من دماج وعمران إلى صنعاء وتعز، ومن الشعارات السياسية إلى دعوى الاصطفاء السلالي، يعيد صانع المحتوى اليمني فداء الدين يحيى فتح ملف جماعة الحوثيين، في حلقة مرئية بعنوان “أتاكُم أهلُ اليمن”، يضع فيها مواقف الجماعة المعلنة من فلسطين في مواجهة تاريخها داخل اليمن، مستندًا إلى وقائع الصراع والنصوص القرآنية والمواقف النبوية، وموجهًا رسالته الأخيرة إلى اليمنيين الذين انخدعوا بخطابها، داعيًا إياهم إلى إعادة النظر في حقيقة المشروع الذي يقاتلون في صفوفه.

لم تكن حلقة «أتاكُم أهلُ اليمن»، التي نشرها فداء الدين يحيى على حسابه بمنصة “إكس” في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، مجرد تعليق سياسي على جماعة الحوثيين، وإنما محاولة لإعادة ترتيب الموازين التي يُحكم بها على الجماعات والمواقف والأشخاص، وخصوصًا بعد أن اكتسبت الجماعة حضورًا واسعًا في الخطاب العربي والإسلامي بفعل عملياتها المعلنة تحت عنوان نصرة قطاع غزة ومواجهة “إسرائيل”.

وعلى امتداد أكثر من سبع عشرة دقيقة، ينتقل يحيى من مثال أخلاقي بسيط إلى تاريخ طويل من المواجهات في اليمن، ثم إلى الجذور الفكرية والعقائدية لمشروع الحوثيين، وصولًا إلى السؤال الذي يحكم الحلقة كلها: هل تكفي نصرة قضية عادلة لتبرئة جماعة من مظالمها في قضية أخرى؟ وهل يجوز أن تتحول الشعارات الكبرى إلى ستار يحجب الدماء والحقوق والانتهاكات؟

هذه هي القضية المركزية التي يحاول المقطع إعادتها إلى أصلها: أن الحق لا يتجزأ بحسب هوية من يرفعه، وأن العدل لا يسقط حين يكون المظلوم مخالفًا أو الخصم صاحب موقف يُمدح عليه.

الحسنة التي لا تمحو الجريمة.. كيف تختل الموازين؟

يبدأ فداء الدين بمشهد التقطته كاميرا مراقبة في أحد المساجد؛ شاب يدخل فيتصدق على امرأة محتاجة، ثم يغادر بعد قليل وقد سرق دراجة نارية من محيط المسجد.

مشهد واحد، وفعلان متناقضان، وحكمان مختلفان على صاحبهما؛ فالمرأة التي وصلتها الصدقة قد تدعو له بالخير، بينما صاحب الدراجة المسروقة يدعو عليه لما وقع عليه من ظلم. وليس في إحسان الرجل إلى الأولى ما يرفع عنه مسؤولية اعتدائه على الثاني.

من هذا المشهد يستخرج يحيى القاعدة التي يبني عليها نقده السياسي: أن الإنسان أو الجماعة قد يصيبان في موقف ويخطئان في آخر، وأن تقدير الصواب لا ينبغي أن يتحول إلى تبرير للباطل.

ويسقط هذا المبدأ على موقف الحوثيين من غزة. فمناصرة الفلسطينيين في مواجهة العدوان، ورفض ما يتعرضون له من قتل وتشريد، موقف مشروع في ذاته، ولا ينبغي إنكاره لمجرد صدوره عن جماعة نختلف معها. لكن هذا الموقف لا يمنح الحوثيين، بحسب طرحه، حصانة من المحاسبة على ما يُنسب إليهم من انتهاكات بحق اليمنيين.

فكيف تُقبل نصرة المظلوم في فلسطين ثم يُغض الطرف عن مظلوم في تعز أو عمران أو دماج؟ وكيف تتحول قضية غزة، بما لها من منزلة في وجدان المسلمين، إلى معيار وحيد للحكم على مشروع سياسي وعسكري يمتد تاريخه إلى ما قبل الحرب الأخيرة بسنوات طويلة؟

ويستحضر المقطع هنا ميزانًا من السيرة النبوية، يتمثل في موقف أبي طالب، عم النبي ﷺ، الذي آزر ابن أخيه وحماه وبذل من أجله ما استطاع، ومع ذلك لم تجعل نصرته للدعوة منه مؤمنًا، ولم تسقط النصوص الشرعية الفارق بين ما قدمه من معروف وبين حقيقة معتقده.

قال تعالى:

﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: 113].

