كشف تقرير حقوقي جديد عن استمرار حملات التحريض والكراهية ضد المسلمين وأقلية الروهينجا في ميانمار، بعدما وثّقت شبكة بورما لحقوق الإنسان 100 مادة تتضمن خطاب كراهية أو معلومات زائفة ومضللة خلال سبتمبر/أيلول 2026، نُشرت عبر فيسبوك وتلغرام وتيك توك، وشملت إنكار هوية الروهينجا، واتهام المسلمين جماعيًا بالإرهاب والجريمة، والدعوة إلى طردهم ومنعهم من امتلاك العقارات، بالتزامن مع ضغوط قومية متشددة أدت إلى إغلاق أماكن للصلاة وتقييد ترميم المساجد.

وقالت الشبكة، المعروفة اختصارًا بـ«BHRN»، في تقريرها الصادر يوم الثلاثاء 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، إن الخطاب المناهض للمسلمين لم يقتصر على الإهانات المباشرة، بل اتخذ أشكالًا متعددة من التشويه والتحريض، شملت تصوير الأقليات الدينية بوصفها تهديدًا للأمن والهوية الوطنية، والتشكيك في حقها في المواطنة والإقامة وممارسة شعائرها الدينية.

ويأتي التقرير في ظل استمرار الحرب في ميانمار، وتدهور أوضاع الروهينجا في ولاية راخين «أراكان»، وتصاعد القيود المفروضة على بعض المساجد والمؤسسات الدينية الإسلامية.

مئة مادة خلال سبتمبر.. كيف انتشر خطاب الكراهية؟

اعتمد التقرير على رصد وتحليل محتوى منشور خلال سبتمبر في ثلاث مجموعات وصفحتين و13 حسابًا على فيسبوك، إضافة إلى 24 قناة على تلغرام و24 حسابًا على تيك توك.

ووثّق الباحثون 100 مادة مرتبطة بخطاب الكراهية والأخبار الزائفة والمعلومات المضللة، توزعت على النحو التالي:

  • 40 مادة على فيسبوك.
  • 33 مادة على تلغرام.
  • 27 مادة على تيك توك.

وأظهر التحليل أن المسلمين والروهينجا كانوا من أبرز الفئات المستهدفة، إلى جانب النساء اللواتي تعرضن لحملات تشهير وإهانات، ولا سيما المرتبطات بحركات معارضة الحكم العسكري.

وصنّفت الشبكة أنماط الخطاب المرصود إلى فئات، أبرزها تحميل جماعات دينية وعرقية مسؤولية جرائم بصورة جماعية، والتنمر والمضايقة، ونزع الصفة الإنسانية عن المستهدفين، وتصويرهم مصدرًا للتهديد.

وأوضحت أن هدف الدراسة لا يقتصر على تسجيل المنشورات منفردة، بل تحديد الروايات المتكررة التي تسعى إلى تكوين صورة عدائية عن مجموعات سكانية كاملة.

إنكار وجود الروهينجا والمطالبة بمنع عودتهم

كان إنكار الهوية القومية للروهينجا من أكثر أنماط التحريض بروزًا على فيسبوك.

فمن بين 40 مادة رصدتها الشبكة على المنصة، صُنفت 37 مادة بوصفها خطاب كراهية، استهدفت 19 منها الروهينجا و17 المسلمين، وفق تصنيف التقرير.

ووثّقت الشبكة تعليقات ومنشورات تصف الروهينجا بأنهم مهاجرون بنغاليون غير شرعيين، وتنفي انتماءهم إلى ميانمار، وتربطهم جماعيًا بالإرهاب والجرائم وتهريب المخدرات.

كما رصدت دعوات إلى رفض عودة اللاجئين الروهينجا من بنغلاديش، في تعليقات على أخبار تناولت مقترحات إعادة نحو 1.2 مليون لاجئ إلى وطنهم.

ونقل التقرير عن أحد الحسابات تعليقًا ينفي وجود جماعة عرقية باسم الروهينجا في ولاية راخين، ويعتبر أفرادها مواطنين بنغلاديشيين لا صلة لهم بميانمار.

وفي تعليق آخر، جرى تصوير زيادة أعداد الروهينجا بوصفها خطرًا على أراضي البلاد وهويتها الدينية، باستخدام تعبيرات مهينة تنزع عنهم الكرامة الإنسانية.

