احتجاجات على غلاء المعيشة وأزمة التعليم تتحول إلى مواجهات واعتقالات واسعة، فيما يثير هجوم دموي بدوافع عنصرية مخاوف متزايدة بشأن خطاب الكراهية والتوترات داخل المجتمع الفرنسي.
تعيش فرنسا على وقع اضطرابات اجتماعية وتوترات أمنية متصاعدة، بعدما خرج مئات الآلاف إلى الشوارع احتجاجًا على ارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور الخدمات التعليمية، في مظاهرات شهدت مواجهات مع الشرطة واعتقالات واسعة، وذلك بعد يوم واحد من هجوم مسلح في ضواحي باريس أسفر عن مقتل شاب وإصابة خمسة أشخاص، بينهم طفلة، وسط تحقيقات في دوافع عنصرية يُشتبه في ارتباطها بالكراهية ضد العرب والمسلمين.
وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون ضغوطًا متزايدة، مع اتساع الاحتجاجات من مطالب طلابية محدودة إلى حركة اجتماعية تشمل نقابات وعمالًا وشرائح مختلفة من المجتمع الفرنسي.
مئات الآلاف في الشوارع.. احتجاجات تتحول إلى مواجهات
شهدت فرنسا، السبت 24 أكتوبر، مظاهرات في أنحاء البلاد، شارك فيها نحو 410 آلاف شخص، وفق تقديرات وزارة الداخلية الفرنسية، بينهم 110 آلاف في باريس وحدها.
في المقابل، قدّر الاتحاد العام للعمل (CGT) عدد المشاركين بنحو 800 ألف متظاهر، منهم 250 ألفًا في العاصمة، في اختلاف كبير يعكس التباين المعتاد بين أرقام السلطات والنقابات المنظمة.
وانطلقت الاحتجاجات للمطالبة بزيادة تمويل المدارس وتوفير المعلمين وتحسين المرافق التعليمية، قبل أن تتسع لتشمل قضايا اقتصادية واجتماعية، أبرزها غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الطاقة والسكن، والمطالبة بزيادة الأجور وتحسين الخدمات العامة.
وكانت الحركة الاحتجاجية قد بدأت أواخر سبتمبر الماضي بتحركات طلابية اعتراضًا على نقص الموظفين وتدهور الظروف التعليمية في إحدى المدارس الثانوية بضواحي باريس، ثم امتدت تدريجيًا إلى مناطق أخرى، قبل أن تنضم إليها نقابات عمالية وحركات اجتماعية.
ورغم أن معظم المظاهرات جرت بصورة سلمية، فقد اندلعت مواجهات بين مجموعات من المحتجين والشرطة مع انتهاء المسيرات، خصوصًا في باريس ومرسيليا، حيث استخدمت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه والقنابل الصوتية لتفريق مجموعات ألقت الحجارة والمقذوفات باتجاه عناصر الشرطة.
وامتدت الاضطرابات إلى مدن أخرى، بينها ليون وبوردو وستراسبورغ ونانت، مع تسجيل أعمال تخريب ونهب في بعض المناطق.
وأعلن وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز تنفيذ نحو ألف عملية توقيف خلال يوم السبت، مشيرًا إلى أن العدد قد يرتفع مع استكمال البيانات.
وكانت السلطات قد حشدت نحو 70 ألف شرطي ودركي، مدعومين بآليات مدرعة ومروحيات، لمنع تكرار أعمال العنف والنهب التي رافقت مظاهرات 17 أكتوبر، والتي شارك فيها 550 ألف شخص وفق تقديرات وزارة الداخلية.
وفي باريس، أُغلقت أكثر من عشرين محطة مترو، وأوقفت مؤسسات ثقافية بارزة، بينها متحف اللوفر ومتحف أورسي، استقبال الزوار بصورة احترازية، بينما عمد أصحاب متاجر إلى حماية واجهات محالهم خشية أعمال التخريب.
هجوم عنصري يهز ضواحي باريس

وبالتزامن مع هذه الاضطرابات، لا تزال فرنسا تحت وقع الصدمة إثر هجوم مسلح وقع صباح الجمعة 23 أكتوبر في بلدتي تراب (Trappes) ولا فيريير (La Verrière)، غرب باريس.
وأطلق المشتبه به النار من سيارته باستخدام سلاح آلي على أشخاص في مواقع متفرقة، خلال هجوم استمر نحو ربع ساعة، ما أسفر عن مقتل شاب يبلغ من العمر 26 عامًا وإصابة خمسة آخرين، بينهم طفلة تبلغ 12 عامًا تعرضت لإصابات خطيرة.
وحدّد نادٍ للفنون القتالية هوية القتيل بأنه بينغو بوسيو وانغي (Pengo Bossio Wangi)، أحد ممارسي الفنون القتالية المختلطة، ونعاه في بيان أشاد فيه بأخلاقه وعلاقته بزملائه.