ووجه الاستدلال هنا ليس إسقاط الحكم العقدي على الأشخاص أو الجماعات المعاصرة، بل بيان أصل التمييز بين المعروف الذي يُعترف به، والمخالفة التي لا يُسوّغها ذلك المعروف.

فليس من العدل أن يُنكر على الحوثيين موقف صحيح لمجرد العداوة، كما ليس من العدل أن تُغفر لهم المظالم بسبب موقف صحيح. وقد عرف التاريخ أطرافًا من أديان واتجاهات مختلفة وقفت مع قضايا عادلة، دون أن يعني ذلك التسليم بصحة جميع مواقفها أو تبرير ما ارتكبته من أخطاء.

ومن هنا تتشكل الرسالة الأولى للمقطع: قد تقف مع إنسان في الحق، لكن ذلك لا يلزمك أن تقف معه في الباطل، ولا أن تمنحه حق الاعتداء على الآخرين.

من صعدة إلى دماج.. البداية التي سبقت شعارات غزة

لإثبات أن اعتراضه ليس وليد الموقف الحوثي من فلسطين، يعود فداء الدين إلى السنوات التي سبقت اجتياح صنعاء، حين كانت الجماعة تتوسع عسكريًا من معاقلها في محافظة صعدة.

فبعد حروب صعدة الست بين عامي 2004 و2010، وما شهدته البلاد من اضطراب سياسي خلال انتفاضة عام 2011، توسع نفوذ الحوثيين داخل المحافظة، وسيطروا على مرافق ومؤسسات محلية، لتبدأ مرحلة جديدة من الصراع مع القوى الدينية والقبلية المناوئة لهم.

وكانت منطقة دماج، التي تضم دار الحديث المعروف باستقباله طلابًا من اليمن وخارجه، من أبرز المحطات في هذا المسار.

ويركز المقطع على الحصار الذي تعرضت له دماج بين عامي 2011 و2014، متناولًا ما يصفه بمنع الغذاء والدواء، واستخدام الأسلحة الثقيلة، واستهداف مركز علمي كان يضم طلابًا من جنسيات متعددة.

ويشير يحيى إلى أن الجماعة قدمت تبريرات دينية وسياسية لعملياتها، من بينها اتهام المركز بأنه موضع لتجمع خصومها ومن تصفهم بالمنافقين، قبل أن تنتهي المواجهات باتفاق أفضى إلى خروج آلاف السكان والطلاب في يناير/كانون الثاني 2014.

وقد وثقت منظمة العفو الدولية في تقريرها السنوي عن عام 2014 وقوع عشرات القتلى ومئات المصابين في المواجهات بين الحوثيين وخصومهم في دماج، وتهجير آلاف الأشخاص قسرًا من المنطقة عقب وقف إطلاق النار.

وتحدثت تقارير محلية عن تهجير نحو 16 ألف شخص، وهو الرقم الذي يورده الطرح المتداول عن أحداث دماج، بينما تحدثت تقارير أخرى عن نزوح أكثر من 1600 أسرة، مما يستدعي التمييز بين التقديرات المختلفة لعدد المهجرين.

غير أن اختلاف الأرقام لا يلغي الواقعة الأساسية: فقد انتهت تلك المرحلة بخروج جماعي واسع من المنطقة إثر نزاع مسلح، وسط اتهامات للحوثيين بعرقلة تنفيذ اتفاقات التهدئة.

وكانت دماج، في قراءة فداء الدين، أكثر من معركة محلية؛ إذ مثلت بداية نمط من التعامل مع المخالفين، يجمع بين اتهامهم دينيًا أو سياسيًا، ثم استخدام القوة ضدهم، وانتهاءً بإخضاع المنطقة أو إخراج القوى المناوئة منها.

ومن هنا يطرح سؤالًا ضمنيًا: أين كانت الشعارات المتعلقة بتحرير فلسطين عندما كانت هذه المعارك تدور في شمال اليمن، وكان سكان المناطق المتنازع عليها يدفعون ثمنها؟

عمران والقشيبي.. حين تقدمت القوة على التعهدات

لم تتوقف الجماعة عند صعدة. فقد امتدت المواجهات إلى محافظة عمران، التي كانت تمثل إحدى أهم البوابات الشمالية للعاصمة صنعاء.

وبحسب السرد الذي يقدمه المقطع، رافق هذا التوسع خطاب سياسي يرفع شعارات محاربة الفساد وإقصاء القوى المتنفذة، مع تقديم التحركات العسكرية بوصفها مواجهة محدودة ضد خصوم بعينهم، لا مشروعًا للاستيلاء على الدولة.

لكن الأحداث الميدانية اتخذت مسارًا آخر.

