رصدت منظمة «ACLED»، المتخصصة في مراقبة النزاعات المسلحة، تحولًا ملحوظًا في العمليات العسكرية التي تنفذها جماعة الحوثيين المدعومة من إيران داخل اليمن، بعدما سجلت ما لا يقل عن 24 هجومًا أو هجومًا محتملًا استهدفت مدينة عدن ومناطق بعيدة عن جبهات القتال منذ تصاعد الحرب في أغسطس/آب 2026، في تطور يشير إلى اتساع نطاق التهديد ليشمل المطارات والمقار الحكومية والبنية التحتية الحيوية، حتى في المدن الواقعة بعيدًا عن خطوط المواجهة التقليدية.
وأوضح التحليل، الذي نشرته المنظمة يوم الأربعاء 28 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أن استهداف عدن والمكلا يعكس توجهًا عسكريًا مختلفًا لدى الحوثيين، يقوم على استخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة للوصول إلى أهداف بعيدة، بدل حصر العمليات في الجبهات البرية والمناطق المتاخمة لها.
ويرى الباحث شيروان هندرين علي، مدير أبحاث الشرق الأوسط في المنظمة، أن الحوثيين يسعون إلى توظيف الخبرات التي اكتسبوها من هجماتهم على البنية التحتية السعودية داخل الأراضي اليمنية، بما يسمح لهم بتوسيع نطاق الضغط العسكري والسياسي على القوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية.
من خطوط القتال إلى عدن والمكلا
بحسب قاعدة بيانات «ACLED»، نفذ الحوثيون أو يُشتبه في تنفيذهم ما لا يقل عن 24 هجومًا استهدفت عدن ومناطق أخرى بعيدة عن خطوط المواجهة، منذ عودة التصعيد العسكري في أغسطس الماضي.
وشملت الأهداف معسكرات عسكرية ومرافق حكومية ومطارات، أبرزها مطار عدن الدولي والقصر الرئاسي في منطقة المعاشيق، الذي يضم مقر الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.
وفي 15 أكتوبر، استهدفت الجماعة مجمع قصر المعاشيق في عدن بهجوم صاروخي أدى إلى مقتل خمسة أشخاص وإصابة 16 آخرين، بحسب السلطات اليمنية.
وقالت الحكومة إن الضحايا شملوا أفراد حراسة وموظفين مدنيين، بينما أعلن الحوثيون أنهم استهدفوا مقرًا للعمليات العسكرية السعودية داخل المجمع.
ولم تتمكن وكالة رويترز من التحقق بصورة مستقلة من الرواية الحوثية بشأن طبيعة الهدف.
وجاء الهجوم في سياق تصاعد المواجهات، بعدما تحولت عدن، مقر الحكومة اليمنية، إلى هدف متكرر للصواريخ والمسيّرات، رغم ابتعادها عن معظم خطوط القتال البرية الرئيسية.
المطارات تدخل دائرة الاستهداف
يعد التوسع في استهداف المطارات أحد أبرز التطورات التي سلط عليها تحليل «ACLED» الضوء.
ففي 7 أكتوبر، هاجم الحوثيون مطار عدن الدولي للمرة الأولى منذ 30 ديسمبر 2020، وفق بيانات المنظمة، ثم أعقبوا ذلك بثلاث هجمات أخرى على الأقل خلال الشهر نفسه.
وفي 16 أكتوبر، نفذت الجماعة هجومًا متزامنًا استهدف مطار عدن الدولي ومطار الريان في مدينة المكلا بمحافظة حضرموت شرقي اليمن، باستخدام صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة هجومية، وفق التحليل.
وتكتسب هذه العمليات أهمية خاصة بسبب ابتعاد المكلا عن خطوط المواجهة، ما يعكس اتساع النطاق الجغرافي للهجمات وقدرة الحوثيين على تهديد منشآت تقع في عمق المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة وحلفائها.
ويرى الباحث شيروان هندرين علي أن استهداف عدن ثم المكلا يبرز قدرة الجماعة على نقل أساليب عملياتها من ساحة قتال إلى أخرى، وتوسيع تأثيرها إلى مناطق لم تكن ضمن دائرة الاستهداف المباشر بهذا المستوى.
هجوم جديد يعطل الملاحة في مطار عدن
وبعد نشر التحليل، شهد مطار عدن الدولي هجومًا جديدًا يوم 28 أكتوبر، أعلنت القوات الحكومية اليمنية أن الحوثيين نفذوه عقب تحذير بإخلاء المطار.
وقالت القوات الحكومية إن الهجوم تسبب في إصابات بين المدنيين وأضرار مادية، بينما أكد مسؤولان في وزارة النقل لوكالة رويترز تعليق حركة الطيران عقب الضربة.
وكان المتحدث العسكري باسم الحوثيين، يحيى سريع، قد طالب بإخلاء المطار، زاعمًا وجود طائرة شحن عسكرية سعودية تنقل أسلحة إلى القوات الحكومية.
ولم يصدر تعليق سعودي فوري يؤكد هذه المزاعم أو ينفيها.
وأفادت مصادر إنسانية بأن طائرة تقل عاملين في الإغاثة غادرت المطار بسلام قبل الهجوم، فيما أكدت المنظمة الدولية للهجرة سلامة موظفيها.