ولفتت الشبكة إلى أن بعض هذا المحتوى لا يصدر بالضرورة عن مؤيدين للحكم العسكري، إذ رصدت تعليقات تدعو إلى معارضة الانقلاب العسكري، لكنها تطالب في الوقت نفسه برفض الاعتراف بالروهينجا.

وتكشف هذه الظاهرة، وفق نتائج الدراسة، أن الخطاب المعادي للروهينجا يمتد إلى ما هو أبعد من الانقسام السياسي بين مؤيدي الجيش ومعارضيه.

التحريض على حرمان المسلمين من امتلاك المنازل

ومن أخطر النتائج التي كشفها التقرير انتقال بعض المنشورات من تشويه صورة المسلمين إلى الدعوة صراحة إلى فرض قيود على حقوقهم المدنية والدينية.

فقد وثقت الشبكة حسابًا على تيك توك يحمل اسم «Emojiis» نشر محتوى يدعو السكان إلى عدم بيع المنازل والشقق للمسلمين في الأحياء ذات الأغلبية البوذية.

وزعمت المنشورات أن امتلاك المسلمين للعقارات قد يؤدي مستقبلًا إلى صعوبة بقاء السكان الآخرين في أحيائهم، في محاولة لتصوير الوجود الإسلامي باعتباره خطرًا ديموغرافيًا واجتماعيًا.

كما رصد التقرير حسابًا آخر يدعو إلى إغلاق المساجد التي يصفها بأنها غير قانونية، وترحيل الأشخاص المؤيدين لتطبيق الشريعة الإسلامية.

وبحسب الشبكة، فإن الخطاب المنتشر على تيك توك ركز بصورة خاصة على تقييد ملكية المسلمين للعقارات، والاعتراض على بناء المساجد وترميمها، والدعوة إلى إبعادهم من البلاد.

المساجد تحت الضغط.. حملات رقمية تواكب إجراءات الإغلاق

ربط التقرير بين التحريض الرقمي ضد المسلمين والضغوط التي تمارسها مجموعات قومية بوذية متشددة على السلطات المحلية لإغلاق مساجد وعرقلة أعمال ترميمها.

وأشار إلى دور رهبان مرتبطين بحركة «ما با ثا» القومية، التي عُرفت بحملاتها المناهضة للمسلمين، في تفتيش مساجد والضغط على المسؤولين لاتخاذ إجراءات بحقها.

ووثق التقرير منشورات على تلغرام اتهمت المسلمين بالاستيلاء على مواقع دينية بوذية وتحويلها إلى مساجد، وقدّمت أعمال البناء والترميم باعتبارها محاولات لتوسيع النفوذ الإسلامي.

ومن الأمثلة التي أوردتها الدراسة منشورات تتعلق بمسجد «ميبا زاي» في مدينة ماندالاي، اتهمت المسلمين بمواصلة أعمال الترميم داخله رغم القيود المفروضة عليه.

وفي تقرير حقوقي منفصل نشرته الشبكة يوم 23 سبتمبر، أكدت أن السلطات الخاضعة للحكم العسكري أصدرت في 13 سبتمبر أمرًا بإغلاق مبنيين داخل مجمع المسجد، ومنعت الصلاة الجماعية والدخول وأعمال البناء والترميم فيهما، عقب اعتراض رهبان قوميين على أعمال التجديد.

كما وثقت الشبكة إجراءات سابقة ضد مسجد «سين كوني» في منطقة يانغون، وأعمال هدم لأجزاء جرى تجديدها في مسجد «باكار» بالمنطقة نفسها خلال أغسطس.

ولم تقتصر الحملات على المساجد القائمة؛ إذ رصد الباحثون منشورات مضللة تتهم المسلمين باستغلال الأضرار الناتجة عن زلزال مارس 2025 لتوسيع دور العبادة الإسلامية بصورة غير قانونية.

وتشير هذه الوقائع إلى تداخل حملات التحريض الإلكتروني مع الضغوط الميدانية التي تستهدف حرية العبادة وحقوق المسلمين في صيانة منشآتهم الدينية.

تضليل يربط المسلمين بالإرهاب والجرائم

أظهر التحقيق استخدام أحداث دولية وأخبار غير موثقة لإنتاج روايات تحريضية ضد المسلمين في ميانمار.

