كشف تحليل عسكري جديد لمنظمة «ACLED»، المتخصصة في رصد النزاعات المسلحة، عن تحوّل ملحوظ في نمط العمليات الإسرائيلية بقطاع غزة، يتمثل في تكثيف استهداف الأشخاص الذين تقول ما يسمى “إسرائيل” إنهم يديرون الشبكات المالية لحركة المقاومة الإسلامية «حماس»، بالتزامن مع استمرار اغتيال قياداتها العسكرية والأمنية، في محاولة قد تهدف إلى إضعاف قدرة الحركة على إدارة عملياتها وتمويل عناصرها والمحافظة على مؤسساتها داخل القطاع.

وأوضحت المنظمة، في تحليل نشرته يوم الأربعاء 28 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أن القوات الإسرائيلية نفذت خمس ضربات استهدفت أشخاصًا وصفتهم بأنهم مسؤولون عن تمويل حماس، خلال سبتمبر وأكتوبر، في وتيرة غير معتادة مقارنة بالفترات السابقة من الحرب.

وترى الباحثة لين عبد ربه، محللة شؤون غزة في المنظمة، أن هذا التطور يشير إلى انتقال الاستهداف الإسرائيلي من التركيز على القيادات العسكرية إلى الجمع بين ضرب هياكل القيادة وشبكات التمويل، بما يهدد قدرة الحركة على الاستمرار تنظيميًا وماليًا، حتى إن احتفظت بنفوذها الميداني في أجزاء من القطاع.

خمس عمليات خلال شهر.. من استهدفت قوات الاحتلال؟

بحسب بيانات «ACLED»، شهدت الفترة بين 23 و27 سبتمبر 2026 ثلاث ضربات إسرائيلية استهدفت أشخاصًا اتهمتهم تل أبيب بإدارة شبكات مالية مرتبطة بحماس.

وشملت العمليات مقتل محمد أبو علوان، الذي وصفته سلطات الاحتلال بأنه رئيس الدائرة المالية للحركة، وجبر مقبل، الذي اتهمته بإدارة شبكة صرافة وتحويل أموال نقلت ملايين الشواكل إلى حماس، وشادي أبو حسيرة، الذي قالت إنه أشرف على شبكة حوّلت عشرات الملايين من الشواكل إلى جناحها العسكري.

وفي 20 و21 أكتوبر، نفذت القوات الإسرائيلية ضربتين إضافيتين في قطاع غزة، أعلنت أنهما استهدفتا شخصين متورطين في تحويل الأموال إلى الجناح العسكري لحماس.

كما أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي وجهاز الأمن العام «الشاباك» اغتيال 16 شخصًا وصفاهم بأنهم مسؤولون عن أنشطة مالية للحركة منذ بداية الحرب.

وتستند المعلومات المتعلقة بأدوار هؤلاء الأشخاص والمبالغ التي يُزعم أنهم أداروها إلى الرواية الإسرائيلية التي أوردها التحليل، ولا تمثل إثباتًا مستقلًا لكل الاتهامات المنسوبة إليهم.

ما الجديد في العمليات الإسرائيلية؟

تشير المنظمة إلى أن استهداف المسؤولين الماليين ليس جديدًا تمامًا في الحرب، لكن التغيير الأبرز يتمثل في عدد الضربات وتقارب توقيتها والمستوى التنظيمي للأشخاص المستهدفين.

فخلال المراحل السابقة منذ أكتوبر 2023، كانت معظم الأهداف المرتبطة بالتمويل، التي سجلتها قاعدة بيانات المنظمة، من قيادات متوسطة المستوى في حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية.

أما تنفيذ ثلاث ضربات خلال خمسة أيام في سبتمبر 2026، فقد مثّل أكثر موجة استهداف تركيزًا لشخصيات مالية مرتبطة بحماس في بيانات المنظمة الحديثة، قبل أن تتبعها عمليتان إضافيتان خلال أكتوبر.

وجاء هذا التحول بالتزامن مع حملة استهداف للقيادات العسكرية والأمنية للحركة؛ إذ أفاد التحليل بأن قوات الاحتلال الإسرائيلية استهدفت أكثر من 20 شخصية قيادية بارزة خلال سبتمبر، بينها مسؤولون في جهاز الأمن الداخلي وقيادات من كتيبة جباليا ولواء الشمال والقوة البحرية ووحدات النخبة.