فقد اشتدت المواجهات بين الحوثيين وقوات اللواء 310 مدرع، الذي كان يقوده العميد الركن حميد القشيبي، إلى أن سقطت مدينة عمران في يوليو/تموز 2014، وقُتل قائد اللواء في ظروف أثارت جدلًا واسعًا.

ويستعيد فداء الدين قضية القشيبي باعتبارها شاهدًا على ما يصفه بالغدر والتنصل من العهود، ويطرح رواية تفيد بأنه وقع في قبضة الحوثيين ثم قُتل مع عدد من مرافقيه. أما الثابت في التقارير الإخبارية المعاصرة للأحداث فهو مقتل القشيبي خلال سقوط عمران، بينما تحتاج تفاصيل أسره وطريقة مقتله ومصير مرافقيه إلى تحقيق مستقل لحسم الروايات المختلفة.

ولم تكن مأساة عمران محصورة في سقوط المعسكرات ومقتل القادة؛ فقد شهدت المحافظة أيضًا عمليات استهداف وتفجير لمقار تعليمية ودينية ومنازل خصوم الجماعة.

ومن الوقائع التي يستحضرها المقطع تفجير دار أبي بكر الصديق لتعليم وتحفيظ القرآن الكريم في منطقة الخَدَرة، وهي حادثة نشرتها وسائل إعلام يمنية في مايو/أيار 2014، وتداولت مشاهد تُظهر تفجير المبنى.

كما تحدثت تقارير في يوليو/تموز من العام نفسه عن تفجير دار النور لتحفيظ القرآن في منطقة الجنات بعمران، إلى جانب منشآت أخرى.

وهنا يلفت المقطع الانتباه إلى التناقض الذي يراه بين الادعاء بحماية الدين وبين استهداف دور تعليمه، وبين خطاب الإصلاح المعلن واستخدام القوة في تصفية الخصومات.

صنعاء.. من إسقاط الجرعة إلى السيطرة على الدولة

بعد عمران، اتجه التوسع العسكري نحو العاصمة صنعاء، مرورًا بمناطق همدان وأرحب وبني مطر وغيرها من المناطق المحيطة بها.

في تلك المرحلة، تصدرت المشهد شعارات إسقاط الزيادة في أسعار الوقود، التي عُرفت شعبيًا باسم “الجرعة”، وتغيير الحكومة، ومحاربة الفساد والقوى السياسية التي حملها الحوثيون مسؤولية إخفاقات المرحلة الانتقالية، وفي مقدمتها حزب التجمع اليمني للإصلاح.

ويشير فداء الدين إلى أن الجماعة كانت تنفي وجود مشروع لاحتلال العاصمة أو الاستحواذ على السلطة، وتقدم مطالبها باعتبارها مطالب إصلاحية محددة، مع تعهدات بعدم التحول إلى طرف مهيمن في التشكيلات الحكومية.

لكن يوم 21 سبتمبر/أيلول 2014 مثّل منعطفًا حاسمًا، عندما دخل الحوثيون صنعاء وسيطروا على مواقع عسكرية ومؤسسات رئيسية، بالتزامن مع توقيع اتفاق السلم والشراكة الوطنية برعاية الأمم المتحدة.

ولم يؤد الاتفاق إلى استعادة الدولة سيطرتها الكاملة على مؤسساتها، بل استمر النفوذ العسكري للجماعة في التوسع، قبل أن تتفاقم الأزمة في يناير/كانون الثاني 2015 مع السيطرة على القصر الرئاسي وفرض الإقامة الجبرية على الرئيس عبد ربه منصور هادي، وصولًا إلى انهيار الترتيبات السياسية التي قامت عليها المرحلة الانتقالية.

وقد أكدت الأمم المتحدة في عرضها لتاريخ الأزمة اليمنية أن الحوثيين ووحدات متحالفة معهم من القوات المسلحة استولوا على صنعاء ومناطق أخرى في سبتمبر/أيلول 2014 والأشهر التالية.

وبالنسبة إلى فداء الدين، فإن الدلالة ليست في سقوط مدينة فحسب، بل في المسافة بين المطالب المعلنة والنتائج الفعلية؛ فمن الحديث عن إصلاح الحكومة إلى السيطرة على مقار الدولة، ومن التحرك ضد حزب سياسي إلى إخضاع مؤسسات سيادية كاملة.

وهكذا يقدم المقطع اجتياح صنعاء بوصفه حلقة مركزية في مسار متدرج، كانت تتغير فيه المبررات بينما يتسع نطاق السيطرة العسكرية.

تعز وعدن ورداع.. تتبدل التهم ويبقى التوسع

بعد صنعاء، امتدت المواجهات إلى مناطق أخرى من اليمن، من بينها رداع وتعز وعدن، وتعددت معها الشعارات التي استخدمتها الجماعة لتفسير حروبها وتعبئة أنصارها.

