كشف تحقيق دولي جديد عن أنماط واسعة من العنف الجنسي المرتبط بالحرب في السودان، شملت الاغتصاب الجماعي والاستعباد الجنسي والاختطاف والاعتداء على المدنيين، وحدد خمس مناطق شهدت انتهاكات جسيمة، إلى جانب 25 قائدًا من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع والتشكيلات المسلحة المتحالفة معهما، يقول المحققون إن هناك أسبابًا معقولة للاعتقاد بمسؤوليتهم المباشرة أو غير المباشرة عن هذه الجرائم، وسط توثيق حالة تحريض صريح على الاغتصاب، وظهور قادة عسكريين في أكثر من منطقة شهدت انتهاكات مماثلة.

ونشر مركز مرونة المعلومات (CIR)، عبر مشروعه البحثي «شاهد السودان» (Sudan Witness)، التحقيق يوم الاثنين 26 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تحت عنوان «العنف الجنسي سلاحًا للحرب في السودان»، مستندًا إلى تحليل مقاطع مصورة وصور أقمار صناعية وشهادات وتقارير حقوقية وأممية، لتتبع انتشار الانتهاكات وتحديد القادة الذين كانوا يشرفون على القوات الموجودة في مناطق وقوعها.

ويمثل التحقيق محاولة منهجية لربط الجرائم الموثقة بهياكل القيادة العسكرية وتحركات القادة الميدانيين، بدل الاكتفاء بتسجيل شهادات الضحايا أو تحديد المواقع التي شهدت الانتهاكات.

ويؤكد المركز أن تحديد القادة الـ25 لا يعني إثبات ارتكاب كل واحد منهم جريمة اغتصاب بعينها أو إصدار أوامر بتنفيذها، وإنما يوفر أدلة ومؤشرات على المسؤولية المحتملة تتطلب تحقيقات قضائية إضافية.

خمس مناطق شهدت أنماطًا متكررة من الانتهاكات

حدد التحقيق خمس بؤر رئيسية للعنف الجنسي المرتبط بالنزاع منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023، وهي الفاشر ومخيم زمزم بولاية شمال دارفور، وولاية الجزيرة ومدينة ود مدني، وأجزاء من الخرطوم بحري.

في الفاشر، وثقت بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق في السودان حالات اغتصاب جماعي خلال هجوم قوات الدعم السريع على المدينة وسيطرتها عليها بين 26 و28 أكتوبر 2025، وفي الأسابيع التالية.

وحدد محققو المركز وجود نائب قائد قوات الدعم السريع، عبد الرحيم حمدان دقلو، في المنطقة خلال العملية، إلى جانب قائد قطاع شمال دارفور جدو حمدان أحمد، المعروف باسم «ابن شوك»، الذي كان يتمتع بسلطة قيادة مباشرة على القوات في المدينة.

وفي مخيم زمزم للنازحين، وثق مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان ما لا يقل عن 66 حادثة عنف جنسي طالت أكثر من 100 ضحية، خلال هجوم قوات الدعم السريع على المخيم في أبريل ومايو 2025 وما أعقبه.

وأثبت التحقيق وجود «ابن شوك» في منطقة المخيم خلال الهجوم، وهو القائد نفسه الذي ظهر لاحقًا في الفاشر، ما دفع الباحثين إلى تتبع ارتباط أنماط الانتهاكات بالعمليات العسكرية التي أشرف عليها قادة بعينهم.

أما في ولاية الجزيرة، فقد رصد التحقيق انتهاكات جنسية واعتداءات أخرى نُسبت إلى عناصر من الجيش السوداني وتشكيلات متحالفة معه، خلال عملية استعادة الولاية في يناير 2025.

وحدد المركز وجود اللواء عبد المنعم عبد الباسط محمد، قائد محور سنار، بوصفه أرفع قائد في الجيش السوداني تحقق الباحثون من وجوده بالمنطقة، إلى جانب أبو عاقلة محمد أحمد الوكيل، المعروف باسم «كيكل»، قائد قوات درع السودان المتحالفة مع الجيش.

كما تناول التحقيق اعتداءات استهدفت أفرادًا من مجتمعات «الكنابي»، وهي تجمعات سكانية عانت تاريخيًا التهميش، وتعرض بعض أفرادها لاتهامات بمساندة قوات الدعم السريع.

وفي ود مدني، وثقت منظمات حقوقية، بينها منظمة العفو الدولية وشبكة المبادرة الاستراتيجية لنساء القرن الإفريقي، أنماطًا من العنف الجنسي خلال سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة في ديسمبر 2023.

وأشار التحقيق إلى أن «كيكل» كان حينها قائدًا للفرقة الخامسة التابعة لقوات الدعم السريع، قبل انتقاله لاحقًا إلى صفوف القوات المتحالفة مع الجيش السوداني.

