بعيدًا عن أرقام الضحايا وإحصاءات الدمار، ثمة حكايات يرويها أهل غزة بأنفسهم، وشهادات تكشف من تفاصيل المعاناة اليومية ما لا تستطيع نشرات الأخبار والصور أن تنقله كاملًا.

فخلف كل خبر عن النزوح والجوع وفقدان المأوى، حياة أناس يحاولون النجاة، وأسر تواجه واقعًا قاسيًا فرضته الحرب والحصار، في ظل ظروف إنسانية بالغة الصعوبة.

وفي هذا السياق، أجرت «وصل للأخبار» هذا اللقاء الخاص مع أحد سكان قطاع غزة، الذي اخترنا أن نطلق عليه اسم «أحمد» حفاظًا على خصوصيته وسلامته، لإفساح المجال أمام صوت من داخل القطاع، ينقل واقع الحياة كما يعيشه أهلها، بعيدًا عن التحليلات السياسية والروايات المنقولة من الخارج.

في هذا اللقاء، نستمع إلى شهادة مباشرة من قلب غزة، ونقترب من تفاصيل المعاناة الإنسانية التي يعيشها السكان، وما تعنيه لهم الأيام التي تمر بين الخوف والحرمان ومحاولات الصمود.

وفيما يلي نص اللقاء:

وصل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله وبارك بكم. نشكركم على قبول دعوتنا لإجراء هذا اللقاء مع «وصل».

بدايةً، هل تُحدّثنا عن نفسك وأسرتك، وكيف كانت حياتكم قبل الحرب، وكيف أصبحت اليوم؟

أحمد: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

حياكم الله وجعلنا وإياكم من أهل الجنة، اللهم آمين.

أنا... مواطن غزّاوي، لدي أسرة مكوّنة من طفلتين وزوجة.

كان لدي محل، وأثناء الحرب الطاحنة تم قصفه، وأصبحت الآن بدون عمل. وفقدت الكثير من أهلي وأصدقائي، رحمهم الله جميعًا.

ونعيش حاليًا حياة سيئة بسبب سوء الأوضاع المعيشية.

وصل: لو طلبت منك أن تصف لنا يومًا عاديًا من حياتكم الآن، منذ استيقاظكم حتى حلول الليل، فماذا ستقول؟ وما أكثر ما يشغل تفكيركم طوال اليوم؟

أحمد: مع البواكير الأولى للضوء (أو ربما قبله): يبدأ النهار غالبًا على وقع صمت قلق أو أصوات ترقّب. لا توجد منبّهات بالمعنى المعتاد، فالواقع والهموم كفيلان بإيقاظ الناس.

يشرع كثيرون في البحث عن أبسط مقومات البقاء، كتدبير غالون ماء نظيف إن وُجد، أو تأمين شعلة نار صغيرة (بالحطب أو الغاز الشحيح) لإعداد رشفة شاي إن تيسّرت.

رحلة تأمين الأساسيات

جزء كبير من النهار يُستهلك في الطابور أو البحث؛ طابور أمام المخابز إن وُجدت، أو محطات توفير المياه، أو محاولة تدبير بدائل للإنارة والتدفئة مع نقص الوقود والكهرباء.

كل خطوة خارج المأوى تتطلب حذرًا وجهدًا مضاعفًا وسط الدمار والركام.

البحث عن سبل العيش أو إعانة العائلة

إن كان الشخص يعمل، ففرص العمل شبه منعدمة أو مقتصرة على المهن اليدوية البسيطة لسد الحاجات اليومية الملحّة (يومية بيومها).

وإن لم يكن هناك عمل، ينصبّ التركيز على رعاية الأطفال، وتدبير ما أمكن من طعام بسيط للمتطلبات اليومية، ومتابعة أحوال الأهل والأقارب إن تفارقت أماكن نزوحهم.

ساعات الظهيرة والعصر

غالبًا ما تزداد قسوة النهار مع وطأة النزوح والحر أو البرد بحسب الفصل، وغياب وسائل التبريد أو التدفئة.

يتركز الجهد في محاولة إصلاح ما يمكن إصلاحه في أماكن الإيواء المؤقتة (خيام، مدارس، أو بيوت متضررة جزئيًا)، أو محاولة التواصل مع من هم في مناطق أخرى للاطمئنان عليهم إن توفرت إشارة إنترنت ضعيفة أو اتصال.

مع حلول المساء والليل

يعود الليل حاملًا معه أثقل الهموم. تغرق المخيمات والشوارع في عتمة حالكة بسبب انعدام الكهرباء، ويزداد شعور الناس بالعزلة والخوف مع سكون الليل واشتداد أصوات الطائرات أو الانفجارات إن وُجدت.

يجتمع أفراد العائلة في مكان ضيق واحد، يتبادلون الحديث الخافت، محاولين بث الطمأنينة في نفوس الصغار، بانتظار فجر جديد على أمل أن يحمل الفرج أو الهدوء.

أكثر ما يشغل تفكيرنا في غزة طوال اليوم

النجاة وحماية العائلة: الهاجس الأول والدائم هو الحفاظ على أرواح الأطفال والأحباء سالمين، والتفكير في أمان المكان الذي يؤويهم.

تأمين لقمة العيش والماء: التفكير المستمر في: من أين سنحصل على الخبز اليوم؟ كيف سنؤمن ماء الشرب؟ هل سنعثر على طعام للأطفال؟

توفير الاحتياجات الأساسية للشتاء أو الصيف: همّ تأمين الملابس الملائمة، والغطاء، ووسائل التدفئة أو الاحتماء من تقلبات الطقس القاسية في ظروف النزوح.

اليوم التالي والمستقبل المجهول: متى تنتهي هذه المعاناة؟ كيف سيكون شكل الغد؟ وتساؤلات مؤلمة حول مصير البيت والعمل والدراسة ومستقبل الأبناء الذي توقف فجأة.

الاطمئنان على الغائبين: التفكير المستمر في الأقارب والأصدقاء الذين فرّقتهم ظروف النزوح أو الحرب، ومحاولة معرفة أخبارهم رغم صعوبة الاتصالات.

وصل: هل هناك شيء اضطررتم إلى الاعتياد عليه خلال الحرب، مع أنك لم تكن تتخيل يومًا أن يعيش إنسان في مثل هذه الظروف؟

أحمد: خلال الحرب، الشيء الذي لم نتخيل يومًا أن نراه هو أشلاء بشرية في كل مكان. ماذا أحكي عن هذه المشاهد التي تدمي القلب؟

كنت أرى الكارو يحمل أشلاء، وكنت أحملها بيدي في الكثير من الأوقات. حين يتم قصف مكان قريب مني، كنت أفزع لمساعدة الناس، فأرى ما لا يخطر على قلب إنسان.

رأيت أطفالًا بلا رؤوس، ورأيت أرجل وأيادي ورؤوسًا بلا أجساد. رأيت مشاهد لم ولن تُمحى من ذاكرتي مدى الحياة.

مع مرور الوقت واستمرار القصف، تعودنا على هذه المشاهد المروعة. حين يُقصف مكان، كنا نعلم ما ينتظرنا هناك ونحن ذاهبون إليه.

كما أننا اعتدنا على فقد الأهل والأحبة والأصدقاء. تعودنا على الفقد، وكان كل منا يخشى أن يفقد غاليًا عليه. كان شبح الفقد يطاردنا.