ويلفت فداء الدين إلى أن الخصوم ظلوا يتغيرون في الخطاب الحوثي تبعًا للمرحلة السياسية والعسكرية.

فمع التدخل العسكري للتحالف بقيادة السعودية في مارس/آذار 2015، برز خطاب الدفاع عن اليمن في مواجهة التدخل الخارجي، واشتد وصف الخصوم المحليين بأنهم “مرتزقة” و”عملاء”.

ومع اتساع الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية وتصاعد الحديث عن الجماعات المتشددة، استخدمت الجماعة كذلك مفردات مكافحة الإرهاب والتكفير، واتهمت خصومًا بأنهم “دواعش” أو “تكفيريون”.

ثم جاءت الحرب على غزة بعد أكتوبر/تشرين الأول 2023، وبرز في خطاب الجماعة شعار “طوفان الأقصى” ومواجهة “إسرائيل”، مصحوبًا باتهامات لبعض المعارضين بأنهم “صهاينة” أو “متصهينون”.

والملاحظة التي يركز عليها يحيى ليست أن كل هذه الملفات مختلقة أو أن الأخطار الخارجية غير موجودة، بل أن استدعاءها في الصراع الداخلي قد يتحول إلى وسيلة لنزع الشرعية عن المخالف، ووضعه في موضع الخيانة أو العمالة أو معاداة الدين.

فإذا اعترض مواطن على ظلم وقع عليه، أو رفض موقفًا سياسيًا للجماعة، لم يعد الخلاف معه محصورًا في موضوع الاعتراض، بل قد يُحمّل توصيفًا أشد خطرًا يجعله في صف الأعداء.

وفي هذا السياق يعود المقطع إلى مأساة تعز، المدينة التي بقيت أجزاء واسعة من طرقها ومداخلها خاضعة للقيود والحصار منذ عام 2015، رغم تغير المراحل العسكرية وتعدد المبادرات السياسية والإنسانية.

وقد استمرت الاتهامات للحوثيين بتقييد حركة المدنيين وإعاقة وصول الإمدادات الأساسية إلى المدينة، وهي وقائع تناولتها منظمات حقوقية دولية، منها هيومن رايتس ووتش، التي حذرت في أكتوبر/تشرين الأول 2026 من آثار الهجمات والقيود المفروضة على الطرق المؤدية إلى تعز.

وفي قراءة المقطع، تمثل تعز صورة مكثفة للمفارقة التي يريد كشفها: مدينة يمنية تعاني الحصار والقتال، بينما تُرفع في الوقت ذاته شعارات الوقوف إلى جانب المحاصرين والمظلومين في فلسطين.

صالح حنتوس.. حين تصل الاتهامات إلى معلم القرآن

من أكثر المحطات تأثيرًا في الحلقة استعادة مقتل الشيخ صالح أحمد حنتوس، معلم القرآن الكريم السبعيني في محافظة ريمة، في الأول من يوليو/تموز 2025.

كان حنتوس قد أمضى عقودًا في تعليم القرآن، وأصبح اسمه موضع اهتمام واسع بعد مقتله خلال عملية أمنية نفذتها قوات تابعة لجماعة الحوثيين في مديرية السلفية.

ويستحضر فداء الدين الواقعة باعتبارها مثالًا حديثًا على ما يحذر منه: تحويل الاختلاف مع الجماعة، أو الاعتراض على سياساتها، إلى اتهامات دينية وسياسية خطيرة.

فقد اتهمت السلطات التابعة للحوثيين الشيخ بممارسة أنشطة تحريضية وتلقي تمويل خارجي ورفض المواقف الرسمية الداعمة لفلسطين. وقالت شرطة محافظة ريمة إن الحملة الأمنية تعرضت لإطلاق نار، مما أدى إلى مقتل وإصابة عناصر من القوة، وإنها ردت على مصدر النيران.

في المقابل، نفت مصادر عائلية الرواية الرسمية، وقالت إن الشيخ تعرض للحصار والقصف داخل منزله، وإنه قاوم بعد استهدافه، قبل أن يُقتل ويُصاب أفراد من أسرته.

وتناقلت وسائل الإعلام تسجيلات صوتية منسوبة إليه تحدث فيها عن تعرضه للمضايقات، كما استعاد المقطع عبارة منسوبة إلى كلماته الأخيرة يخاطب فيها أحد المشاركين في الحملة، محذرًا من الظلم ومتوعدًا بالخصومة بين يدي الله يوم القيامة.