وفي الخرطوم بحري، جمع الباحثون تقارير عن اعتداءات جنسية وقعت بين مايو ويوليو 2023، بينها حوادث داخل منازل ومرافق صحية، وحددوا وجود اللواء إدريس حسن إبراهيم، قائد قطاع بحري بقوات الدعم السريع، بوصفه أرفع قائد تحققوا من وجوده في المنطقة خلال تلك الفترة.

توثيق تحريض صريح على الاغتصاب

من أخطر نتائج التحقيق توثيق تسجيل مصور منسوب إلى خادمة الله خشمين هريكة، المعروفة باسم «شيراز خالد»، وهي ضابطة برتبة رائد تتولى قيادة العنصر النسائي في قوات الدعم السريع.

وقال المركز إنه تحقق من تسجيل ظهرت فيه القائدة وهي تحرض مقاتلين على الاعتداء الجنسي على نساء في الولاية الشمالية، في خطاب ربط الاغتصاب بتغيير الأنساب والهوية.

واعتبر المحققون التسجيل مثالًا نادرًا على التحريض المباشر والموثق على العنف الجنسي، بخلاف الحالات الأخرى التي استند فيها تحديد المسؤولية المحتملة إلى مواقع القادة وسلطاتهم وتحركاتهم أثناء وقوع الانتهاكات.

ولم يتمكن المركز من تحديد مكان تصوير خطاب التحريض بصورة قاطعة، لكنه تحقق من وجود القائدة في الفاشر ومناطق مجاورة خلال الفترة التي شهدت هجمات قوات الدعم السريع في أكتوبر 2025.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة لأنها تتعلق بخطاب علني يدعو إلى العنف الجنسي، وليس فقط بشهادات عن جرائم يُشتبه في وقوعها داخل مناطق العمليات.

قادة ينتقلون بين مناطق الانتهاكات

كشف التحقيق عن ظهور قائدين على الأقل في أكثر من منطقة شهدت أنماطًا من العنف الجنسي.

فقد تحقق الباحثون من وجود «ابن شوك» في مخيم زمزم خلال الهجوم الذي شنته قوات الدعم السريع في أبريل 2025، ثم في الفاشر خلال الهجوم الذي انتهى بسيطرة القوات على المدينة في أكتوبر من العام نفسه.

أما «كيكل»، فقد ظهر في ود مدني خلال سيطرة قوات الدعم السريع عليها في ديسمبر 2023، ثم ظهر مجددًا في ولاية الجزيرة خلال استعادتها في يناير 2025، بعد انضمامه إلى المعسكر المتحالف مع الجيش.

ووفق المركز، فإن تتبع هذه التحركات يساعد في فهم استمرارية هياكل القيادة العسكرية والعلاقة المحتملة بين القادة والعمليات التي شهدت انتهاكات.

لكنه شدد على أن وجود قائد في موقع ارتُكبت فيه جريمة لا يكفي، بمفرده، لإثبات مسؤوليته الجنائية عنها.

الانتماء العرقي والاتهامات السياسية ضمن أنماط الاستهداف

لم يقتصر التحقيق على تحديد المواقع والأشخاص، بل كشف عن اقتران بعض الاعتداءات بخطابات الكراهية والإهانات العرقية وتجريد الضحايا من إنسانيتهم.

ففي دارفور، أشار المركز إلى توثيق استهداف أشخاص بسبب هويتهم العرقية أو انتمائهم المفترض إلى مجموعات مسلحة معارضة، خصوصًا من مجتمعات الزغاوة وغيرها من المجموعات غير العربية.

وفي الجزيرة، وثقت تقارير حقوقية اعتداءات استهدفت أفرادًا من مجتمعات الكنابي خلال العمليات التي قادها الجيش وحلفاؤه لاستعادة الولاية، وسط اتهامات لبعض السكان بالتعاون مع قوات الدعم السريع.

ويرى الباحثون أن اقتران العنف الجنسي بخطاب الكراهية قد يشير إلى استهداف يقوم على الهوية العرقية أو السياسية المتصورة، وليس بالضرورة على الصلات العسكرية الفعلية للضحايا.

وتُعد هذه النتائج مهمة لفهم الظروف التي تعرض المدنيين لخطر الاعتداء، لكنها لا تثبت وحدها أن جميع الحوادث ارتُكبت ضمن سياسة مركزية موحدة.

كيف كشف المحققون مواقع القادة وتحركاتهم؟

اعتمد مركز مرونة المعلومات على منهجية للتحقق من المصادر المفتوحة، شملت مقارنة الصور ومقاطع الفيديو المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي بالخرائط وصور الأقمار الصناعية والمعلومات الميدانية.

وقال المركز إن محللين مستقلين اثنين راجعا المواد المصورة للتأكد من أصالتها ومواقع تصويرها، وتاريخ تسجيلها متى أمكن.

كما استُخدمت صور الأقمار الصناعية والبيانات الحرارية للتحقق من مواقع الحرائق وتدمير المنازل والقرى، باعتبارها مؤشرات قد تتزامن مع ارتفاع مخاطر الانتهاكات ضد المدنيين.