تعودنا على انتظار الموت. كان كل منا ينتظر موته في أي لحظة وأي وقت.

وصل: حين تستيقظ صباحًا، ما أول شيء تفكر فيه؟ وهل ما زال هناك متسع للتفكير في المستقبل، أم أصبحت الحياة تدور حول النجاة من يوم إلى آخر؟

أحمد: في غزة، لم يعد الصباح دائمًا بداية جديدة، أحيانًا يكون مجرد ارتياح مؤقت لأننا ما زلنا على قيد الحياة.

نفتح أعيننا ونحاول أن نطمئن على أهلنا، ونتفقد ما تبقى من حولنا، ثم نبدأ رحلة البحث عن أبسط مقومات الحياة، تلك التي كان الناس في أماكن أخرى يعتبرونها أمورًا عادية لا تستحق التفكير.

أما المستقبل، فنعم، ما زلنا نفكر فيه، لكننا لم نعد نجرؤ على الحلم كما كنا نفعل من قبل.

أصبح الحلم صغيرًا بحجم يوم آمن، وليلة بلا قصف، ولقاء يجمعنا بمن نحب دون خوف من أن يكون الأخير.

لم نعد نفكر كثيرًا في السنوات القادمة، أحيانًا يكون كل ما نتمناه هو أن يأتي الغد أقل قسوة من اليوم.

ومع ذلك، لا أريد أن أقول إننا نعيش من أجل النجاة فقط.

فما زال في داخلنا شيء يقاوم الانطفاء: رغبتنا في الحياة، وتمسكنا بأهلنا، وإيماننا بأننا نستحق حياة كريمة، لا مجرد البقاء على قيد الحياة.

نحن في غزة لا نفتقد الأحلام، بل نفتقد الأمان الذي يسمح لنا بأن نحلم.

نريد أن نفكر في الدراسة والعمل والزواج وبناء البيوت، لا في النزوح والفقد والجوع. نريد أن نستقبل الصباح ونحن نسأل: ماذا سنصنع في حياتنا؟ لا كيف سننجو منها اليوم؟

فأصعب ما في هذه الحياة ليس أن تخاف من الموت فحسب، بل أن تضطر إلى تأجيل الحياة نفسها، يومًا بعد يوم، بينما تحاول أن تجد سببًا جديدًا لتتمسك بالأمل.

وصل: كيف تغيّرت أولويات الناس في غزة؟ ما الأشياء التي كانت عادية ومتاحة في السابق وأصبحت اليوم أمنيات يصعب تحقيقها؟

أحمد: تغيّرت الأولويات في غزة بشكل كبير. أشياء كثيرة كانت جزءًا طبيعيًا من الحياة، ولم نكن نفكر فيها كثيرًا، أصبحت اليوم أحلامًا نسعى لتحقيقها كل يوم.

في السابق، كان الإنسان يفكر في عمله، وتعليم أبنائه، وتحسين وضعه المادي، والتخطيط لمستقبله، أما اليوم، فأصبحت الأولوية أن يجد ما يأكله، وماءً نظيفًا يشربه، ومكانًا آمنًا ينام فيه هو وأطفاله.

أشياء كانت عادية وأصبحت أمنيات صعبة المنال، منها:

  • البيت: أن يعود الإنسان إلى منزله، ويجلس مع عائلته في غرفة تجمعهم، دون خوف من نزوح جديد أو فقدان المأوى.
  • الطعام: أن يفتح المرء ثلاجته ويجد ما يطعم به أطفاله، دون أن ينشغل طوال اليوم بكيفية توفير وجبة واحدة.
  • الماء والكهرباء: أن يفتح صنبور الماء فيجده متاحًا، وأن يضيء منزله ويشحن هاتفه دون رحلة بحث طويلة أو انتظار.
  • النوم براحة: أن يضع الإنسان رأسه على الوسادة وينام ليلة كاملة، دون أصوات تخيفه أو قلق يحرمه النوم.
  • التعليم والعمل: أن يذهب الطفل إلى مدرسته، وأن يخرج الأب إلى عمله، وأن يشعر الإنسان بأن جهده اليوم يبني مستقبلًا، لا أنه مجرد محاولة لتأمين احتياجات اليوم.
  • اللقاء بالأحبة: أن يجتمع أفراد العائلة حول مائدة واحدة، وأن يطمئن المرء على أحبائه دون أن يخشى خبرًا مؤلمًا.
  • الحرية في التخطيط للغد: أن يحجز الإنسان موعدًا، أو يخطط لرحلة، أو يدخر المال لشراء شيء يحبه، وهو مطمئن نسبيًا إلى أن ظروف الحياة لن تقلب خططه رأسًا على عقب.

أما أكثر ما تغيّر، فهو معنى السعادة نفسها.

في السابق، ربما كانت السعادة في شراء ملابس جديدة، أو الذهاب إلى البحر، أو تناول وجبة في مطعم، أو الاحتفال بمناسبة عائلية. اليوم، قد تكون السعادة في الحصول على رغيف خبز، أو العثور على دواء يحتاجه أحد أفراد الأسرة، أو سماع صوت شخص غائب والاطمئنان بأنه بخير.

لقد تقلّصت أحلام كثير من الناس من بناء حياة أفضل إلى محاولة الحفاظ على ما تبقّى من حياتهم.

ومع ذلك، لم تختفِ الأحلام تمامًا. ما زال الناس يريدون أن يتعلم أبناؤهم، وأن يعملوا، وأن يبنوا بيوتًا، وأن يعيشوا بكرامة. الفرق أن هذه الأمنيات لم تعد تبدو مضمونة أو قريبة كما كانت.

وربما أكثر ما يؤلم المواطن الغزاوي هو أن الأشياء التي يطلبها اليوم ليست رفاهية، بل حقوق إنسانية أساسية كان يعيشها بالأمس دون أن يضطر إلى التفكير في قيمتها.

فحين يصبح الأمان أمنية، والخبز إنجازًا، والنوم الهادئ حلمًا، ندرك كم تغيّر معنى الحياة.

وصل: ما أكثر ما يؤلمك حين تقارن بين حياتك السابقة وواقعك الحالي؟ وهل هناك مشاهد أو مواقف يومية تعتقد أن العالم لا يعرف عنها شيئًا؟

أحمد: أكثر ما يؤلمني بعد فقدان أختي وأصدقائي، حين أقارن بين حياتي السابقة وواقعي اليوم، ليس فقط ما فقدناه من بيوت وأشخاص وأماكن، بل فقدان الشعور بأن الحياة تسير بصورة طبيعية.

أشتاق إلى تفاصيل كنت أعيشها دون أن أفكر في قيمتها؛ أن أستيقظ صباحًا وأعرف ماذا سأفعل، أن أجلس مع عائلتي دون خوف، أن أخرج لقضاء حاجة بسيطة ثم أعود إلى البيت مطمئنًا، وأن أخطط للغد وأنا أعتقد أن هناك غدًا يمكن التخطيط له. أشتاق إلى جلسة مسائية مع أصدقائي، حديث في الهاتف مع أختي أحكي لها ما أمر به، تواسيني وتحاول أن تدخل السرور على قلبي.