وقد أثارت الحادثة غضبًا واسعًا ومطالبات بالتحقيق والمحاسبة، خصوصًا مع ما أوردته أسرته ومنظمات حقوقية عن إصابة زوجته واعتقال عدد من أقاربه.

ولا تتوقف دلالة هذه الواقعة في خطاب فداء الدين عند مصير رجل واحد، بل تتصل بالسؤال الذي طرحه منذ البداية: كيف يمكن لموقف سياسي يتعلق بغزة أن يصبح معيارًا للاتهام والولاء، بحيث يُنظر إلى معلم قرآن يمني باعتباره خصمًا يستحق الملاحقة بسبب اختلافه مع سلطة الأمر الواقع؟

ومن هنا تبدو قضية حنتوس، في المقطع، امتدادًا تاريخيًا لقضايا دور القرآن ودماج وعمران وتعز، لا واقعة منفصلة عنها.

من الميدان إلى العقيدة.. من أين يستمد المشروع الحوثي شرعيته؟

لا يكتفي فداء الدين بسرد المعارك والانتهاكات، بل ينتقل إلى ما يعتبره الأصل الفكري الذي يمنح هذا المسار السياسي والعسكري تبريره.

وهو يركز هنا على أدبيات حسين بدر الدين الحوثي، مؤسس الحركة الذي قُتل عام 2004، وما يُعرف بالملازم، وهي دروس ومحاضرات دينية وسياسية جُمعت وتداولها أتباعه.

ويطرح المقطع أن المشكلة لا تتعلق بمجرد نزاع على الحكم أو اختلاف مذهبي، وإنما بفكرة تجعل لفئة من الناس حقًا خاصًا في الهداية والقيادة والولاية استنادًا إلى الانتساب إلى آل بيت النبي ﷺ، ثم تُبنى على ذلك تصورات تحدد من يحق له قيادة الأمة وتفسير الوحي.

الاصطفاء السلالي واحتكار الهداية

بحسب ما يعرضه المقطع من فكر حسين الحوثي، تحتل مفاهيم “آل محمد” و”أعلام الهدى” و”العترة” موقعًا مركزيًا في تحديد المرجعية الدينية، وتُطرح باعتبارها الجهة التي تقترن بالقرآن وتقود الأمة إلى الهداية والعدل.

وينتقد فداء الدين هذا التصور من جهة ما يراه تحويلًا للنسب إلى مصدر امتياز ديني وسياسي، وجعل الناس في مرتبة التابعين الذين يحتاجون إلى سلالة مخصوصة لفهم الدين أو بلوغ الهداية.

ويمضي في نقده إلى أن هذا المنطق ينتج تقسيمًا اجتماعيًا بين من يتصور أنه صاحب حق أصيل في السيادة والقيادة، ومن يُطلب منه الانقياد والطاعة.

ولذلك يستحضر قول إبليس: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ [الأعراف: 12]، لا باعتباره مساواة بين جميع المواقف في أحكامها، وإنما للتحذير من أصل الاستعلاء على الآخرين بسبب المنشأ أو النسب.

إبراهيم عليه السلام.. الإمامة لا تنال الظالم

يبدأ الرد القرآني من قصة إبراهيم عليه السلام، حين قال الله له:

﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 124].

فالآية تقرر أن الانتساب إلى نبي عظيم لا يمنح الظالم عهد الإمامة، وأن النسب لا يكون مانعًا من سقوط الاستحقاق عند تحقق الظلم.

ويستند المقطع إلى هذا المعنى في رفض أي تصور يجعل الانتماء العائلي وحده دليلًا على الحق أو موجبًا للطاعة المطلقة.

نوح عليه السلام.. القرابة لا تُغني عن العمل

ثم ينتقل إلى مشهد آخر من القرآن؛ مشهد نوح عليه السلام عندما نادى ربه في شأن ابنه، فجاءه الجواب:

﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: 46].

فالانتساب إلى نبي لم يرفع عن الابن تبعة عمله، ولم يجعل القرابة بديلًا عن الإيمان والاستقامة.

وهكذا يريد فداء الدين أن يعيد معيار الحكم من الانتماء الوراثي إلى حقيقة العمل والاعتقاد والتقوى، وأن يبين أن شرف النسب لا يمنح أحدًا عصمة من الخطأ أو حصانة من الظلم.

القرآن خطاب للأمة لا امتيازًا لسلالة

ويواصل المقطع الاستدلال بعمومية الخطاب القرآني:

﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف: 3].

وقوله تعالى:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: 7].

فالأمر باتباع الوحي موجه إلى الناس، والرجوع عند الجهل يكون إلى أهل العلم، لا إلى امتياز وراثي يُفترض معه أن صاحبه لا يُسأل عن الدليل ولا يُراجع في القول والعمل.

