بالضرورة انهيار جميع فرص الحل الدبلوماسي.

مخزونات الأسلحة الأمريكية أمام اختبار جديد

وتواجه الاستعدادات العسكرية الأمريكية تساؤلات بشأن حجم الذخائر المتاحة بعد أشهر من المواجهة مع إيران، ولا سيما صواريخ الدفاع الجوي بعيدة المدى والذخائر الدقيقة والقنابل الخارقة للتحصينات.

وتشير تقديرات عسكرية إلى أن تعويض بعض أنواع الذخائر المعقدة يحتاج إلى فترات تصنيع طويلة، بما يجعل استدامة العمليات العسكرية واسعة النطاق عاملًا مؤثرًا في حسابات واشنطن.

وتبرز أهمية هذه المسألة مع الحاجة إلى حماية القوات والقواعد الأمريكية، وتعزيز الدفاعات الإسرائيلية، وتأمين الملاحة في الخليج، بالتزامن مع الاستعداد لاحتمال تنفيذ ضربات جديدة.

ومع ذلك، فإن استنزاف مخزونات الأسلحة التقليدية لا يشكل دليلًا على الاتجاه إلى استخدام الأسلحة النووية، ولا يمكن اعتبار محدودية بعض القدرات العسكرية مؤشرًا كافيًا على طبيعة القرار الأمريكي المقبل.

مخاوف من امتداد المواجهة إلى الخليج وأسواق النفط

لا تقتصر تداعيات أي تصعيد جديد على الأراضي الإيرانية، إذ تبرز مخاوف من امتداد المواجهة إلى دول الخليج ومنشآت الطاقة والممرات البحرية الحيوية.

وتعد جزيرة خرج من أهم مراكز تصدير النفط الإيراني، ولذلك فإن تعرض منشآتها لضربات واسعة قد يهدد قدرة طهران على تصدير النفط، ويؤدي إلى اضطرابات إضافية في الأسواق العالمية، بحسب حجم الأضرار ومدة توقف العمليات.

وفي المقابل، سبق أن حذرت طهران من الرد على أي هجمات أمريكية أو إسرائيلية جديدة، وسط مخاوف من استهداف منشآت اقتصادية أو بنى تحتية في المنطقة، بما قد يدفع المواجهة إلى مستويات يصعب احتواؤها.

وتزداد حساسية هذه المخاطر مع استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط، ومع تراجع الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي إلى نحو 282 مليون برميل في أكتوبر 2026.

وقد يؤدي أي تعطيل واسع لصادرات النفط أو حركة الناقلات إلى ارتفاع الأسعار، وزيادة تكاليف النقل والتأمين، وإحداث اضطرابات تتجاوز المنطقة إلى الاقتصاد العالمي.

خطر نووي يتجاوز حدود المواجهة العسكرية

أما السيناريو الأخطر، المتمثل في استخدام سلاح نووي ضد منشأة محصنة تحت الأرض، فيثير مخاوف مختلفة تمامًا عن تلك المرتبطة بالضربات التقليدية.

فإلى جانب الدمار المباشر، قد يؤدي انفجار نووي تحت الأرض إلى تسرب مواد مشعة إلى البيئة إذا اخترقت نواتج الانفجار سطح الأرض، مع احتمال تلوث مناطق مأهولة أو مصادر مياه، بحسب قوة التفجير وعمقه وطبيعة الصخور والظروف المحيطة.

كما أن استخدام سلاح نووي في مواجهة عسكرية من هذا النوع قد يفتح الباب أمام ردود فعل إقليمية ودولية يصعب التنبؤ بمسارها، ويشكل سابقة خطيرة في استخدام الأسلحة النووية منذ الحرب العالمية الثانية.

غير أن تقدير نطاق التلوث أو أعداد المتضررين يتطلب دراسات علمية متخصصة، ولا يمكن الاستناد إلى التحذيرات الإعلامية وحدها للجزم بحجم الكارثة المحتملة.

وفي المحصلة، تكشف التطورات عن مستويين مختلفين من المخاطر: استعدادات أمريكية موثقة صحفيًا لاحتمال استئناف عمليات عسكرية واسعة ضد إيران، وتحذيرات من احتمال استخدام السلاح النووي لم تتوافر أدلة مستقلة تثبتها، وتتناقض مع موقف سابق معلن للرئيس الأمريكي.

وبين ضغوط التصعيد العسكري وتعثر الوساطات الدبلوماسية، تواجه المنطقة خطر الانزلاق إلى جولة جديدة من الحرب، قد لا تظل محصورة بين واشنطن وطهران، بل تمتد آثارها إلى أمن دول الخليج وسلامة المدنيين وإمدادات الطاقة العالمية.