قبل الحرب، كانت لدينا همومنا العادية؛ العمل، والدراسة، ومصاريف البيت، وتطلعاتنا للمستقبل. أما اليوم، فقد أصبحت أبسط الأمور تستنزف طاقتنا. أحيانًا يؤلمني أنني لم أعد أشتاق إلى أشياء كبيرة، بل إلى يوم عادي جدًا؛ يوم لا أضطر فيه إلى التفكير في الطعام والماء والمأوى، ولا أرى القلق في عيون أطفالي وأهلي.

أما المشاهد اليومية التي أعتقد أن العالم لا يعرف حجمها الحقيقي، فهي ليست بالضرورة المشاهد الكبيرة التي تظهر على شاشات التلفاز، بل التفاصيل الصغيرة التي يعيشها الناس بعيدًا عن الكاميرات.

ألم الأم التي تحاول إقناع طفلها بأنه سيجد الطعام، وهي لا تعرف من أين ستأتي به، وألم الأب الذي يحاول أن يبدو قويًا أمام أسرته، بينما يشعر بالعجز لأنه لا يستطيع توفير أبسط احتياجاتهم، ومشهد كبار السن الذين يضطرون إلى الانتظار طويلًا للحصول على الماء أو الخبز، رغم أن أجسادهم لم تعد تحتمل المشقة.

هناك أيضًا تعب لا يظهر في الصور؛ أن تضطر إلى اتخاذ قرارات قاسية كل يوم، وأن تحسب ما تبقّى لديك من مال أو طعام، وأن تؤجل احتياجاتك الشخصية لأن هناك من هو أصغر منك أو أكثر حاجة إليه، وأن تحاول مواساة شخص فقد عزيزًا عليه، بينما تحمل أنت وجعك الخاص ولا تجد الوقت حتى لتبكي.

وأكثر ما أظن أن العالم لا يدركه هو أن المعاناة لا تنتهي بانتهاء المشهد الذي يراه على الشاشة. فخلف كل صورة حياة كاملة تغيّرت؛ شخص فقد حبيبًا على قلبه، عامل فقد عمله، وطفل انقطع عن دراسته، وعائلة تشتتت، وإنسان يحاول أن يستعيد إحساسه بالأمان في مكان لم يعد يشعر فيه بالاستقرار.

قد يرى العالم صورة الدمار، لكنه لا يرى دائمًا ما يحدث بعد التقاط الصورة؛ كيف ستنام تلك العائلة؟ ماذا سيأكل أطفالها غدًا؟ كيف ستتعافى نفسيًا؟ وكيف ستبدأ من جديد بعدما فقدت البيت أو مصدر رزقها أو شخصًا تحبه؟

وأحيانًا، أكثر ما يؤلمني هو أنني أضطر إلى الاعتياد على أمور لم يكن ينبغي لأي إنسان أن يعتاد عليها؛ أن يصبح الخوف جزءًا من يومه، وأن يتعامل مع الحرمان وكأنه أمر طبيعي، وأن يشعر بالامتنان لنجاته بينما يحاول استيعاب حجم ما فقده.

نحن لا نريد من العالم أن ينظر إلينا باعتبارنا أرقامًا أو صورًا مؤلمة فحسب. نريد أن يتذكر أننا بشر، لنا ذكريات وأحلام وكرامة، وأن لنا الحق في حياة لا يكون البقاء فيها هو الإنجاز الأكبر.

أشتاق إلى حياتي القديمة، ليس لأنها كانت خالية من المشكلات، بل لأنني كنت أعيشها دون أن أخشى أن أفقد غاليًا على قلبي أو أبسط تفاصيلها في أي لحظة.

وصل: هل اضطررت إلى النزوح؟ وكم مرة انتقلت بأسرتك من مكان إلى آخر؟ وما أصعب ما واجهتموه خلال هذه الرحلة؟

أحمد: نعم، بسبب القصف والخوف على حياتنا، لم يكن النزوح خيارًا سهلًا، بل كنا نغادر كلما أصبح البقاء في المكان الذي نعيش فيه خطرًا.

نزحنا 9 مرات، وفي كل مرة كنا نترك خلفنا جزءًا من حياتنا وذكرياتنا، ونبدأ من جديد في مكان لا نعرف إن كان سيمنحنا الأمان أم لا. وللأسف وجدنا تكاليف النزوح كانت باهظة الثمن. 💔

ورغم الأسعار الفلكية، كانت الخيمة لا تأوي من حر الصيف ولا من برد الشتاء.

أما أصعب ما واجهناه خلال هذه الرحلة، فكان الخوف المستمر على أفراد أسرتي، وصعوبة العثور على مكان آمن، ونقص الطعام والماء والاحتياجات الأساسية.

كان مؤلمًا جدًا أن ترى أطفالك أو أفراد أسرتك خائفين ومتعبين، وأنت عاجز عن توفير الأمان والراحة لهم، والأصعب من ذلك كله هو الشعور بعدم الاستقرار، وأنك لا تعرف إلى أين ستذهب غدًا، أو متى ستتمكن من العودة إلى بيتك.

لقد كان النزوح أكثر من مجرد الانتقال من مكان إلى آخر، كان رحلة من الخوف والتعب وفقدان الأمان، نحاول خلالها فقط حماية أنفسنا وأسرنا والتمسك بالحياة.

وصل: صِف لنا المكان الذي تعيشون فيه اليوم؛ هل يوفر الحماية من البرد والمطر والحرارة؟ وكيف تتعاملون مع نقص الخصوصية والازدحام؟

أحمد: إليك نظرة واقعية على تفاصيل هذا الواقع، وكيفية التعامل مع تحدياته:

أولًا: الحماية من العوامل الجوية (البرد، المطر، والحرارة)

المأوى المؤقت: يعيش الكثيرون اليوم في خيام مصنوعة من القماش البلاستيكي الخفيف أو النايلون، أو في مراكز إيواء مكتظة وغير مجهزة، أو بين أطلال المنازل المدمرة.

هذه الخيام والمقار المؤقتة لا توفر حماية كافية، فهي تحترق بحرارة الشمس الحارقة في الصيف، وتتحول إلى أماكن باردة جدًا ورطبة في الشتاء.

ومع هطول الأمطار، تتعرض العديد من الخيام للغرق وتسرب المياه من السقف والأسفل، مما يتلف الأغطية والفراش القليل المتاح.

ثانيًا: التعامل مع نقص الخصوصية والازدحام

تكتظ أماكن النزوح والخيام بمئات العائلات في مساحات ضيقة للغاية، حيث تقطن العائلة الواحدة (بأفرادها الكثيرين) في خيمة صغيرة لا تتجاوز بضعة أمتار مربعة.

غياب الخصوصية: تنعدم الخصوصية تمامًا، فالتفاصيل اليومية للعائلات متداخلة، وتُشترَك المرافق الأساسية (مثل دورات المياه وأماكن غسل الملابس) بين أعداد هائلة من الناس، مع طوابير انتظار طويلة يوميًا.

كان يعتمد أهلنا في مواجهة هذا الضغط النفسي والاجتماعي الهائل على التكافل الاجتماعي، الصبر، وتقسيم الأدوار قدر الإمكان، فضلًا عن محاولة خلق حواجز مؤقتة داخل الخيام (باستخدام الأقمشة أو البطانيات) لتوفير حد أدنى من الخصوصية للعائلات أو النساء.