وبهذا يصل النقد إلى جوهر القضية: أن مرجعية الدين تقوم على الوحي والعلم والحجة، وأن منزلة الأشخاص والأنساب تُحترم بقدرها الشرعي، دون تحويلها إلى سلطة فوق النقد والمحاسبة.

علماء الأمة والصحابة.. الصدام مع مصادر التلقي الإسلامي

ينتقل المقطع بعد ذلك إلى موقف حسين الحوثي من علماء المسلمين والصحابة، ويرى فيه امتدادًا لفكرة حصر المرجعية الدينية.

علماء الحديث والفقه واتهام “الأعاجم”

يتناول فداء الدين نصوصًا ينسبها إلى ملازم حسين الحوثي، تتضمن انتقادًا للعلماء غير العرب الذين حملوا علوم الحديث والفقه والتفسير وأسهموا في حفظ التراث الإسلامي.

وفي هذا السياق، يعترض على تحويل الأصل العرقي إلى مدخل للطعن في أهل العلم، أو تصوير مساهمة العلماء غير العرب في نقل السنة وفهمها باعتبارها موضع ريبة.

ويستحضر قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].

كما يستشهد بالحديث المروي عن النبي ﷺ في نفي التفاضل بين العربي والأعجمي إلا بالتقوى.

فالعلوم الإسلامية لم تكن يومًا وقفًا على قومية واحدة، وقد برز في حفظ السنة والفقه والتفسير علماء من أصول وأقاليم متعددة، دون أن ينقص ذلك من مكانتهم أو من قيمة ما نقلوه وحققوه.

وبالنسبة إلى المقطع، فإن الانتقاص من هؤلاء بسبب أصولهم يتعارض مع المعيار القرآني الذي يجعل التفاضل بالتقوى، ومع الطبيعة العالمية للرسالة الإسلامية.

أبو بكر وعمر.. حين تصبح صحبتهما موضع اتهام

ثم يأتي الملف الذي يمنحه فداء الدين مساحة بارزة: موقف حسين الحوثي من أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما.

فبحسب النقول التي يستعرضها عن أدبيات مؤسس الجماعة، يرد كلام يجعل موالاة أبي بكر وعمر مانعًا من الهداية والانتماء إلى «حزب الله»، كما تُنسب إلى حسين الحوثي عبارات تحمل عمر بن الخطاب المسؤولية الأولى عن سلسلة طويلة من المصائب والانحطاط الذي أصاب الأمة الإسلامية.

وهي دعاوى يرفضها المقطع، ويواجهها بالنصوص القرآنية التي أثنت على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.

قال تعالى:

﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: 100].

ويستحضر كذلك ما ورد في سورة التوبة عن النبي ﷺ وصاحبه في الغار:

﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40].

فأبو بكر هو صاحب رسول الله ﷺ في الهجرة، ومن السابقين إلى الإسلام، وعمر من كبار الصحابة والخلفاء الراشدين. وتقوم حجة المقطع على أن الطعن في منزلتهم، وربط الهداية بالتبرؤ منهم، يثير سؤالًا جوهريًا عن طبيعة المرجعية الدينية التي يُطلب من أتباع الجماعة الالتزام بها.

ومن هذه الزاوية، لا يرى فداء الدين الخلاف مجرد تنازع سياسي على إدارة الدولة، بل يعتبر أن وراءه منظومة من الأفكار تتعلق بالإمامة والولاية وتفسير التاريخ الإسلامي، وأن فهم هذه الأفكار ضروري لفهم سلوك الجماعة في الحاضر.

ومع ذلك، فإن التمييز بين النصوص الأصلية المنسوبة إلى حسين الحوثي وبين استنتاجات منتقديه يظل ضروريًا عند دراسة هذه المسألة، ولا سيما عند تعميم الأحكام على جميع أتباع الجماعة، الذين قد تختلف مستويات معرفتهم بتلك الأدبيات ومواقفهم منها.

إلى المقاتلين المخدوعين.. لا أحد يحمل عنكم مسؤولية الدماء

بعد هذا الاستعراض التاريخي والعقائدي، يوجه فداء الدين خطابه إلى الذين انخرطوا في صفوف الحوثيين، وخصوصًا من دفعتهم الحماسة الدينية أو الشعارات الكبرى إلى المشاركة في القتال دون معرفة كافية بتاريخ الجماعة وأفكارها.