وفي أكتوبر، سجلت المنظمة مقتل ما لا يقل عن 11 قائدًا من الحركة، شملت مواقعهم قيادات ميدانية ومسؤولين في وحدات النخبة وإنتاج الأسلحة.

ويشير هذا التزامن، بحسب الباحثة، إلى أن العمليات لا تستهدف تقليص القوة القتالية للحركة وحدها، وإنما قد تسعى إلى تعطيل قدرتها على إدارة شؤونها وإعادة بناء مؤسساتها.

لماذا يستهدف الاحتلال المال إلى جانب السلاح؟

توضح «ACLED» أن قدرة حماس على الاستمرار لا ترتبط بامتلاك الأسلحة والمقاتلين فحسب، بل تعتمد كذلك على شبكات مالية تسمح لها بدفع المستحقات، وشراء المعدات، وتمويل الأنشطة التنظيمية والإدارية.

وبحسب التحليل، تعتمد الحركة على قنوات متعددة تشمل تحويل الأموال، والعوائد المرتبطة بالسلع الداخلة إلى غزة، والتمويل الوارد من خارج القطاع.

ومن هذا المنطلق، فإن استهداف الأشخاص المسؤولين عن إدارة هذه القنوات قد يعرقل نقل الأموال أو الوصول إليها، ويزيد صعوبة دفع مستحقات العناصر والحصول على المعدات والمحافظة على الهياكل التنظيمية.

وترى الباحثة أن الجمع بين ضرب القيادات العسكرية والشبكات المالية قد يعكس استراتيجية تستند إلى معلومات استخباراتية، هدفها إضعاف قدرة حماس على العمل والحوكمة، حتى لو لم تفقد السيطرة الميدانية بصورة كاملة.

وتمثل هذه القراءة تفسيرًا تحليليًا للعمليات المسجلة، وليست إعلانًا إسرائيليًا موثقًا عن استراتيجية جديدة محددة بهذا الوصف.

هل يستطيع الاحتلال تفكيك شبكات تمويل حماس؟

رغم تكثيف الضربات، لا تتوقع «ACLED» بالضرورة أن تؤدي هذه العمليات إلى انهيار طويل الأمد في مصادر تمويل الحركة.

وتوضح الباحثة أن شبكات الصرافة والتحويل غير الرسمية تتمتع بمرونة كبيرة، ويمكن إعادة تشكيلها بعد فقدان أفراد أو توقف قنوات مالية معينة.

كما أن الحركة سبق أن فقدت قيادات بارزة خلال الحرب، لكنها احتفظت بقدرات تنظيمية بدرجات متفاوتة.

ومع ذلك، تشير المنظمة إلى أن الجمع بين استهداف المسؤولين العسكريين والماليين بهذه الوتيرة يمثل وضعًا مختلفًا، لا تزال نتائجه غير محسومة.

فالسؤال، وفق التحليل، لم يعد مقتصرًا على قدرة حماس على تعويض قائد عسكري أو مسؤول مالي، بل بات يتعلق بقدرتها على إعادة بناء الهيكلين العسكري والمالي في الوقت نفسه، تحت ضغط العمليات الإسرائيلية المستمرة.

حرب تستهدف القدرة على الاستمرار

يكشف التحليل عن اتساع نطاق الأهداف الإسرائيلية في غزة من ضرب القدرات العسكرية المباشرة إلى استهداف الموارد التي تسمح للحركة بالاستمرار وإعادة تنظيم صفوفها.

وإذا كانت عمليات اغتيال القادة تهدف إلى إرباك القيادة والسيطرة، فإن استهداف الشبكات المالية قد يضيف ضغطًا على قدرة الحركة على دفع المستحقات وشراء المعدات وتشغيل مؤسساتها.

لكن نجاح هذه المقاربة يظل غير مؤكد، خصوصًا في ظل قدرة شبكات التمويل غير الرسمية على التكيف، وصعوبة قياس حجم الأموال التي فقدت الحركة إمكانية الوصول إليها نتيجة الضربات.

وبذلك، فإن التطور الذي ترصده «ACLED» لا يثبت انتقال كيان الاحتلال من الحرب العسكرية إلى الحرب المالية بصورة كاملة، وإنما يشير إلى الجمع بينهما في محاولة لإضعاف حماس تنظيميًا وماليًا، وهي استراتيجية لا تزال فعاليتها على المدى الطويل موضع اختبار.

المصدر: منظمة ACLED، تحليل الباحثة لين عبد ربه، 28 أكتوبر 2026.