والخلاصة: إن الحياة اليومية هي صراع مستمر من أجل البقاء وتأمين أبسط مقومات الحياة الإنسانية، وسط أمل دائم بعودة الاستقرار وانتهاء معاناتهم القاسية.

وصل: مع اقتراب فصل الشتاء، ما أكثر ما تخشونه؟ وهل تتوفر لديكم الملابس والأغطية ووسائل التدفئة ومستلزمات حماية الخيام من الأمطار؟

أحمد: أكثر ما نخشاه مع اقتراب فصل الشتاء في غزة هو البرد القارس والأمطار الغزيرة، خاصةً أن أغلب الناس تعيش في خيام لا توفر الحماية الكافية من البرد والمياه. ونخشى أن تتسرّب مياه الأمطار إلى الخيام، وأن تغرق الفراش والملابس، وأن يمرض الأطفال وكبار السن بسبب البرد والرطوبة.

أما الملابس الشتوية والأغطية ووسائل التدفئة، فالكثير من العائلات تعاني من نقص شديد فيها، ولا تتوفر لديها الإمكانات لشراء احتياجاتها الأساسية.

كذلك، نحتاج إلى شوادر متينة وأغطية عازلة للمياه ووسائل لتثبيت الخيام وحمايتها من الأمطار والرياح.

أكبر مخاوف الناس أن يأتي الشتاء وهم بلا مأوى آمن ولا وسائل كافية لحماية أطفالهم من البرد.

نحن لا نطلب الرفاهية، بل نريد الحد الأدنى من مقومات الحياة: خيمة تحمي من المطر، وغطاء يدفئ أطفالنا، وملابس جافة، ووسائل تدفئة آمنة تحفظ حياتنا وكرامتنا.

وصل: كيف يحصل الناس على المياه الصالحة للشرب، وما المسافة أو الوقت أو التكلفة التي يتطلبها ذلك؟ وهل يضطر بعضهم إلى استعمال مياه غير مأمونة؟

أحمد: الحصول على مياه صالحة للشرب في غزة أصبح معاناة يومية لكثير من العائلات. نعتمد على نقاط توزيع المياه التي توفرها المؤسسات الإغاثية والمبادرات المحلية، وعلى صهاريج المياه التي تصل إلى بعض المناطق، لكن الكميات لا تكفي دائمًا لتلبية احتياجات الجميع.

نضطر أحيانًا إلى قطع مسافات طويلة سيرًا على الأقدام، والانتظار لساعات حتى يأتي دورنا لتعبئة المياه، وقد نعود في بعض الأحيان بكميات قليلة لا تكفي احتياجات الأسرة.

كما أن نقل المياه يشكل عبئًا إضافيًا، خاصة على النساء وكبار السن والأطفال. نحن كشباب ظهورنا تؤلمنا، ما بال النساء والأطفال وكبار السن؟

وتختلف التكلفة بحسب المنطقة ومصدر المياه وتوفرها، وقد تضطر بعض العائلات إلى دفع مبالغ لا تستطيع تحملها.

أما المياه غير المأمونة، فنعم، قد تضطر بعض الأسر إلى استخدامها عند انقطاع المياه النظيفة أو تعذر الوصول إليها، رغم مخاطرها الصحية، خصوصًا على الأطفال.

وأحيانًا نواجه صعوبة في معرفة ما إذا كانت المياه صالحة للشرب أم لا، بسبب نقص وسائل الفحص والتعقيم.

أكبر معاناتنا هي أن المياه، وهي أبسط مقومات الحياة، لم تعد متاحة للجميع بسهولة وأمان.

نحن بحاجة إلى توفير مياه شرب نظيفة بشكل منتظم، وزيادة نقاط التوزيع، وتوفير وسائل نقل المياه وتعقيمها، حتى لا يضطر أي إنسان إلى الاختيار بين العطش والمخاطرة بصحته وصحة أطفاله.

وصل: كيف تؤمّنون الطعام لأسركم؟ وهل أصبح هناك فرق كبير بين ما يتوفر في الأسواق وبين ما يستطيع الناس شراءه فعليًا؟

أحمد: أغلب أهلنا في غزة لا يجدون الطعام، وإن وجدوا الطعام تكون أسعاره مرتفعة جدًا.

الناس هنا يعتمدون على المساعدات الإنسانية، وهي قليلة جدًا.

أو على تكيّات الطعام التي توزعها الأونروا، وهي أيضًا قليلة جدًا ولا تكفي حاجة الناس.

وأكاد أجزم أن 80% يعيشون تحت خط الفقر بمراحل كثيرة، وهذا وصف حقيقي وليس مجازًا.

وصل: هل يمكن أن تحدثنا عن أسعار بعض الاحتياجات الأساسية، وعن مصادر دخل الأسر بعد فقدان كثير من الناس أعمالهم وممتلكاتهم؟

أحمد: الناس في غزة تعتمد بشكل كامل على المساعدات الإنسانية التي تقدمها بعض المؤسسات الخيرية، وهي للأسف قليلة جدًا.

والأسعار في الأسواق مرتفعة جدًا.

على سبيل المثال، لو الاحتلال أغلق المعبر ليوم أو يومين، الأسعار ترتفع بشكل جنوني.

كثير من العائلات في غزة ينامون دون طعام ولا شراب.

وفئات قليلة جدًا من تستطيع أن تؤمّن طعامها وشرابها.

وأما بخصوص الأعمال، 90% من شباب غزة لا يجدون سبل العمل، فهم عاطلون عن العمل.

والسبب تدمير الاحتلال جميع المصانع والمحلات التجارية.

وصل: عندما يمرض طفل أو يحتاج أحد أفراد الأسرة إلى دواء أو رعاية طبية عاجلة، ما الذي يحدث؟ وما أبرز الصعوبات التي تواجه المرضى في الوصول إلى العلاج؟

أحمد: منع الاحتلال إدخال الأدوية إلى القطاع جعل كثيرًا من المرضى يفقدون حياتهم، وكثير منهم فعلًا فقدوها، وما زالوا يفقدونها.

الأدوية في غزة تُباع بأسعار فلكية، والسبب قلة وجودها في القطاع.

والرعاية الطبية في غزة تكاد أن تكون شبه معدومة.

وصل: كيف يعيش أصحاب الأمراض المزمنة وكبار السن وذوو الإعاقة في هذه الظروف؟ وهل تصل إليهم الرعاية أو المساعدات التي يحتاجونها؟

أحمد: يعيش أصحاب الأمراض المزمنة وكبار السن وذوو الإعاقة في قطاع غزة واقعًا إنسانيًا وصحيًا كارثيًا وقاسيًا للغاية، حيث تضاعفت معاناتهم بشكل غير مسبوق في ظل الانهيار الشامل لمنظومة الحياة والخدمات الأساسية.

وفيما يلي تفصيل لظروف حياتهم ومدى توفر الرعاية والمساعدات لهم.

مرضى الأمراض المزمنة (السكري، ضغط الدم، القلب، الفشل الكلوي، السرطان):

يواجه هؤلاء المرضى خطرًا يهدد حياتهم بشكل مباشر. إن الفقدان المستمر لأدوية منقذة للحياة، وانقطاع الكهرباء الذي يحرم مرضى غسيل الكلى والعناية المركزة من فرص العلاج المنتظم، فضلًا عن انعدام الأغذية الخاصة التي تتناسب مع حالاتهم الصحية، يضعهم في مواجهة دائمة مع الموت.

