كشف تحقيق جديد لبعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق في السودان عن انتهاكات جسيمة يتعرض لها المدنيون في مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، شملت هجمات متكررة بالمسيّرات نُسبت إلى قوات الدعم السريع، واستهدفت أحياء سكنية ومدارس ومراكز لإيواء النازحين، إلى جانب اعتقالات تعسفية وتعذيب واحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي نُسبت إلى أجهزة أمنية مرتبطة بالجيش السوداني، وسط تحذيرات من أن بعض هذه الممارسات قد ترقى إلى جرائم حرب.
وأفادت البعثة، في تقرير أصدرته يوم الأربعاء 28 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بعنوان «حرب السودان التي لا تهدأ: تدمير المدنيين وتفاقم انعدام الأمن في الأبيض»، بأن المدينة التي يقطنها نحو 600 ألف شخص تعيش تحت تهديد مزدوج؛ يتمثل في الهجمات الجوية المتكررة من جهة، واتساع حملات الاعتقال والمراقبة الأمنية من جهة أخرى.
وحذر رئيس البعثة، محمد شاندي عثمان، من أن الوضع في الأبيض ومحيطها لا يزال بالغ الخطورة، وأن احتمالات ارتكاب فظائع جديدة مرتفعة، مشيرًا إلى أن الحرب أصبحت أكثر اتساعًا جغرافيًا وتطورًا من الناحية العسكرية، وأشد تهديدًا لحياة المدنيين.
ضربات بالمسيّرات تطال المنازل والمدارس ومراكز النزوح
وثقت البعثة هجمات متكررة بالمسيّرات نُسبت إلى قوات الدعم السريع، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من المدنيين، فضلًا عن تدمير منازل ومرافق تعليمية ومراكز لإيواء النازحين ومنشآت حيوية.
وبحسب التحقيق، تكثفت الهجمات في يونيو/حزيران الماضي، واستمرت خلال سبتمبر وأكتوبر، رغم تغير خطوط المواجهة حول المدينة، التي لا تزال محاصرة جزئيًا من جانب قوات الدعم السريع.
ومن بين الحوادث التي تناولها التقرير، هجوم بمسيّرة يوم 9 سبتمبر استهدف كلية العلوم التنموية والتكنولوجية، وأسفر، بحسب الإفادات التي راجعتها البعثة، عن مقتل أحد أفراد الحراسة.
وفي 20 سبتمبر، أدت ضربات استهدفت مستودعين في محلية شيكان إلى تدمير أكثر من 330 ألف مادة تعليمية كانت مخصصة للتوزيع مع بداية العام الدراسي.
كما وثقت البعثة هجومًا على موقع لإيواء النازحين في الميناء البري بمدينة الأبيض يوم 30 سبتمبر، أفادت التقارير بأنه أدى إلى مقتل طفل وإصابة 12 شخصًا.
وفي اليوم التالي، استهدفت ضربة بمسيّرة داخليةً طلابية تابعة لجامعة كردفان، ما أسفر، وفق المعلومات التي أوردها التحقيق، عن مقتل خمسة مدنيين وإصابة 47 آخرين.
وأشارت البعثة إلى أن بعض الهجمات طالت تجمعات مدنية تشكلت عقب انفجارات سابقة، بما في ذلك واقعة مرتبطة بتشييع ضحايا إحدى الضربات، ما أثار مخاوف إضافية بشأن طبيعة الأهداف والاحتياطات المتخذة لحماية المدنيين.
ورأت البعثة أن أنماط هذه الهجمات تثير شبهات بانتهاك قواعد القانون الدولي الإنساني المتعلقة بالتمييز بين الأهداف المدنية والعسكرية والتناسب والاحتياطات أثناء الهجوم، وقد ترقى بعض الوقائع إلى جرائم حرب.
70% من مستشفيات المدينة خارج الخدمة
لم تقتصر آثار الهجمات على الخسائر المباشرة في الأرواح والممتلكات، بل امتدت إلى تعطيل الخدمات التي يعتمد عليها السكان للبقاء على قيد الحياة.
ونقلت البعثة عن أحد الخبراء أن نحو 30% فقط من مستشفيات الأبيض ظلت قادرة على العمل بعد الهجمات التي طالت القطاع الصحي ومرافق الخدمات الأساسية.
وتسببت الضربات على منشآت الكهرباء والوقود في تعطيل إمدادات المياه والخدمات الطبية، بما فيها العمليات الجراحية وتوفير الأكسجين وجلسات غسيل الكلى.