وهو لا يتعامل مع جميع المنخرطين في صفوفها باعتبارهم على درجة واحدة من العلم والمسؤولية، بل يفتح في خطابه بابًا لمن انخدع أو غابت عنه حقائق، داعيًا إياه إلى مراجعة موقفه وعدم الاستمرار في فعل يعتقد أنه نصرة للدين بينما قد يكون فيه اعتداء على حقوق الآخرين.

وتقوم هذه الرسالة على أصل المسؤولية الفردية؛ فلا تنفع طاعة قائد إذا كانت طاعة في معصية، ولا يعفي الانتماء إلى جماعة صاحبَه من النظر في مشروعية ما يُطلب منه فعله.

ويستشهد المقطع بقوله تعالى:

﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا ۝ وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: 66-67].

فالآيتان تحذران من اتباع القادة في الباطل، وتؤكدان أن الندم على الطاعة العمياء لا يرفع عن الإنسان مسؤوليته.

وهنا تتجاوز رسالة فداء الدين مجرد نقد القيادة الحوثية إلى مخاطبة من ينفذون أوامرها في الميدان، ممن قد يظنون أن الشعارات المتعلقة بفلسطين أو محاربة الفساد أو الدفاع عن الوطن تبرر كل ما يُطلب منهم.

وتبقى القضية الأخلاقية التي يطرحها واحدة: لا يجوز أن يتحول الإخلاص لقضية عادلة إلى استعداد لإراقة دم بريء أو الاعتداء على مال أو بيت أو حق.

الحكومة الشرعية ليست خارج المحاسبة

ومن النقاط المهمة في الحلقة أن فداء الدين لا يجعل نقد الحوثيين مرادفًا لتزكية خصومهم السياسيين والعسكريين.

فهو ينتقد صراحة الفساد وسوء الإدارة داخل الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، ويتحدث عن الإهمال الذي تعرض له مقاتلون في الجبهات، وعن التراجع في رعاية من يدافعون عن مناطقهم، وما يترتب على ذلك من معاناة للمواطنين والمقاتلين وأسرهم.

وفي مقدمة الأمثلة التي يستحضرها تعز، حيث يرى أن كثيرًا من المدافعين عن المدينة تحملوا أعباءً جسيمة في ظروف قاسية، بينما قصرت الجهات المسؤولة عن أداء واجباتها تجاههم.

ويستدعي في وصف هذا الثبات صورة أهل غزة الذين يواجهون الحصار والقصف، لا باعتبار المعركتين متماثلتين في جميع تفاصيلهما، وإنما للإشارة إلى ما يجمعهما من معاناة المدنيين وثقل التضحية والصمود أمام اختلال موازين القوة.

وبذلك يؤكد المقطع أن رفض ممارسات الحوثيين لا يستلزم تبرير فساد الحكومة أو التغاضي عن أخطائها، كما أن انتقاد الحكومة لا يجعل المشروع الحوثي بديلًا مشروعًا لمجرد أنه يرفع شعارات قوية.

فالمعيار الذي بدأ به الحديث يجب أن يظل حاضرًا عند الحكم على الجميع: الإحسان يُعترف به، والخطأ يُنكر، والحقوق لا تسقط بالخصومة السياسية.

وهذا التفريق ضروري حتى لا تتحول المعركة مع جماعة إلى دفاع غير مشروط عن جماعة أخرى، أو يُستبدل الولاء السياسي بالميزان الأخلاقي والشرعي الذي يُفترض الاحتكام إليه.

«أتاكُم أهلُ اليمن».. الإيمان والحكمة والمدد الذي تحتاجه الأمة

لا تنتهي الحلقة عند كشف المظالم أو نقد الأفكار، بل تتجه إلى سؤال المستقبل: كيف يستعيد اليمنيون قدرتهم على الخروج من هذا الصراع، وما الذي يحتاجونه كي لا تتكرر المأساة تحت شعارات جديدة؟

في قراءة فداء الدين، لا يعاني اليمن من انعدام الصادقين أو ندرة أهل التضحية، بل من التفرق وغياب المشروع الجامع، ومن الارتهان لحسابات القوى السياسية والمال والنفوذ الخارجي، ومن تضارب الولاءات الذي أضعف القدرة على الاجتماع حول الحقوق العامة والمصلحة الوطنية.

ومن هنا يعود إلى وصف أهل اليمن في السنة النبوية، مستحضرًا قول النبي ﷺ:

“أتاكم أهلُ اليمن، هم أرقُّ أفئدةً وألينُ قلوبًا، الإيمانُ يمانٍ، والحكمةُ يمانيةٌ”.

فالإيمان الذي تحتاجه الأمة، في هذا السياق، ليس مجرد انتساب أو شعار، بل إيمان يحرر المرء من عبودية الأشخاص والأهواء والعصبيات، ويجعله قادرًا على نصرة الحق وإن خالف قائده أو جماعته أو أقرب الناس إليه.