كبار السن:

يعاني عشرات الآلاف من المسنين في غزة من صدمة النزوح المتكرر وصعوبة التأقلم مع الحياة في الخيام أو الملاجئ المكتظة.

تفتقر هذه الأماكن لأبسط مقومات الراحة البشرية، مثل الأسرّة الصحية، والتدفئة أو التبريد، ودورات المياه المهيأة، مما يجعل حركتهم شبه مستحيلة ويعرضهم لمضاعفات صحية ونفسية حادة.

ذوو الإعاقة:

ارتفعت أعداد ذوي الإعاقة بشكل هائل نتيجة الإصابات الناجمة عن قصف الاحتلال الذي خلّف آلاف الإعاقات الدائمة.

ويعاني النازحون منهم من بيئة غير مهيأة بالمرة، فالخيام وتضاريس مخيمات النزوح تمنع حركة الكراسي المتحركة، فضلًا عن النقص الحاد في الأجهزة المساعدة (كالكراسي المتحركة، والعكازات، والأطراف الصناعية، وأجهزة السمع) التي يستغرق وصول القليل منها عبر المعابر أشهرًا طويلة وسط العراقيل الإسرائيلية.

فضلًا عن الأدوية باهظة الثمن، التي لا يستطيع الكثير شرائها، وأغلب الحالات المرضية تموت بسبب عدم استطاعتهم الحصول عليها.

كما تعاني النساء والفتيات من ذوات الإعاقة من صعوبات مضاعفة تتعلق بالخصوصية وانعدام مرافق النظافة الملائمة.

وصل: ما واقع المساعدات الإنسانية بالنسبة إليكم؟ هل تصل بصورة منتظمة وعادلة؟ وما الاحتياجات التي لا تستطيع هذه المساعدات تغطيتها؟

أحمد: المساعدات لا تصل بصورة منتظمة أو مستقرة أبدًا. تعاني حركة تدفق الشاحنات من تقلبات حادة وعراقيل مستمرة مرتبطة بآليات التفتيش المعقدة، والتحكم في المعابر، ونقص التمويل الدولي الحاد الذي دفع منظمات أممية كبرى (مثل برنامج الأغذية العالمي) إلى تقليص نطاق خدماتها وحجم الحصص الغذائية المقدمة.

انعدام العدالة في التوزيع:

بسبب شح الكميات المتوفرة مقارنة بحجم الاحتياجات الهائلة، إلى جانب الفوضى الأمنية والمخاطر المحيطة بعمليات النقل والتوزيع، فإن المساعدات غالبًا لا تصل بشكل عادل لجميع المستحقين.

تظل عائلات كثيرة في مناطق عدة (خصوصًا شمال القطاع أو المناطق المعزولة) محرومة لفترات طويلة، بينما تفتقر آليات التوزيع الحالية للقدرة على الوصول المستدام لكل محتاج في ظل الاكتظاظ الهائل والنزوح المتكرر.

الاحتياجات التي لا تستطيع المساعدات تغطيتها:

رغم أن بعض المساعدات تركز على توفير الحد الأدنى من الطحين وبعض السلع الغذائية الأساسية أو الوجبات الساخنة، إلا أن هناك فجوة هائلة واحتياجات أساسية تعجز الإغاثة الحالية عن تلبيتها، وأبرزها:

الاحتياجات الصحية والدوائية:

النقص الحاد في الأدوية المزمنة، ومستلزمات العمليات الجراحية، والأجهزة الطبية المتخصصة، في ظل شبه انهيار كامل للبنية التحتية الصحية وزيادة أعداد الجرحى والمرضى.

القطاع الصحي والمياه والصرف الصحي:

آلاف الأطنان من مياه الشرب النظيفة لا توفر الحد الأدنى المطلوب للاستخدام الآدمي، فضلًا عن كارثة طفح مياه الصرف الصحي وغياب مواد النظافة الشخصية الأساسية، مما ينذر بتفشي الأوبئة والأمراض.

مستلزمات الإيواء ومواجهة الفصول:

مع استمرار النزوح وغالبية السكان في الخيام ومراكز الإيواء المؤقتة، تعجز المساعدات عن توفير الخيام الصالحة للطقس (خصوصًا مع دخول البرد والأمطار)، فضلًا عن انعدام المنازل الجاهزة أو مواد البناء الأساسية لإصلاح ما يمكن إصلاحه.

القطاع التنموي ومصادر الدخل:

المساعدات الحالية تركز على الإغاثة الطارئة البحتة وتتجاهل متطلبات التعافي الاقتصادي، فنسبة البطالة غير مسبوقة، ولا توجد فرص عمل أو سيولة نقدية كافية تتيح للناس شراء احتياجاتهم المتنوعة بأنفسهم من الأسواق.

غياب غاز الطهي بشكل شبه كامل يضطر العائلات للاستمرار في طرق بديلة ومؤذية صحيًا وبيئيًا لإعداد الطعام.

باختصار، ما يدخل من مساعدات لا يعدو كونه «مسكنات مؤقتة» تبعد شبح الموت القسري الفوري، لكنه بعيد كل البعد عن تغطية المقومات الحقيقية لحياة آدمية مستقرة وكريمة.

وصل: كيف أثّرت هذه الظروف في الأطفال؟ وما التغيرات التي لاحظتموها في سلوكهم ونومهم وشعورهم بالأمان؟

أحمد: الحديث عن أطفال غزة هو الحديث عن الجرح الأعمق والألم الأشد قسوة في هذا الواقع. لقد نشأ جيل كامل في ظل ظروف استثنائية وقاسية تجاوزت كل حدود الاحتمال البشري، فضلًا عن الطفولة البريئة.

لقد تركت هذه الحرب والظروف المحيطة بها آثارًا عميقة ومباشرة على نفسية الأطفال وسلوكياتهم، ويمكن ملاحظة هذه التغيرات في عدة جوانب رئيسية.

التغيرات في السلوك والتفاعل الاجتماعي:

يعاني معظم الأطفال من حالة يقظة وتوتر دائمين، فأبسط الأصوات المفاجئة أو المرتفعة تثير فيهم الذعر خوفًا من تكرار القصف أو الأحداث الصعبة.

يظهر على الأطفال خوف شديد من مفارقة آبائهم أو أمهاتهم، وتتشبث بهم الأيدي خوفًا من الفقدان أو الضياع، وغالبًا ما يرفضون الابتعاد عنهم حتى لأبسط الأسباب.

تتباين ردود فعل الأطفال، فمنهم من يظهر سلوكيات عدوانية غير عادية أو عصبية مفرطة نتيجة كبوتهم وطاقتهم المكبوتة، ومنهم من يميل إلى الصمت المطبق، والانسحاب الاجتماعي، وفقدان الشغف حتى باللعب المعتاد.

قد نلاحظ على بعض الأطفال (حتى ممن تجاوزوا سن الرضاعة أو الطفولة المبكرة) عودة لبعض السلوكيات السابقة، مثل التبول اللاإرادي، أو البكاء المستمر لأتفه الأسباب، أو طلب النوم بجانب الوالدين خوفًا.