وفي 16 يونيو، أدت ضربة بمسيّرة قرب مستشفى الولادة إلى تضرر غرف العمليات والصيدلية، ما تسبب في تعليق العمليات الجراحية، بحسب ما وثقه التحقيق.
وتفاقمت هذه الأوضاع مع النقص الحاد في الأدوية والدم والمستلزمات الطبية، وانقطاع الكهرباء وصعوبة وصول المرضى والمصابين إلى المرافق الصحية.
وحذرت عضو البعثة جوي نغوزي إيزيلو من أن استهداف شبكات الكهرباء والمياه والمستشفيات والمدارس ومواقع النزوح يخلّف آثارًا تتجاوز لحظة القصف، إذ تستمر معاناة المجتمعات المتضررة حتى بعد انتهاء الهجمات.
وفي المقابل، أثار التحقيق مخاوف بشأن انتشار عناصر الجيش السوداني والقوات المتحالفة معه داخل الأحياء السكنية وقرب الأسواق والمنازل، معتبرًا أن وجود المعدات والمركبات العسكرية في المناطق المأهولة يزيد المخاطر على المدنيين.
وشددت البعثة على أن هذه الممارسات لا تعفي قوات الدعم السريع من التزامها المستقل بحماية المدنيين وتجنب الهجمات العشوائية أو غير المتناسبة.
آلاف المعتقلين في مراكز احتجاز سرية
وفي الجانب الآخر من التحقيق، وثقت البعثة اتساع حملات الاعتقال والمراقبة والترهيب في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني بمدينة الأبيض.
وأفادت بأن أجهزة أمنية مرتبطة بالجيش والقوات المتحالفة معه استهدفت أشخاصًا يُشتبه في صلاتهم بقوات الدعم السريع، إلى جانب عاملين في المجال الإنساني وناشطين حقوقيين ومحامين وصحفيين ونقابيين وشخصيات مجتمعية.
وتحدثت البعثة عن اعتقالات جرت دون إبلاغ الموقوفين بأسباب احتجازهم أو تمكينهم من الطعن الفوري في الإجراءات، فضلًا عن نقل بعضهم إلى مواقع احتجاز غير رسمية قبل تحويلهم إلى السجن المركزي.
وقالت منى رشماوي، عضو بعثة تقصي الحقائق، إن آلاف الأشخاص اعتُقلوا على أيدي خلايا أمنية تابعة للجيش السوداني، واحتُجزوا وتعرضوا للتعذيب في مواقع غير رسمية وفي سجن الأبيض المركزي، في ظروف وصفتها بالمروعة.
وأضافت أن السكان يخشون الاعتقال بسبب الاشتباه في عدم ولائهم للجيش، أو نتيجة انخراطهم في أنشطة مدنية، بما فيها العمل الحقوقي وجهود السلام.
وشملت الانتهاكات التي تلقت البعثة إفادات بشأنها الضرب والتهديد بالقتل وسوء المعاملة والضغط على المحتجزين لتوقيع اعترافات، إلى جانب تقارير عن وفيات داخل مراكز الاحتجاز مرتبطة بالتعذيب أو نقص الرعاية الصحية.
كما تلقت البعثة ادعاءات وصفتها بالموثوقة بشأن تعرض محتجزات للعنف والتحرش والإكراه الجنسي، بما في ذلك مطالبات بممارسات جنسية مقابل الإفراج أو الحصول على معاملة أفضل، وهي اتهامات تستدعي تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين عنها.
سجن يتسع لـ450 شخصًا ويضم نحو ألفين
ومن أبرز الوقائع التي كشفها التقرير، الاكتظاظ الشديد داخل سجن الأبيض المركزي، الذي يُقدَّر عدد الموجودين فيه بنحو ألفي شخص، رغم أن طاقته الاستيعابية لا تتجاوز 450 شخصًا.
وأوضحت البعثة أن هذا العدد يستند إلى تقديرات وشهادات عدة، ولا يزال بحاجة إلى تحقق نهائي.
ووصف أحد المحتجزين السابقين وجود ما يصل إلى 40 شخصًا داخل زنزانة لا تتجاوز مساحتها مترين ونصف المتر في مترين، في ظروف تفتقر إلى التهوية والمياه النظيفة والخدمات الصحية الأساسية.
كما أفاد محتجزون سابقون بانتشار الحرارة الشديدة وسوء الصرف الصحي، واضطرار بعض السجناء إلى قضاء حاجتهم داخل أوعية في الزنازين، مع محدودية الوصول إلى العلاج، بما في ذلك للمصابين بأمراض مزمنة.