وتمكنت الشرطة الفرنسية من اعتقال المشتبه به، البالغ من العمر 39 عامًا، في بلدة كوانيير القريبة، قبل أن تتولى النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب التحقيق في الهجوم.
المشتبه به يتحدث عن الانتقام من الاحتجاجات.. ويستهدف العرب والسود
وفي تطور أثار جدلًا واسعًا، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية، استنادًا إلى مصادر مطلعة على التحقيق، أن المشتبه به أبلغ عناصر الشرطة عقب اعتقاله بأنه أراد الانتقام لأصحاب المتاجر الذين تعرضوا للنهب والتخريب خلال احتجاجات 17 أكتوبر.
لكن التحقيقات الأولية تشير إلى أنه تعمد استهداف أشخاص من ذوي البشرة السوداء والأصول العربية، لا أشخاص ثبتت مشاركتهم في أعمال العنف.
وبحسب الصحيفة، أظهرت المعاينات الأولية أن مطلق النار اختار ضحاياه على أساس مظهرهم العرقي، وأطلق عليهم النار من سيارته أثناء تنقله بين البلدتين.
كما عثرت الشرطة خلال تفتيش منزله على نسخة من كتاب «كفاحي» لأدولف هتلر، فضلًا عن جهاز مفخخ يتكون من أسطوانات غاز وأسلاك موصولة بمؤقت.
ويحقق المحققون في احتمال ارتباط المشتبه به بأوساط يمينية متطرفة، دون ثبوت صلة تنظيمية حتى الآن.
مخاوف من تصاعد معاداة الإسلام وخطاب الكراهية
ووصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الهجوم بأنه عمل إرهابي عنصري، معتبرًا أن الضحايا استُهدفوا بسبب لون بشرتهم أو انتمائهم الديني المفترض.
من جانبه، قال رئيس بلدية تراب، علي رباح، إن الهجوم يحمل طابعًا عنصريًا، وربما معاديًا للإسلام، محذرًا من خطورة الخطابات التي تُحمّل العرب والمسلمين مسؤولية المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية التي تواجهها فرنسا.
كما أثار الهجوم غضبًا وخوفًا بين سكان المنطقة، خصوصًا المنحدرين من أصول إفريقية وعربية، الذين عبّر بعضهم لوسائل الإعلام الفرنسية عن قلقهم من تحول الخطابات العدائية إلى اعتداءات تستهدف الأشخاص في الأماكن العامة.
وتحقق النيابة المختصة بمكافحة الإرهاب في جرائم القتل ومحاولات القتل المرتبطة بالإرهاب، مع الاشتباه في ارتكابها بسبب الانتماء العرقي أو الإثني أو الديني الحقيقي أو المفترض للضحايا.
ولم يصدر حتى الآن حكم قضائي نهائي يحدد دوافع الهجوم أو يثبت وجود ارتباط تنظيمي للمشتبه به.
توترات سياسية واجتماعية قبل نهاية عهد ماكرون

وتكشف الاحتجاجات المتواصلة عن عمق الاستياء الاجتماعي في فرنسا، حيث تتقاطع مطالب تحسين التعليم والخدمات العامة مع المخاوف من تراجع القدرة الشرائية واتساع الفوارق الاقتصادية.
وأصبحت هذه الاحتجاجات تحديًا سياسيًا للحكومة مع اقتراب انتهاء الولاية الرئاسية لماكرون في عام 2027.
وانتقدت زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان أداء الحكومة في مواجهة الاضطرابات، بينما أعلن زعيم اليسار جان لوك ميلانشون دعمه لمطالب المحتجين، وانتقد أساليب التعامل الأمني مع بعض المظاهرات.
وفي الوقت نفسه، أعاد الهجوم الذي شهدته ضواحي باريس قضية العنصرية والكراهية ضد الأقليات إلى صدارة النقاش العام، وطرح تساؤلات بشأن مسؤولية الخطاب السياسي والإعلامي في تشكيل التصورات العدائية تجاه المهاجرين والمسلمين.
ورغم أن الهجوم المسلح والمظاهرات حدثان منفصلان، فإن تصريحات المشتبه به التي نقلتها «لوموند» بشأن الانتقام من أعمال النهب، إلى جانب استهداف ضحايا بناءً على مظهرهم، أضفت بُعدًا جديدًا على النقاش بشأن العلاقة بين الاضطرابات الاجتماعية والتحريض العنصري.
وتقف فرنسا أمام تحديات متزامنة تتمثل في الاستجابة لمطالب المحتجين، وضمان الأمن العام، ومواجهة العنف العنصري، في وقت يتصاعد فيه الاستقطاب السياسي والاجتماعي قبيل الانتخابات الرئاسية المقبلة.