ويعاني الكثير من الأطفال من صعوبة بالغة في الدخول في نوم عميق، وغالبًا ما يستيقظون مفزوعين عدة مرات خلال الليل.

تلاحق الأحداث الصعبة الأطفال في منامهم، فتراهم يستيقظون وهم يبكون أو يصرخون متأثرين بكوابيس تتعلق بالقصف أو الخوف أو فقدان الأحباء.

وصل: ماذا عن التعليم؟ هل يجد الأطفال فرصة حقيقية للتعلم، أم أصبح همّ الأسرة الأول توفير الطعام والمأوى والحماية؟

أحمد: هذا سؤال يلامس جرحًا عميقًا ونازفًا في قلب كل عائلة غزّية اليوم. الإجابة عن واقع التعليم في قطاع غزة وسط هذه الظروف القاسية تعكس معادلة إنسانية معقدة وصعبة للغاية.

أولًا: ضغط البقاء بين رغيف الخبز وحق التعلم

الواقع الميداني يفرض نفسه بقسوة، فأمام شحّ الموارد الأساسية، وتحديات النزوح المستمر، وانعدام الأمن، بات الهمّ اليومي الأكبر للغالبية الساحقة من العائلات هو تأمين أبسط مقومات البقاء على قيد الحياة.

توفير الطعام والماء:

قضاء ساعات طويلة في تأمين الماء الصالح للشرب أو الوقود أو الطح إن وجد، يستهلك كل طاقة الوالدين.

البحث عن مأوى آمن:

مع تكرار حركة النزوح وتدمير البنية التحتية، تصبح حماية الأطفال وإيجاد خيمة أو مكان يقيهم من البرد والقصف الشغل الشاغل للأسرة.

هذا الضغط الهائل جعل الاحتياجات الأساسية تتقدم على أي شيء آخر، لدرجة أصبح فيها التعليم بالنسبة للكثيرين حلمًا مؤجلًا وسط دوامة البحث عن رغيف الخبز.

ثانيًا: انهيار البنية التحتية التعليمية

تدمير المدارس والجامعات:

تعرضت النسبة الكبرى من المدارس والجامعات في القطاع إما للتدمير الكلي أو الجزئي، أو تحولت إلى مراكز إيواء للنازحين.

فقدان العام الدراسي:

توقفت العملية التعليمية الرسمية بصورتها التقليدية لفترات طويلة، مما أدى إلى ضياع أعوام دراسية كاملة على مئات الآلاف من الأطفال والطلاب.

وصل: كيف تتعامل الأسر مع الخوف المتواصل والفقد وعدم اليقين بالمستقبل؟ وما الذي يعين الناس على الصمود نفسيًا وإيمانيًا؟

أحمد: رغم كل مظاهر الدمار، يصر الكثيرون على الحياة بأبسط تفاصيلها؛ إصلاح ما يمكن إصلاحه، ابتسامة وسط الركام، محاولة إشعال النار على الحطب لطهي طعام بسيط، أو تبادل الحديث، وهو بحد ذاته شكل من أشكال المقاومة النفسية للحفاظ على الإنسانية في وجه الموت.

إن هذا الصمود ليس تجردًا من الخوف أو الألم، بل هو قدرة استثنائية على الاستمرار في الحياة رغم استمرار الأسباب الدافعة للموت واليأس.

وصل: هل ترى أن الحرب غيّرت العلاقات الاجتماعية بين الناس؟ هل عززت التضامن والتكافل، أم أن شدة الحاجة أفرزت مشكلات جديدة داخل المجتمع؟

أحمد: الحرب لم تقتصر على تدمير الحجر والبنية التحتية فحسب، بل امتدت لتطال الروح والنسيج الاجتماعي للناس. الإجابة على هذا السؤال ليست بيضاء أو سوداء، فالحرب في عمقها عملت كمجهر ضخم كشف عن أقصى درجات النقاء الإنساني وأقسى أشكال الضغط المجتمعي في آنٍ واحد.

رأيت أسمى صور التضامن والتكافل

رغم قسوة الظروف، أثبت المجتمع الغزاوي صلابة استثنائية في الحفاظ على الروابط الإنسانية عبر ممارسات يومية تعكس أصالة عميقة.

تقاسم الشظايا واللقمة:

فتحت عائلات كثيرة بيوتها ومساحات خيامها الضيقة لاستقبال الغرباء والنازحين كأنهم أفراد من العائلة نفسها، وتقاسم الجميع رغيف الخبز الأخير وشربة الماء وسط شح الموارد.

وقد ظهرت لجان وجدانية وشبابية ومجتمعية تطوعية لتنظيم طهي الطعام الجماعي، وتوزيع المساعدات الضئيلة بحسب الحاجة الأشد، ومساندة الأيتام والجرحى في محاولة لملء الفراغ الكبير الذي خلّفه غياب المؤسسات الرسمية.

عبارات المواساة المستمرة، والتشارك في العزاء العام لكل ضحية، جعلت الألم الجماعي يوحّد الناس في مواجهة الفقد.

لكن الضغوط والمشكلات الجديدة التي أفرزتها الحاجة

في المقابل، فإن استمرار الحرب لفترة طويلة وضغط البقاء القاسي أفرز تصدعات ومشكلات جديدة لم تكن مألوفة بهذا الحجم.

فالنفوس المرهقة بفعل الصدمات المتكررة وانعدام الأفق ولّدت سرعة غضب، وحساسية مفرطة، وتوترات متكررة حتى داخل الأسرة الواحدة وبين الجيران على أبسط الأمور اليومية.

استغلال الأزمات والغلاء:

أدى الشح الهائل في البضائع وانعدام الرقابة إلى ارتفاع جنوني في الأسعار، وظهور فئة مستفيدة من الأزمة على حساب دماء الناس ومعاناتهم، مما خلق شعورًا بالقهر العميق والظلم الاجتماعي الداخلي.

تراجع الخصوصية وتوتر التعايش في الخيام:

العيش في مساحات جماعية مكشوفة، واحتكاك العائلات المختلفة ببعضها طوال الوقت دون وجود فواصل جغرافية أو معمارية تحفظ الخصوصية، أدى إلى توترات مستمرة وصراعات يومية صغيرة تثقل كاهل الناس.

الحرب تشبه مرآة مكبرة، أظهرت تضامن الأوفياء بأروع صوره، وفي الوقت نفسه كشفت عن الندوب والتشوهات التي يخلفها الجوع والإنهاك الطويل في النفس البشرية.

وصل: نرى صور الدمار والضحايا والنزوح في الأخبار، لكن ما المعاناة التي تعتقد أن الكاميرات لا تنقلها، رغم أنها تؤثر بشدة في حياة الناس؟

أحمد: الكاميرات تنقل المشهد الصادم؛ المبنى المهدّم، الدخان، والخيام. لكنها لا تستطيع نقل ما يعيشه الإنسان في الداخل. وهنا أبرز جوانب المعاناة التي تظل مخفية خلف الشاشات.

لا تنقل الكاميرات شعور الأب وهو يحسب الثواني والدقائق خوفًا على أطفاله العائدين من جلب الماء أو الطحين، ولا حجم القلق المتواصل مع كل صوت طائرة أو انفجار. هذا الترقب الدائم للموت يقتل الأعصاب ببطء.