والحكمة ليست الاكتفاء بحسن النية، بل البصيرة التي تميز بين الخطاب والعمل، وبين من يرفع راية الحق ومن يلتزم بمقتضياتها، وبين الانتصار العابر والمشروع الذي يحفظ الدين والناس والبلاد.

أما المدد الذي يرجوه لأهل اليمن، فهو أن يستعيدوا مكانتهم قوةً ناصرة للمظلومين، وأن تصبح طاقاتهم وقدراتهم في خدمة الأمة، لا في اقتتال يستنزفهم ويجعل بلادهم ساحة لتصفية الحسابات.

وبهذا يعود المقطع إلى عنوانه الأول: “أتاكم أهل اليمن”، لكن من باب استعادة المعنى الذي جاء به الوصف النبوي؛ إيمان وحكمة ورقة قلوب، لا تمجيد أشخاص أو تقديس أنساب أو طاعة تفضي إلى الظلم.

فاليمن الذي أخرج رجالًا عُرفوا بالإيمان والحكمة لا تنحصر هويته في جماعة مسلحة، ولا يُختزل تاريخه في سلطة أمر واقع، ولا يجوز أن تُحتكر باسمه قضية الأمة أو حق الدفاع عن فلسطين.

الخاتمة: نصرة فلسطين لا تقتضي الصمت عن اليمن

تكمن قوة رسالة «أتاكُم أهلُ اليمن» في أنها لا تطلب من الجمهور أن يتخلى عن نصرة غزة لكي ينصف اليمنيين، بل تدعوه إلى التحرر من هذا التعارض المصطنع أصلًا.

فليس بين إنصاف الفلسطيني المظلوم وإنصاف اليمني المظلوم خصومة. وليس مطلوبًا من المسلم أن يختار بين إدانة العدوان على غزة وإدانة الاعتداء على أهل تعز أو دماج أو عمران أو ريمة. وإنما المطلوب أن يقف مع الحق حيث كان، وألا تتبدل موازينه بتبدل الأسماء والشعارات.

ومن هذه القاعدة يقرأ فداء الدين تاريخ الحوثيين، منذ صعدة ودماج، مرورًا بمقتل القشيبي وسقوط عمران وصنعاء، وصولًا إلى الحصار والمعارك والانتهاكات اللاحقة، ثم يربط ذلك كله بما يراه أصولًا فكرية في أدبيات مؤسس الجماعة، تقوم على تقديم ولاية مخصوصة وفهم خاص للدين والتاريخ الإسلامي.

ولا يترك خطابه عند حدود الماضي، وإنما يوجه نداءه إلى الأفراد الذين انخدعوا بالشعارات، وإلى اليمنيين الذين أنهكتهم الحرب، وإلى كل من يريد الحكم على الجماعة من خلال موقفها من فلسطين وحده، داعيًا الجميع إلى مراجعة التاريخ والنصوص والوقائع قبل اتخاذ المواقف.

كما أن نقده للحكومة اليمنية وفسادها يضع رسالة أوسع أمام القارئ: أن محاسبة الحوثيين لا تعفي خصومهم من المحاسبة، وأن استعادة اليمن لا تكون بتبديل صورة الاستبداد أو الفساد، وإنما بإقامة العدل وحفظ الحقوق وجمع الكلمة على ما يصلح البلاد والعباد.

وفي نهاية المطاف، فإن المعيار الذي تسعى الحلقة إلى ترسيخه ليس مقدار ما يرفعه أي طرف من شعارات، بل مقدار ما يلتزمه من حق وعدل، وفي مقدمة ذلك حرمة الدماء والأموال والكرامة الإنسانية.

وهي رسالة تلتقي مع قول الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24].

فالحياة التي يدعو إليها الوحي لا تقوم على تقديس الزعماء ولا على استباحة حقوق الناس باسم القضايا الكبرى، وإنما على الإيمان والعدل والحكمة ومسؤولية الإنسان عن عمله.

ومن هنا تبرز الخلاصة التي أراد فداء الدين إبلاغها: أن نصرة غزة لا تمحو مظالم اليمن، وأن رفع راية الحق لا يغني عن الالتزام به، وأن الطريق إلى استعادة اليمن يبدأ باستعادة الميزان الذي لا يزن الناس بأنسابهم وشعاراتهم، بل بأعمالهم وعدلهم وتقواهم.


المصدر الأساسي: حلقة «أتاكُم أهلُ اليمن» لفداء الدين يحيى، المنشورة عبر حسابه على منصة إكس، بتاريخ 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026.