حذرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» من أن الحصار الذي تفرضه جماعة الحوثيين المدعومة من إيران على مدينة تعز اليمنية قد يرقى إلى جريمة حرب تتمثل في استخدام تجويع المدنيين أسلوبًا للحرب، بعدما أدى التصعيد العسكري الأخير إلى قطع طرق الإمداد الحيوية وتفاقم نقص الغذاء والمياه والأدوية والوقود، في وقت تعذر فيه إيصال المساعدات الإنسانية إلى أكثر من 600 ألف شخص، وأصبحت الخدمات الصحية ومصادر المياه مهددة بالتوقف.

وكشفت المنظمة، في تحقيق نشرته يوم الخميس 29 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أن الأزمة الإنسانية في تعز، ثالث أكبر مدن اليمن، تدهورت بصورة حادة منذ مطلع أكتوبر، بعدما طوقت قوات الحوثيين المدينة بالكامل، وقطعت آخر طريق رئيسي متبقٍ للإمدادات وشنّت هجمات عليه، وفق ما وثقه التحقيق.

واستندت المنظمة إلى مقابلات أجرتها خلال أكتوبر مع 15 شخصًا، بينهم خمسة من سكان تعز، وأربعة أطباء، وستة عاملين في منظمات المجتمع المدني، إلى جانب بيانات صادرة عن وكالات الأمم المتحدة.

وتحاصر قوات الحوثيين تعز منذ عام 2015، بينما تسيطر القوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية على وسط المدينة. وأدت القيود المتواصلة على الطرق إلى عرقلة حركة المدنيين وإيصال المواد الأساسية طوال سنوات، قبل أن يؤدي التصعيد الأخير إلى تفاقم الأزمة بصورة غير مسبوقة.

أكثر من 600 ألف شخص خارج نطاق المساعدات

أفاد برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، في بيان صدر يوم 14 أكتوبر، بأنه لم يعد قادرًا على إيصال المساعدات إلى أكثر من 600 ألف شخص في تعز يعتمدون على الإغاثة الإنسانية، بينهم ما يزيد على 200 ألف امرأة وطفل.

وحذر البرنامج من أن مخزونات دقيق القمح أوشكت على النفاد، وأن المواد الغذائية المتبقية في الأسواق قد لا تكفي إلا لفترة محدودة إذا استمرت القيود على وصول الإمدادات.

وتزداد خطورة هذه الأوضاع مع تصنيف عشر مديريات من أصل 16 مديرية مشمولة بالتقييم في تعز ضمن مستوى الطوارئ من انعدام الأمن الغذائي، وهو المستوى الرابع من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي.

ونقلت «هيومن رايتس ووتش» عن أحد السكان أن أسعار الخضراوات تضاعفت مع بداية التصعيد، فيما أفاد آخر بأنه أمضى ثلاثة أيام يبحث عن القمح والطحين دون أن يتمكن من العثور عليهما.

ولم يقتصر التأثير على نقص الغذاء؛ فقد أدى شح الوقود إلى ارتفاع تكاليف النقل وتعطيل سلاسل الإمداد، حتى أصبحت البضائع التي قد تتوفر خارج المدينة عاجزة عن الوصول إلى السكان بصورة منتظمة.

وقال أحد مسؤولي منظمات المجتمع المدني إن تكاليف سائقي الشاحنات تضاعفت، بينما أفاد أحد السكان العاملين في الإغاثة بأن سعر غاز الطهي ارتفع بنحو 400%، وهي نسبة وردت في شهادته التي نقلتها المنظمة، وليست تقديرًا شاملًا للأسعار في جميع أنحاء المدينة.

المياه مهددة.. و1.6 مليون طفل في دائرة الخطر

تكشف أزمة المياه جانبًا أكثر خطورة من تداعيات الحصار، إذ أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف»، يوم 20 أكتوبر، أن نقص الوقود واضطراب الإمدادات يهددان أنظمة المياه التي تخدم نحو ثلاثة ملايين شخص في تعز، بينهم ما لا يقل عن 1.6 مليون طفل.

وقال ممثل اليونيسف في اليمن، أخيل آير، إن نقص الديزل يهدد بتوقف مضخات المياه، فيما ارتفعت تكلفة المياه المنقولة بالصهاريج إلى ثلاثة أمثالها منذ التصعيد الأخير.

وفي السياق نفسه، أعلن منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في اليمن، لوران بوكيرا، أن إنتاج المياه في مدينة تعز انخفض إلى النصف بحلول 20 أكتوبر، وأن البدائل المتاحة بدأت تنفد.

وأفاد تحقيق «هيومن رايتس ووتش» بأن الحوثيين منعوا أيضًا مرور شاحنات لنقل المياه عبر نقاط تفتيش تابعة لهم، وفق شهادات جمعتها منظمة محلية تراقب الحصار.

وتزداد خطورة الوضع على الأطفال المصابين بسوء التغذية؛ إذ كشفت اليونيسف أنها فحصت أكثر من 168 ألف طفل في تعز خلال عام 2026، ووجدت أن أكثر من 52 ألفًا منهم يعانون سوء التغذية الحاد، أي ما يقارب ثلث الأطفال الذين شملهم الفحص.

وحذرت المنظمة من أن نقص المياه النظيفة وتردي الصرف الصحي قد يؤديان إلى انتشار الإسهال والكوليرا، بما يفاقم سوء التغذية ويهدد حياة الأطفال الأكثر ضعفًا.