الكاميرات لا تُظهر الرائحة، ولا البرد القارس في الخيام الممزقة، ولا العجز عن إيجاد حفاضات لطفل رضيع، أو دواء لمريض ضغط وسكر، ولا طوابير الانتظار لساعات طويلة من أجل تعبئة جالون ماء واحد.

هذه التفاصيل تستهلك طاقة الإنسان اليومية بالكامل.

وصل: هل تستطيع أن تروي لنا موقفًا شهدته بنفسك خلال الأيام الأخيرة، يختصر واقع الحياة في غزة بصورة لا تستطيع الأرقام وحدها التعبير عنها؟

أحمد: الخبر ليس كالمعاينة، ومن سمع ليس كمن رأى...

من أشد المشاهد التي رأيتها أشلاء الأطفال والنساء والشيوخ وهي تحت الركام.

لكم أن تتخيلوا هذا المشهد وحده من بين آلاف المشاهد التي تدمي القلوب.

رحم الله موتانا وموتى المسلمين، وعجّل الله بالفرج لجميع المسلمين في شتى بقاع الأرض.

وصل: ما أكثر ما يزعجك في طريقة تناول بعض وسائل الإعلام لمعاناة أهل غزة؟ وهل تشعر أن هناك جوانب من حياتكم يجري تجاهلها؟

أحمد: الاستهلاك العاطفي المفرط على حساب البعد الإنساني والحقوقي.

اختزال الإنسان في صورة ضحية:

غالبًا ما تركز بعض وسائل الإعلام على إظهارنا في غزة في صورة أرقام مجردة أو متلقين للمأساة فقط، دون تسليط الضوء الكافي على صمودنا، تاريخنا، تطلعاتنا، وطاقاتنا الإبداعية والثقافية.

تتعامل بعض التغطيات مع الأحداث بمنطق رد الفعل الفوري أو التغطية الموسمية المرتبطة فقط بالتصعيد العنيف، وتتراجع المتابعة أو تكاد تنعدم في أوقات أخرى،

كأن الحياة والمعاناة تتوقفان بانتهاء العناوين الرئيسية للنشرات.

وصل: ما الأمور التي يحتاج الناس إلى معرفتها عن سكان غزة، بعيدًا عن اختزالهم في أعداد الضحايا والمحتاجين إلى المساعدات؟

أحمد: من المؤلم حقًا أن تُختزل حكاية شعب كامل، يمتلك تاريخًا وعمقًا وثقافة، في أرقام الضحايا ونشرات المساعدات الإنسانية. نحن في قطاع غزة، شأننا شأن أي مجتمع حي، لسنا مجرد أرقام في تقارير الطوارئ، بل نحن بشر أصحاب هوية وتاريخ.

هناك جوانب كثيرة يستحق العالم أن يعرفها ويفهمها عنا في غزة بعيدًا عن صورة الضحية والمحتاج، وتتلخص أبرزها في الآتي:

الإرادة والتمسك بالحياة لا بالموت

نتمسك في غزة بالحياة بأدق تفاصيلها، فترانا نُصلح ما يمكن إصلاحه، ونبتكر حلولًا من العدم لاستمرار الحياة اليومية (من إعادة تدوير المواد، إلى إشعال النيران البديلة، وتنظيم المبادرات التطوعية).

عنا في غزة نسبة تعليم عالية جدًا وشغف استثنائي بالعلم. الجامعات والمدارس والطلبة يصرون دائمًا على التعلم، والتفوق، وحصد الجوائز الدولية، وتحويل قاعات الدراسة إلى مساحات تقاوم الانهيار.

غزة ولّادة للشعراء، والروائيين، والفنانين التشكيليين، والموسيقيين.

الفن والأدب هنا ليس ترفًا، بل هما وسيلة للتعبير عن الوجود والكرامة ونقل الرواية للعالم.

مجتمعنا الغزّي مجتمع شديد الترابط والتكافل، فعلى الرغم من ضيق الحظ وسنوات الحصار الطويلة، تبرز قيم الجيرة، ومساعدة الغريب، وتقاسم لقمة العيش، والتضامن المطلق في الأزمات كركيزة أساسية لبقاء الناس.

العائلة تمثل الحصن الأول والعمود الفقري للحياة الاجتماعية، حيث الروابط الأسرية وثيقة للغاية، وتقدير الكبار ورعاية الصغار قيمة لا غنى عنها.

تزخر غزة بطاقات شبابية هائلة في مجالات التكنولوجيا، والريادة، وبرمجة الحاسوب، والطب، والهندسة. استطاع الكثير من أبنائنا في غزة تحقيق إنجازات عالمية رفيعة رغم العزلة المفروضة وصعوبة الحركة والسفر.

الحصار الطويل والمزمن خلق لدينا عقلية مهندس، فالقدرة على تطويع الأدوات البسيطة لصنع حلول عملية في مجالات الطاقة، والمياه، والزراعة المنزلية تعكس ذكاءً ميدانيًا عاليًا.

الحديث عن غزة يجب ألّا يقتصر على الألم والمعاناة فحسب، بل يجب أن ينطلق من احترام إنسانية هذا الشعب، وصلابته، وكرامته، وإرثه الثقافي والحضاري الذي يأبى النسيان أو التلاشي.

وصل: عندما تفكر في المستقبل، ما أكثر ما يقلقك بشأن أسرتك؟ وهل ما زلت تستطيع التخطيط لأيامك المقبلة؟

أحمد: التفكير في المستقبل في ظل واقع بالغ التعقيد مثل الذي نعيشه في غزة.

هاجس الأمان والاستقرار:

يبقى الخوف الأكبر متعلقًا بسلامة الأحباء والأطفال، وضمان توفير مقومات الحياة الأساسية من مسكن آمن، وغذاء، ورعاية صحية، وتعليم يحفظ مستقبل الأجيال القادمة.

صعوبة التخطيط:

تحول الظروف الطارئة والمتغيرة باستمرار دون القدرة على رسم خطط بعيدة المدى، ليصبح التركيز منصبًا غالبًا على إدارة تفاصيل اليوم الواحد والنجاح في تجاوز تحدياته.

وعلى الرغم من قسوة المشهد وضبابية الأفق، يبقى الإرث الإنساني والتمسك بالأمل وقوة الإرادة هي الركائز الأساسية التي يستند إليها الإنسان في مواجهة هذه التحديات الجسام.

نأمل دائمًا أن تحمل الأيام القادمة فرجًا قريبًا، واستقرارًا يحفظ حقوق الناس وأمنهم ومستقبلهم.

وصل: لو سُئلت عن أهم ثلاثة أمور تحتاجها أسرتك اليوم لكي تعيش بقدر من الأمان والكرامة، فماذا ستكون؟

أحمد: إن الإجابة على هذا السؤال من قلب المعاناة اليومية في غزة تختصرها أبسط مقومات الحياة الإنسانية التي باتت تُعتبر اليوم أحلامًا بعيدة المنال.

أنا كفرد من أهل غزة أبحث عن الحد الأدنى من الأمان والكرامة، أتمنى الأمور الثلاثة هذه.

أولًا: الوقف الدائم للعدوان وضمان الأمان الشخصي

أول وأهم ما نحتاج إليه هو توقف آلة الحرب والدمار، لكي ينام الأطفال دون خوف من غارة فجائية، ويعود الأب أو المعيل من الخارج سالمًا.