ففي ذكرى هجمات 11 سبتمبر، نشرت صفحة على فيسبوك تحمل اسم «Voice of Unity» محتوى يحمل المسلمين جماعيًا مسؤولية الهجمات التي وقعت في الولايات المتحدة عام 2001.

كما تداولت الصفحة مقطعًا يتعلق بخلاف في بريطانيا، وزعمت أن المسلمين يحاولون فرض الشريعة على المجتمع البريطاني، مقدمة ذلك بوصفه تحذيرًا من الوجود الإسلامي.

وعلى تلغرام، رصد الباحثون قناة أعادت نشر قصة غير موثقة عن اعتداء جنسي خارج البلاد، ونسبت الجريمة زورًا إلى مسلمين لتأجيج العداء ضدهم.

ووثقت الدراسة أيضًا مقطعًا غنائيًا ذا طابع قومي، صُوّر فيه رجل مسلم بوصفه شخصية خبيثة تتفرج على الصراعات بين المجموعات العرقية في ميانمار.

واعتبرت الشبكة أن هذه الأمثلة تعكس نمطًا يقوم على ربط الهوية الإسلامية بالعنف والخطر بصورة جماعية، دون تقديم أدلة على مسؤولية الأفراد المستهدفين.

تلغرام منصة للتشهير والتحريض ضد النساء

إلى جانب المسلمين والروهينجا، رصد التحقيق حملات كراهية تستهدف نساء مرتبطات بحركات الاحتجاج والمعارضة للحكم العسكري.

ومن أصل 33 مادة وثّقها على تلغرام، صنّف التقرير 28 مادة باعتبارها خطاب كراهية، وخمس مواد بوصفها أخبارًا زائفة أو معلومات مضللة.

واستخدمت بعض القنوات المرتبطة بالدعاية العسكرية اتهامات ذات طابع جنسي وتشويه السمعة للنيل من النساء المشاركات في حركة العصيان المدني أو الداعمات لقوات المقاومة.

كما وثّقت الدراسة منشورات تحاول تشويه شخصيات نسائية معارضة عن طريق ربطها باتهامات أخلاقية ومالية غير مثبتة، في إطار حملات تسعى إلى تقويض مكانتهن العامة.

وأشارت الشبكة إلى أن هذا الخطاب يعتمد على الإذلال والتشهير والتجريد من الكرامة، وليس على مناقشة المواقف السياسية أو الوقائع الموثقة.

image.png

من التحريض الإلكتروني إلى التمييز على الأرض

حذرت شبكة بورما لحقوق الإنسان من أن تكرار الرسائل العدائية عبر المنصات الرقمية قد يزيد مشاعر الخوف والارتياب بين المجتمعات، ويفتح المجال أمام ممارسات تمييزية تتجاوز الإنترنت.

وأوضحت أن مشاركة المنشورات نفسها عبر حسابات وقنوات مختلفة تساهم في توسيع وصول الروايات التحريضية، خصوصًا حين تختلط الأخبار الزائفة بخطاب قومي أو ديني يصور الأقليات بوصفها جماعات غير مرغوب فيها.

ودعت الشبكة إلى تحسين آليات رصد خطاب الكراهية والتحقق من المعلومات، وتعزيز إجراءات الإشراف على المحتوى في المنصات الرقمية، إلى جانب نشر الوعي المجتمعي بمخاطر التحريض والتمييز.

ولا تمثل المواد المئة التي وثقها التقرير إجمالي المحتوى المعادي للمسلمين في ميانمار، بل الحالات التي تمكن الباحثون من رصدها ضمن الحسابات والمجموعات والقنوات المشمولة بالدراسة.

وتكشف نتائج التحقيق أن التهديد الذي يواجهه المسلمون والروهينجا في ميانمار لا يقتصر على العنف والقيود الأمنية، بل يمتد إلى حملات رقمية تسعى إلى نزع الشرعية عن وجودهم وهويتهم وحقوقهم، بدءًا من إنكار انتماء الروهينجا إلى البلاد، وصولًا إلى الدعوة لحرمان المسلمين من امتلاك المنازل وإغلاق مساجدهم وترحيلهم.

وبينما تتواصل الحرب والانقسامات السياسية في ميانمار، يحذر التقرير من أن استمرار هذه الروايات دون مواجهة فعالة قد يعمق التمييز ضد الأقليات الدينية والعرقية، ويجعل استعادة حقوقها وأمنها أكثر صعوبة.