مستشفيات تتوقف ومرضى يعودون دون علاج

امتدت تداعيات الحصار إلى القطاع الصحي، حيث أفاد أطباء وعاملون في المجال الطبي بأن إغلاق الطرق ونقص الوقود يعرقلان وصول المرضى إلى المستشفيات، خصوصًا المصابين بالسرطان وأمراض الكلى وارتفاع ضغط الدم وغيرها من الأمراض المزمنة.

وقالت طبيبة في تعز إنها استقبلت مصابين، بينهم أطفال ونساء، لكن المستشفى يعاني نقصًا في مواد التخدير الضرورية لإجراء العمليات الجراحية.

كما حذر عاملون صحيون من انخفاض مخزونات الأدوية والأكسجين الطبي والمستلزمات الأساسية اللازمة للعناية المركزة وغسيل الكلى ورعاية حديثي الولادة.

ونقلت المنظمة عن أحد الأطباء أن المرفق الصحي الذي يعمل فيه اضطر إلى التوقف ثلاثة أيام بسبب نفاد الديزل المشغّل للمولدات الكهربائية، ما أدى إلى عودة المرضى دون تلقي العلاج.

وتعتمد مستشفيات عديدة في تعز على الوقود لتشغيل معداتها، في حين تأتي نسبة كبيرة من الإمدادات الطبية عبر الطريق الرابط بين عدن وتعز، الذي تضررت حركة النقل عليه بفعل الحصار والاشتباكات.

وكان منسق الشؤون الإنسانية بالأمم المتحدة قد حذر في 20 أكتوبر من اقتراب النظام الصحي في تعز من الانهيار، مع تعرض حياة مئات المرضى للخطر بسبب نقص الطاقة والأكسجين الطبي.

الحوثيون ينفون المسؤولية.. وشهادات تحملهم تبعات الحصار

وفي رده على المنظمة، نفى متحدث باسم الحوثيين، يوم 21 أكتوبر، مسؤولية الجماعة عن إغلاق الطرق المؤدية إلى تعز، متهمًا القوات الحكومية اليمنية بأنها الجهة التي تعرقل حركة المرور والإمدادات.

غير أن السكان والعاملين في المجتمع المدني ومسؤولين أمميين استند إليهم تحقيق «هيومن رايتس ووتش» حمّلوا الحوثيين المسؤولية الأساسية عن نقص المواد الحيوية، بسبب تطويق المدينة وإغلاق طرق الإمداد.

وتؤكد المنظمة أن استمرار القيود على الغذاء والوقود والمياه والأدوية يفاقم معاناة المدنيين، بصرف النظر عن الأهداف العسكرية التي تعلنها الأطراف المتحاربة.

متى يصبح الحصار جريمة حرب؟

أوضحت «هيومن رايتس ووتش» أن القانون الدولي الإنساني لا يحظر الحصار العسكري في ذاته، ما دام يحقق غرضًا عسكريًا مشروعًا ولا يستهدف تجويع السكان المدنيين أو إلحاق أضرار غير متناسبة بهم.

لكن القانون يحظر استخدام التجويع أسلوبًا للحرب، بما في ذلك الحرمان المتعمد من المواد الضرورية للبقاء على قيد الحياة، مثل الغذاء والمياه والأدوية، أو عرقلة وصول الإغاثة الإنسانية.

وتؤكد المنظمة أن جميع أطراف النزاع ملزمة بتسهيل وصول المساعدات إلى المدنيين وعدم تأخيرها تعسفًا، وأن إثبات جريمة استخدام التجويع لا يتطلب بالضرورة وقوع وفيات فعلية بسبب الجوع؛ بل يمكن النظر إلى مجمل ظروف العمليات العسكرية والحرمان المفروض على السكان لتقييم القصد الجنائي.

وبناءً على نتائج تحقيقها، حذرت المنظمة من أن الحصار المفروض على تعز قد يرقى إلى جريمة حرب، مطالبة الحوثيين بفتح الطرق الحيوية فورًا، والسماح بمرور الغذاء والوقود والمياه والأدوية والمساعدات الإنسانية.

مدينة تدفع ثمن الحرب من قوت سكانها وحياتهم

تكشف نتائج التحقيق أن معاناة تعز لم تعد مقتصرة على القصف والاشتباكات أو صعوبة التنقل بين مناطق المدينة، بل باتت تمتد إلى أبسط احتياجات الحياة اليومية: الحصول على الخبز والمياه والوقود والعلاج.

فانقطاع طريق الإمداد لا يعني فقط تأخر وصول شاحنة غذاء، بل قد يؤدي أيضًا إلى توقف مضخة مياه، أو تعطّل جهاز طبي، أو حرمان مريض من دوائه، أو عجز أسرة عن إعداد طعامها.

وتأتي هذه التطورات في بلد يواجه فيه أكثر من 18 مليون شخص انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، وفق بيانات برنامج الأغذية العالمي، بينما يعاني نحو 2.2 مليون طفل دون الخامسة سوء التغذية الحاد.

ومع استمرار إغلاق الطرق وتعطل الإمدادات، يصبح فتح الممرات الإنسانية وحماية المدنيين ضرورة عاجلة، قبل أن تتحول أزمة تعز إلى كارثة أوسع تطال مئات الآلاف ممن يعتمدون على المساعدات، وملايين الأشخاص الذين تهددهم أزمة المياه والخدمات الأساسية.

فالحصار الذي يحرم المدنيين من مقومات بقائهم لا تُقاس آثاره بعدد القذائف وحدها، بل كذلك بالأطفال الذين لا يجدون غذاءً كافيًا، والمرضى الذين تعود بهم سيارات الإسعاف من أبواب المستشفيات، والأسر التي تنتظر وصول الماء والدواء دون أن تعرف متى تنتهي معاناتها.