الأمان الحقيقي لا يعود فقط بتوقف القصف، بل بانتهاء حالة التهجير القسري والنزوح المتكرر التي تعصف بالعائلات، لتستقر في مسكن حتى وإن كان مدمرًا أو خيمة مؤقتة يحفظ كرامتها.

ثانيًا: توفير الغذاء الكافي والمياه الصالحة للشرب

مع شح المواد الغذائية وارتفاع أسعارها الجنوني، أصبح تأمين وجبة أساسية للأطفال همًّا يوميًا مضنيًا.

العائلات هنا تحتاج إلى توفر دائم ومستدام للمواد الغذائية الأساسية والخضروات والدقيق دون عناء أو طوابير انتظار طويلة.

الحصول على المياه الصالحة للشرب والاستخدام الآدمي أصبح تحديًا كبيرًا في ظل تدمير البنية التحتية وشح الوقود اللازم لتشغيل آبار المياه ومحطات التحلية.

ثالثًا: الرعاية الصحية والأدوية الأساسية

في ظل انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية، تمثل الحاجة الملحة لتوفير الأدوية خصوصًا لأصحاب الأمراض المزمنة، والأطفال، وكبار السن مسألة حياة أو موت.

الرعاية الصحية الأساسية لأي إصابات أو أمراض ناتجة عن الظروف المعيشية الصعبة وسوء الإيواء هي حق أساسي من حقوق الكرامة الإنسانية.

هذه الأمور الثلاثة ليست رفاهيات، بل هي أبسط الحقوق التي تكفل للإنسان أن يعيش بكرامة آدمية على أرضه ومع عائلته.

وصل: ما الذي تتوقعه من المؤسسات الإنسانية والمسلمين عمومًا؟ وما الذي يجب أن يتغير في طريقة الاستجابة لاحتياجات الناس؟

أحمد: أتمنى كمسلم من غزة:

تجاوز الإغاثة الموسمية إلى الدعم المستدام:

الانتقال من تقديم المساعدات الطارئة والمتقطعة (مثل السلال الغذائية الأساسية) إلى برامج دعم معيشي مستدام تغطي الاحتياجات اليومية وتوفر حدًّا أدنى من الاستقرار.

مطالبة المجتمع الدولي والمؤسسات الأممية بفتح المعابر بشكل دائم وغير مشروط لإدخال الوقود، والأدوية التخصصية، ومعدات المستشفيات، وسيارات الإسعاف، ومستلزمات الإنقاذ والدفاع المدني.

توفير مستشفيات ميدانية متكاملة، ودعم القطاع الصحي المنهار بالأدوية والمستهلكات الطبية، وإيجاد حلول بديلة ومؤقتة لاستمرار العملية التعليمية للأطفال والشباب لإنقاذ الأجيال من الضياع.

مساعدة الأسر والعاملين وأصحاب الحرف على استعادة جزء من قدرتهم على الإنتاج والاعتماد على الذات في ظل شح فرص العمل والدمار الواسع.

اهتمام خاص بالصحة النفسية للأطفال والنساء وكبار السن، عبر برامج تفريغ نفسي مجتمعي ومؤسسي لمواجهة آثار الصدمات المتكررة.

ثانيًا: أما الذي يجب أن يتغير في طريقة الاستجابة لاحتياجات الناس؟

السرعة والمرونة في اتخاذ القرار والتمويل:

التخلص من البيروقراطية الطويلة في إجراءات الإغاثة وصرف الأموال، وتأسيس آليات طوارئ فورية تستجيب للأزمات بالسرعة القصوى.

تمكين المؤسسات المحلية والجمعيات الأهلية في غزة:

وتوجيه التمويل المباشر لها، لقدرتها الأكبر على معرفة الاحتياجات الحقيقية والأولويات على الأرض وسرعة الوصول إلى المستحقين.

التخلي عن سياسة «إدارة الأزمة يومًا بيوم» لصالح خطط استراتيجية واضحة لإعادة الإيواء، وتأهيل البنية التحتية المتضررة، وإدارة الملفات الإنسانية المعقدة بفعالية أكبر.

التأكد من وصول كامل الدعم والمساعدات المالية والعينية إلى مستحقيها الفعليين دون هدر، وتقديم تقارير واضحة للمساهمين والجمهور لتعزيز الثقة في العمل الإنساني.

البحث عن مسارات ومبادرات غير تقليدية لإيصال المساعدات في ظل الحصار المشدد، وتوظيف شبكات التضامن الشعبي العالمي والإقليمي بشكل منظم ومؤسسي.

إن حجم الاحتياجات أكبر بكثير من الإمكانيات المتاحة حاليًا، والتضامن الفعلي يتطلب إرادة حقيقية وعملًا مؤسسيًا منظمًا يضع كرامة الإنسان الفلسطيني واحتياجاته الأساسية في مقدمة الأولويات.

وصل: أخيرًا، لو أُتيحت لك فرصة مخاطبة المسلمين في العالم بكلمات تصل إليهم جميعًا، فماذا تريد أن تقول لهم؟

أحمد: أيها الإخوة في كل مكان، يا أمتنا العظيمة الممتدة من أقصى الأرض إلى أدناها...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

من قلب المعاناة، من بين ركام المآسي وتحت وطأة الصبر الجميل الذي ما زال يحملنا، أتوجه إليكم بهذه الكلمات الصادقة، لا لأستعطف قلوبكم، بل لأذكركم بأننا وإياكم جسد واحد، وأننا هنا في غزة لم نكن يومًا وحدنا في عقيدتنا وفي نبض وجداننا.

إن ما أود قوله لكم باختصار واختزال لرسائل الدم والصبر هو الآتي:

نحن لسنا أرقامًا. خلف كل اسم قضية، وخلف كل منزل هُدم تاريخ وحكاية عائلة كاملة أحبت الحياة وأرادت أن تعيش بكرامة على أرضها. تذكروا دائمًا أن إخوانكم هنا يعانون، لكنهم يرفضون الانكسار.

لا تستصغروا أي كلمة تكتبونها، أو مقطع تنشرونه، أو فعالية تنظمونها، أو دعاءً ترفعونه.

إن تضامنكم الحي واليقظ يمثل درعًا معنويًا يمنحنا القوة على الصمود، ويُبقي القضية حية في ضمير العالم.

مهما طال ليل الظلم والقهر، نحن نوقن بأن الفجر آتٍ لا محالة. تعلمنا من هذه الأرض أن الزيتون يبتسم رغم العواصف، وأن إرادة الحياة لدى أهل غزة أقوى بكثير من كل أسباب الموت والدمار.

إن مصابنا هو مصابكم، وعزتكم هي عزتنا.

لا تحرمونا من صدق الدعاء ومن الاستمرار في نصرة الحق بالوسائل المتاحة كافة، فما ضاع حق وراءه مطالب، وما خذل مؤمن أخاه إلا خذله الله في موضع يحتاج فيه إلى النصرة.

نسأل الله أن يحفظ بلادكم وأهلكم، وأن يجمعنا وإياكم على أراضٍ طاهرة محررة، وقد انقضت هذه الغمة عن أمتنا وعن كل مظلوم في هذا العالم.

شكرًا لصدق قلوبكم، ولأنكم تذكرون غزة دائمًا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.