ولم يعتمد الباحثون على المقاطع المصورة وحدها، بل قارنوها بتقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية وشهادات جمعتها مؤسسات سودانية شريكة.

وشملت الدراسة قادة وعناصر من سبعة تشكيلات عسكرية وأمنية، أبرزها الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، إضافة إلى قوات درع السودان، وحركة تمازج، وتشكيلات متحالفة مع الجيش، بينها كتيبة البراء بن مالك وعناصر من جهاز المخابرات العامة وقوات المهام الخاصة.

وأوضح المركز أن استخدام هذه الأدلة يساعد على تحديد المسؤولية المحتملة للقادة، لكنه لا يُغني عن شهادات الناجين والتحقيقات الجنائية اللازمة لإثبات المسؤولية الفردية.

بريطانيا تفرض عقوبات على 15 قائدًا من طرفَي الحرب

وتزامن نشر التحقيق، يوم 26 أكتوبر، مع إعلان الحكومة البريطانية فرض عقوبات على 15 قائدًا عسكريًا وأمنيًا من القوات المتحاربة والتشكيلات المتحالفة معها، للاشتباه في ارتباطهم بانتهاكات جسيمة، بينها العنف الجنسي ضد المدنيين.

وشملت العقوبات تجميد الأصول وحظر السفر، وطالت شخصيات مرتبطة بعمليات عسكرية في الفاشر، بينها حسين أبو جلك، أحد قادة قوات الدعم السريع، والنور أحمد آدم المعروف باسم «القبة».

وأكدت الحكومة البريطانية أن قراراتها جاءت في أعقاب نشر تحقيقات موّلتها وأجراها مركز مرونة المعلومات، كشفت أنماطًا من العنف الجنسي والتجويع المتعمد في الحرب السودانية.

كما أعلنت تخصيص 15 مليون جنيه إسترليني إضافية لدعم المتضررين والاستجابة الإنسانية، تشمل خدمات صحية ونفسية للناجين.

ويجب التمييز بين القادة الـ25 الذين تناولهم التحقيق والقادة الـ15 الذين فُرضت عليهم العقوبات؛ فهما قائمتان مختلفتان، كما أن العقوبات لا تمثل أحكامًا قضائية بالإدانة.

ولم تتلقَّ الجزيرة الإنجليزية ردًا من الجيش السوداني أو قوات الدعم السريع على طلبات التعليق على نتائج التحقيق، فيما سبق للطرفين نفي اتهامات بارتكاب عناصرهما أعمال عنف جنسي.

جرائم تتجاوز ما أمكن توثيقه

يحذر المركز من أن حجم العنف الجنسي الحقيقي في السودان قد يكون أكبر بكثير مما سجلته التقارير الحقوقية، بسبب خوف الناجين من الانتقام والوصمة الاجتماعية، وانعدام الأمن وصعوبة الوصول إلى المستشفيات وخدمات الحماية.

كما أن انهيار الخدمات الصحية والنزوح الواسع وانقطاع الاتصالات في مناطق القتال تجعل توثيق الجرائم والحصول على الشهادات أكثر صعوبة.

ولهذا يؤكد التحقيق أن النتائج التي توصل إليها لا تمثل حصرًا شاملًا لجميع الجرائم المرتكبة منذ أبريل 2023، بل محاولة لتجميع الأدلة المتاحة وربطها بتحركات القوات ومسؤوليات قياداتها.

وتكمن أهمية التحقيق في انتقاله من توثيق وقوع الانتهاكات إلى تتبع هياكل القيادة التي كانت تعمل في مواقعها، بما قد يساعد الجهات القضائية والحقوقية على تحديد الأشخاص الذين ينبغي التحقيق في مسؤولياتهم.

وبينما تواصل الحرب السودانية حصد أرواح المدنيين وتشريد الملايين، تبرز قضية العنف الجنسي باعتبارها واحدة من أشد الانتهاكات التي يواجهها السكان، ولا سيما مع صعوبة الإبلاغ عنها وتوفير الرعاية للناجين.

ويؤكد التحقيق أن مكافحة الإفلات من العقاب لا تقتصر على الكشف عن الجرائم، بل تتطلب أيضًا حفظ الأدلة وحماية الشهود والناجين، وإجراء تحقيقات مستقلة تحدد المسؤولية الجنائية على أساس الأفعال والأوامر والسلطة الفعلية على القوات.

فما كشفته الدراسة ليس مجرد خريطة لخمس مناطق شهدت انتهاكات، بل سجلًّا لتحركات قيادات عسكرية وعلاقاتها بالعمليات التي وقع خلالها العنف الجنسي، في خطوة قد تسهم في فتح مسارات جديدة للمساءلة عن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين السودانيين.

المصادر

مركز مرونة المعلومات – التحقيق الأصلي المنشور 26 أكتوبر 2026.

الدراسة الكاملة بصيغة PDF – 55 صفحة.

الحكومة البريطانية – إعلان العقوبات في 26 أكتوبر.

الجزيرة الإنجليزية – متابعة استقصائية لنتائج التحقيق، 30 أكتوبر