تتفاقم الأزمة الإنسانية في السودان مع استمرار الهجمات بالمسيّرات على الأسواق والمنشآت الحيوية، في وقت يواجه فيه ملايين المدنيين تدهورًا حادًا في الخدمات الصحية وارتفاعًا في تكاليف العلاج. وبين مقتل أطفال في قصف استهدف سوقًا بمدينة نيالا في دارفور، وتعطّل محطة كهرباء رئيسية في شندي، تحاول السلطات الصحية والمنظمات الدولية احتواء تفشي شلل الأطفال بحملة تطعيم تستهدف 11 مليون طفل، وسط حرب مستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام.

خمسة أطفال بين ضحايا قصف سوق نيالا

أفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) بمقتل خمسة أطفال على الأقل وإصابة طفلين آخرين في هجوم بمسيّرة استهدف سوقًا بمدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، يوم الاثنين 26 أكتوبر/تشرين الأول 2026.

وجاء الإعلان في إفادة نقلتها الأمم المتحدة ضمن موجز إخباري نُشر في 31 أكتوبر، وسط تقارير متضاربة عن العدد الإجمالي للضحايا الذين سقطوا في الهجوم.

وكانت شبكة أطباء السودان قد أعلنت مقتل 21 شخصًا وإصابة أكثر من 40 آخرين، جراء قصف استهدف سوق «تانقوج» الليلي في حي دوماية غربي نيالا، بينما تحدثت مجموعة «محامو الطوارئ» الحقوقية عن مقتل أكثر من 100 شخص وإصابة 113 آخرين، وهي حصيلة لم يتسنَّ التحقق منها بصورة مستقلة.

وفي المقابل، أعلنت منظمة أطباء بلا حدود أن مستشفى نيالا التعليمي، الذي تدعم فرقه الطبية، استقبل جثامين 36 قتيلًا، بينهم 21 شخصًا كانوا يرتدون ملابس مدنية، إلى جانب أكثر من 150 جريحًا.

وأوضحت المنظمة أن الضربة وقعت قرابة الساعة الثامنة مساءً، بينما استهدفت ضربة ثانية حيًا سكنيًا، مشيرة إلى أن الفرق الطبية استقبلت مصابين بشظايا وحروق شديدة، نُقل بعضهم إلى المستشفى بواسطة عربات صغيرة وعربات تجرها الدواب.

ونسبت أطباء بلا حدود الهجوم إلى القوات المسلحة السودانية، فيما أشارت تقارير إلى وجود مقاتلين من قوات الدعم السريع بين مرتادي السوق. ولم تتوافر أدلة مستقلة كافية لحسم جميع ملابسات الضربة أو توحيد حصيلة الضحايا.

وتأتي الحادثة بعد هجوم آخر استهدف سوق المواشي في نيالا يوم 16 أكتوبر، وأسفر عن سقوط قتلى وجرحى، في مؤشر على تزايد تعرض الأسواق والتجمعات المدنية للهجمات الجوية.

وحذرت أطباء بلا حدود من تكرار استهداف الأماكن التي يعتمد عليها السكان للحصول على الغذاء والاحتياجات الأساسية، مؤكدة ضرورة حماية المدنيين والمرافق المدنية من العمليات العسكرية.

هجوم على محطة كهرباء شندي وانقطاع واسع للتيار

وفي تطور آخر، تعرضت مدينة شندي بولاية نهر النيل شمالي السودان، فجر الجمعة 30 أكتوبر، لهجمات بمسيّرات استهدفت محطة لتحويل الكهرباء ومنشآت عسكرية ومخازن وقود، ما تسبب في تعطّل المحطة وانقطاع التيار عن مناطق واسعة من المدينة وضواحيها.

ونقل موقع «سودان تريبيون» عن اللجنة الأمنية بمحلية شندي أن القصف أدى إلى تدمير محولات الكهرباء وخروج المحطة عن الخدمة بالكامل، فضلًا عن استهداف مستودع احتياطي للوقود تابع لشركة النيل للبترول ومبنى للدفاع الجوي.