وأكدت البعثة أن الاحتجاز التعسفي والتعذيب والمعاملة القاسية والمهينة قد تشكل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، وقد ترقى في ظروف معينة إلى جرائم حرب.
وطالبت بوقف هذه الممارسات والسماح لجهات رقابية مستقلة بزيارة جميع أماكن الاحتجاز والتحقق من أوضاع المعتقلين.
ترهيب الناشطين يعرقل توثيق الانتهاكات
وحذر التقرير من أن التضييق الأمني لم يقتصر على المعتقلين أنفسهم، بل امتد إلى تقييد قدرة المجتمع المدني على توثيق الانتهاكات ومساعدة المتضررين.
وذكرت البعثة أن بعض الشهود تراجعوا عن الإدلاء بإفاداتهم خوفًا من الاعتقال أو الانتقام منهم ومن أسرهم، بينما أصبح ناشطون حقوقيون يتجنبون تصوير آثار الهجمات أو توثيق مواقع سقوط المسيّرات، خشية اتهامهم بمساعدة قوات الدعم السريع.
ورأت البعثة أن هذه البيئة تُضعف فرص كشف الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحد من قدرة المدنيين على المطالبة بالحماية أو المشاركة بحرية في جهود السلام.
كما حذرت من أن استمرار الاعتقالات والترهيب يقوض إمكان إجراء حوار سوداني شامل وذي مصداقية لإنهاء الحرب.
تحذير من اتساع الحرب ودعوات لوقف تدفق الأسلحة
تأتي نتائج التحقيق بعد أكثر من ثلاثة أعوام من اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023، وفي ظل انتشار العمليات العسكرية بالمسيّرات إلى مناطق متزايدة من البلاد.
وأشار رئيس البعثة إلى أن أحداث أكتوبر شهدت أعلى مستوى من هجمات المسيّرات على المدنيين منذ بداية الحرب، وفق ما رصده المحققون، مع استمرار التحقيق في هجمات أخرى وقعت في أبيي والنيل الأزرق ومناطق قريبة من الحدود المصرية.
كما أكدت البعثة أن أطرافًا خارجية أسهمت في إطالة أمد النزاع عبر شبكات عابرة للحدود مرتبطة بتوريد الأسلحة والمعدات والتكنولوجيا العسكرية والدعم اللوجستي.
ودعت الدول إلى اتخاذ إجراءات تمنع تقديم دعم قد يسهم في ارتكاب انتهاكات جسيمة، مع تجديد المطالبة بتوسيع حظر الأسلحة الأممي المفروض على دارفور ليشمل السودان كله.
وشددت على ضرورة حماية المدنيين والمنشآت الحيوية، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، وإنهاء الاعتقال التعسفي والتعذيب والانتقام من العاملين في المجال الإنساني والحقوقي.
المدنيون بين خطر القصف والخوف من الاعتقال
تكشف نتائج التحقيق صورة لمدينة يعيش سكانها تحت تهديد مستمر، سواء من الهجمات الجوية التي تطال الأحياء والمرافق المدنية، أو من الإجراءات الأمنية التي تحد من قدرتهم على التحرك والتعبير والإبلاغ عن الانتهاكات.
ففي الأبيض، لا يقتصر أثر المسيّرات على من تقتلهم أو تصيبهم مباشرة، بل يمتد إلى المرضى الذين تتوقف عنهم الخدمات الطبية، والأطفال الذين تُدمَّر مدارسهم ومستلزماتهم التعليمية، والنازحين الذين تتعرض مراكز إيوائهم للقصف.
وفي الوقت نفسه، تزيد الاعتقالات والمراقبة الأمنية من عزلة المدنيين، وتدفع بعض الشهود والناشطين إلى الصمت خوفًا من الملاحقة.
ويخلص التحقيق الأممي إلى أن حماية المدنيين في الأبيض تتطلب معالجة هذين الخطرين معًا: وقف الهجمات غير المشروعة على السكان والمنشآت المدنية، وإنهاء الاعتقالات التعسفية والتعذيب داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش وحلفائه.
ومع استمرار الحرب وتوسع استخدام المسيّرات، تحذر البعثة من أن غياب المحاسبة واستمرار القيود على الحريات قد يمهدان لارتكاب فظائع جديدة، في مدينة بات أهلها يواجهون خطر الموت من السماء، والخوف من الاختفاء خلف أبواب مراكز الاحتجاز.
المصادر
التقرير الأممي الأصلي – حرب السودان التي لا تهدأ: الأبيض (PDF)
نص بيان مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان – 28 أكتوبر 2026.