ويمثل هذا الهجوم تطورًا لاحقًا للتحليل المنشور في 28 أكتوبر، ولا ينبغي احتسابه تلقائيًا ضمن رقم الهجمات الأربع والعشرين الذي أوردته المنظمة.
وتحذر المنظمات الإنسانية من أن مطار عدن يمثل أحد أهم منافذ دخول العاملين في الإغاثة والمستلزمات الطبية إلى جنوب اليمن، وأن اضطراب الملاحة فيه يضيف أعباء جديدة على العمليات الإنسانية.
هل ينقل الحوثيون نموذج الهجمات على السعودية إلى الداخل اليمني؟
يشير تحليل «ACLED» إلى وجود تشابه بين العمليات الحوثية الأخيرة داخل اليمن والهجمات التي نفذتها الجماعة خلال الأشهر الماضية على منشآت سعودية، بينها المطارات ومرافق الطاقة.
ففي الحالتين، تُستخدم وسائل قتالية بعيدة المدى لاستهداف منشآت ذات أهمية سياسية أو اقتصادية أو لوجستية، بدل الاقتصار على الاشتباكات المباشرة مع القوات العسكرية.
وخلال أكتوبر، اتهم التحالف الذي تقوده السعودية الحوثيين بتنفيذ عشرات الهجمات على منشآت داخل المملكة، بينها مطارات ومرافق للطاقة.
ويرى الباحث شيروان هندرين علي أن الهجمات على البنية التحتية السعودية رفعت مستوى التهديد الذي تمثله الجماعة في الحسابات الإقليمية، وأن استمرار استهداف المنشآت اليمنية قد ينتج تأثيرًا مماثلًا داخل البلاد.
وتتمثل الفكرة الأساسية لهذا التحول في أن المدن البعيدة عن الجبهات لم تعد بالضرورة خارج نطاق العمليات العسكرية، وأن استخدام الصواريخ والمسيّرات يسمح بممارسة الضغط دون الحاجة إلى التقدم البري نحوها.
غير أن التحليل لا يثبت أن هذه العمليات جزء من خطة عسكرية معلنة ومحددة المراحل، وإنما يقدم قراءة لاتجاه الهجمات التي رصدتها المنظمة خلال الأشهر الأخيرة.
تهديد يتجاوز المواقع العسكرية
لا تقتصر تداعيات هذا النمط من العمليات على القوات الحكومية أو المقرات العسكرية المستهدفة، إذ يمكن أن تمتد إلى الملاحة الجوية وحركة المدنيين والإمدادات الإنسانية.
وتبرز أهمية مطار عدن في كونه منفذًا رئيسيًا لجنوب اليمن، يعتمد عليه المسافرون والمرضى والعاملون في المجال الإنساني، إضافة إلى حركة المساعدات والمستلزمات الطبية.
وقد حذرت منظمة أطباء بلا حدود، في 27 أكتوبر، من المخاطر التي تواجه حركة الإغاثة، بعدما اضطر عاملون إنسانيون إلى الاحتماء أثناء وجود إحدى طائرات المنظمة قرب الإقلاع، إثر سقوط صاروخ في محيط المطار قبل ذلك بأيام.
ويزيد استمرار استهداف هذه المنشآت من احتمالات توقف الخدمات واضطراب الإمدادات، في بلد يعاني أصلًا من أزمة إنسانية حادة.
وبموجب القانون الدولي الإنساني، تلتزم جميع الأطراف بالتمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين. ولا يجعل الادعاء بوجود استخدام عسكري داخل منشأة مدنية أي هجوم عليها مشروعًا تلقائيًا.
مرحلة جديدة في الحرب اليمنية
تكشف بيانات «ACLED» أن التغيير في العمليات الحوثية لا يتعلق فقط بزيادة عدد الهجمات، بل باتساع نطاقها الجغرافي واختيار أهداف قد يترتب على ضربها تأثير يتجاوز النتائج العسكرية المباشرة.
فاستهداف مقر الحكومة في عدن يحمل تداعيات سياسية وأمنية، بينما يؤدي استهداف المطارات إلى تهديد حركة الطيران والخدمات والإمدادات التي تعتمد عليها مناطق واسعة من البلاد.
وفي الوقت نفسه، يعكس هذا النمط اعتمادًا متزايدًا على قدرات الضربات بعيدة المدى، بما يتيح للجماعة الوصول إلى مناطق لا تستطيع قواتها البرية بلوغها بسهولة.
وتخلص قراءة «ACLED» إلى أن استهداف عدن والمكلا قد يمثل بداية اتساع مستمر لدائرة التهديد الحوثي داخل اليمن، على غرار ما شهدته السعودية من عمليات استهدفت منشآت استراتيجية.
لكن حجم تأثير هذه الاستراتيجية على موازين الحرب يبقى غير محسوم، خصوصًا في ظل استمرار القتال البري وتبدل السيطرة على المناطق والجبهات.
ومع تكرار الهجمات على المطارات والمنشآت الحكومية، يصبح التحدي أمام اليمنيين أكبر من مجرد اتساع خريطة المعارك؛ إذ باتت المرافق التي يعتمد عليها المدنيون في التنقل والعلاج ووصول المساعدات عرضة للتعطيل، حتى بعيدًا عن الجبهات التي تدور فيها الاشتباكات المباشرة.
المصدر الأساسي: منظمة ACLED، تحليل شيروان هندرين علي، 28 أكتوبر 2026، مع تحديثات ميدانية موثقة حتى 28 أكتوبر.