وبحسب مصادر محلية، بدأت الهجمات نحو الساعة الثانية وأربعين دقيقة فجرًا، وسمع السكان دوي انفجارات متتالية، قبل اندلاع حريق في محطة الكهرباء.

ونُسبت الهجمات إلى مسيّرات تابعة لقوات الدعم السريع، في إطار سلسلة ضربات استهدفت منشآت الطاقة والوقود في عدد من الولايات السودانية.

وأشار التقرير إلى تعرض 11 منشأة للكهرباء والوقود في سبع ولايات على الأقل لهجمات بالمسيّرات خلال أقل من أسبوعين.

وكانت محطة أم دباكر الحرارية في مدينة ربك بولاية النيل الأبيض قد تعرضت بدورها لهجوم يوم الخميس 29 أكتوبر، أدى إلى تضرر أربعة محولات ووحدة معالجة وخروجها عن الخدمة.

واتهمت الحكومة السودانية إثيوبيا بالتورط في هذه العمليات، قائلة إن المسيّرات انطلقت من أراضيها، وهو اتهام لم يتسنَّ التحقق منه بصورة مستقلة.

وتزيد الهجمات على البنية التحتية للكهرباء من صعوبة الحياة اليومية للسكان، ولا سيما في ظل اعتماد المستشفيات وشبكات المياه والمرافق الحيوية على إمدادات الطاقة لتقديم خدماتها.

حملة لتطعيم 11 مليون طفل وسط انتشار شلل الأطفال

image.png

وبالتزامن مع تصاعد الهجمات، أطلقت وزارة الصحة السودانية، بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية واليونيسف، حملة وطنية واسعة تستهدف تطعيم 11 مليون طفل ضد شلل الأطفال في مختلف أنحاء البلاد.

وتهدف الحملة إلى وقف انتقال فيروس شلل الأطفال المتحور من النمط الثاني، في ظل تراجع معدلات التحصين الروتيني وتعطل الخدمات الصحية بسبب الحرب.

وبحسب السلطات الصحية، سُجلت إصابات مؤكدة بالفيروس لدى ستة أطفال خلال عام 2026، كما كُشف عن وجوده في ثلاث عينات من مياه الصرف الصحي.

وانطلقت المرحلة الأولى من الحملة في 26 أكتوبر واستمرت حتى 29 منه، مستهدفة نحو ستة ملايين طفل دون سن الخامسة في 12 ولاية.

ومن المقرر تنفيذ المرحلة الثانية خلال الأسبوع الأول من نوفمبر، لتشمل نحو خمسة ملايين طفل في ولايات دارفور الخمس وغرب كردفان، مع توسيع الفئة العمرية المستهدفة في دارفور لتشمل الأطفال دون العاشرة، بسبب انخفاض مستويات المناعة لديهم.

وتستخدم الحملة لقاح شلل الأطفال الفموي الجديد من النمط الثاني (nOPV2)، مع تنسيق عمليات التطعيم في المناطق الحدودية مع تشاد وإثيوبيا وجنوب السودان، للحد من انتشار العدوى عبر الحدود.

وتأتي هذه الجهود في بلد تجاوز عدد النازحين فيه 13 مليون شخص منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، وسط تدهور حاد في الخدمات الصحية وانتشار سوء التغذية والأمراض المعدية.

كما تخطط الجهات الصحية لتنفيذ جولة وطنية ثانية من التطعيم في أواخر نوفمبر، لتعزيز الحماية لدى الأطفال الذين لم يحصلوا على اللقاحات الأساسية بسبب النزوح والحرب.

زالنجي.. العلاج يتحول إلى عبء يفوق قدرة المرضى

image.png

وفي وسط دارفور، تتكشف صورة أخرى من معاناة المدنيين، بعيدًا عن القصف المباشر، تتمثل في الارتفاع الحاد لتكاليف الخدمات الطبية وصعوبة الحصول على العلاج.

فقد نقل موقع «دارفور24»، السبت 31 أكتوبر، شكاوى سكان مدينة زالنجي من ارتفاع أسعار الكشف الطبي والفحوصات والعمليات الجراحية، مع محدودية البدائل العلاجية المتاحة.

وقال أحد السكان إن المرضى الذين يصلون إلى قسم الطوارئ بالمستشفى يُحوّلون إلى عيادات ومراكز طبية خارجية، حيث تبلغ تكلفة مقابلة الطبيب ما بين 10 آلاف و20 ألف جنيه سوداني، بينما تتجاوز تكلفة بعض الفحوصات 100 ألف جنيه.

وأضاف أن أسعار الخدمات في بعض العيادات تصل إلى ثلاثة أضعاف تكلفتها المعتادة، مع اشتراط الدفع نقدًا ورفض التحويلات عبر التطبيقات المصرفية، بحسب شهادته.

وتتضاعف المعاناة بالنسبة إلى النساء الحوامل، إذ قالت المواطنة حليمة يعقوب لـ«دارفور24» إن تكلفة العملية القيصرية في المستشفى بلغت مليون جنيه سوداني، بعد أن كانت تُجرى مجانًا بدعم من منظمة دولية.

وأوضحت أن الأسر مطالبة بتوفير المبلغ نقدًا قبل موعد العملية بثلاثة أيام، فيما تضطر بعض العائلات إلى دفع مليوني جنيه للحصول على مليون جنيه نقدًا، نتيجة ارتفاع تكلفة الحصول على السيولة.

وتعكس هذه الإفادات حجم الأعباء المالية التي يواجهها المرضى، خصوصًا مع صعوبة السفر إلى مدن أخرى طلبًا للعلاج، وما يترتب على ذلك من تكاليف إضافية ومخاطر على الحالات الطارئة.

وطالب السكان وزارة الصحة بوسط دارفور والسلطات القائمة في المنطقة بالتدخل لضبط تكاليف العلاج، والتحقيق في تحويل المرضى من المستشفى إلى المراكز الخاصة، وتوفير خدمات صحية ميسورة التكلفة.

ولم تتضمن الإفادات المنشورة ردًا تفصيليًا من إدارة المستشفى بشأن هذه الاتهامات.

المدنيون يدفعون ثمن الحرب على جبهتين

تكشف التطورات الأخيرة في السودان عن أزمة متداخلة تتجاوز المواجهات العسكرية المباشرة؛ ففي الوقت الذي يتعرض فيه المدنيون للقصف في الأسواق والأحياء السكنية، تتراجع قدرة المستشفيات على تقديم العلاج، وتتعطل منشآت الكهرباء، وتتسع الفجوة بين احتياجات السكان والخدمات المتاحة لهم.

ففي نيالا، يفقد الأطفال والمدنيون حياتهم جراء القصف؛ وفي شندي، تتعطل إمدادات الكهرباء؛ وفي زالنجي، يصبح الحصول على العلاج تحديًا ماليًا؛ بينما تواجه ملايين الأسر خطر الأمراض التي يمكن الوقاية منها بالتطعيم.

وتُظهر حملة شلل الأطفال حجم الجهود المطلوبة لحماية السكان في ظروف الحرب، لكنها تكشف في الوقت نفسه مدى تضرر النظام الصحي، الذي لم يعد قادرًا على توفير التحصين والرعاية الأساسية بصورة منتظمة لجميع الأطفال.

ومع استمرار النزاع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تتزايد الحاجة إلى حماية الأسواق والمستشفيات ومحطات الكهرباء، وتسهيل وصول الفرق الطبية والإغاثية إلى المناطق المتضررة، وضمان حق المدنيين في العلاج والغذاء والأمن، بعيدًا عن حسابات الأطراف المتحاربة.

فالأزمة التي يعيشها السودان اليوم لا تُقاس فقط بعدد القتلى في ساحات القتال، بل أيضًا بالأطفال الذين يفقدون حياتهم في الأسواق، والمرضى الذين يعجزون عن دفع تكاليف العلاج، وملايين النازحين الذين تتراجع أمامهم فرص الحصول على أبسط مقومات الحياة.