شهدت سوريا خلال الساعات الأخيرة سلسلة من الحوادث التي أودت بحياة مدنيين، معظمهم أطفال، مع استمرار خطر الألغام والذخائر غير المنفجرة في المناطق السكنية والزراعية، بالتزامن مع توغلات إسرائيلية جديدة في محافظتي درعا والقنيطرة واعتقال مدنيين، فيما أضافت السيول والفيضانات ضحايا جددًا إلى معاناة السكان في شمال البلاد وشرقها.
ثلاثة أطفال قتلى وستة مصابين بمخلفات الحرب
أفادت وكالة الأنباء السورية «سانا» بمقتل ثلاثة أطفال وإصابة ستة آخرين، يوم الجمعة 30 أكتوبر/تشرين الأول 2026، جراء ثلاثة انفجارات منفصلة لألغام أرضية وذخائر عنقودية من مخلفات الحرب، في محافظات درعا والحسكة وحماة.
ففي بلدة خربة غزالة بريف درعا، انفجر لغم أرضي من مخلفات النظام السابق، ما أدى إلى مقتل طفل وإصابة آخر.
وقال مدير صحة درعا خالد العميان إن الطفلين نُقلا إلى مستشفى درعا الوطني، حيث قدمت الفرق الطبية الإسعافات اللازمة، لكن أحدهما فارق الحياة متأثرًا بإصابته.
وفي قرية أم الكيف بمنطقة تل تمر في ريف الحسكة الغربي، أسفر انفجار لغم أرضي آخر عن مقتل طفل وإصابة طفلين يبلغان من العمر 10 و11 عامًا، ونُقلا إلى أحد المستشفيات لتلقي العلاج في العناية المركزة، وفق مدير الصحة في الحسكة خالد الخالد.
أما في مدينة اللطامنة بريف حماة الشمالي، فقد انفجرت قنبلة عنقودية داخل حديقة منزل كان يلعب فيها أطفال، ما أدى إلى مقتل طفل يبلغ ست سنوات وإصابة ثلاثة آخرين تتراوح أعمارهم بين أربع وخمس سنوات.
وأوضح مدير مستشفى الوسام في كفرزيتا، عبد الحميد القدور، أن أحد الأطفال المصابين نُقل إلى مستشفى حماة لخطورة حالته، بينما وُصفت حالة الطفلين الآخرين بالمستقرة.
وتؤكد هذه الحوادث استمرار الخطر الذي تشكله الألغام والذخائر غير المنفجرة على المدنيين، خصوصًا الأطفال الذين قد يعثرون على هذه الأجسام في الحدائق والمنازل والحقول دون إدراك خطورتها.
وبحسب بيانات نقلتها «سانا»، تمكنت وحدات الهندسة في الجيش السوري من تفكيك وإتلاف أكثر من 110 آلاف جسم متفجر في عدد من المحافظات خلال الفترة من مطلع عام 2026 حتى أبريل/نيسان، غير أن مساحات واسعة ما زالت بحاجة إلى المسح والتطهير.
توغلات إسرائيلية في درعا والقنيطرة واعتقال خمسة مدنيين
وفي جنوب سوريا، واصلت القوات الإسرائيلية عمليات التوغل داخل الأراضي السورية، يوم السبت 31 أكتوبر، حيث تقدمت آليات عسكرية إلى منطقة وادي الرقاد بريف درعا الغربي، بالتزامن مع تحركات عسكرية في ريف القنيطرة.
وأفادت «سانا» بأن قوة إسرائيلية تضم ثلاث دبابات تقدمت إلى وادي الرقاد، بالتزامن مع تحرك رتل عسكري مكون من ست آليات من ثكنة الجزيرة قرب قرية معرية، مرورًا بقرية عابدين في منطقة حوض اليرموك.
وذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان أن الرتل مرّ وسط قرية عابدين قبل مواصلة طريقه نحو وادي الرقاد، دون ورود معلومات عن اعتقالات أو إصابات جراء هذه الحركة تحديدًا.
وفي محافظة القنيطرة، أفادت «سانا» بأن القوات الإسرائيلية اعتقلت خمسة مدنيين خلال عمليات توغل منفصلة في الريف الشمالي.
وذكرت الوكالة أن قوة من ثماني آليات عسكرية تقدمت على الطريق الواصل بين قرية أوفانيا وبلدة خان أرنبة، وأقامت حاجزًا واعتقلت أربعة مدنيين كانوا يعملون في قطاف الزيتون.
وأطلقت القوات لاحقًا سراح اثنين منهم أثناء انسحابها، بينما نقلت الاثنين الآخرين إلى موقع عسكري في الحميدية، وفق الوكالة.
وفي حادثة منفصلة، توغلت قوة إسرائيلية من خمس آليات في قرية الحرية شمال القنيطرة، وفتشت منازل مدنيين واعتقلت أحد السكان، دون إعلان واضح عن مصيره حتى وقت نشر التقارير.
وتأتي هذه العمليات ضمن سلسلة توغلات إسرائيلية متكررة في الجنوب السوري، تتخللها إقامة حواجز وتفتيش السكان ومداهمة المنازل والاعتقالات وتجريف الأراضي.
وكانت الشبكة السورية لحقوق الإنسان قد وثقت، في تقرير أصدرته يوم 8 أكتوبر، ما لا يقل عن 453 عملية توغل بري إسرائيلية داخل سوريا منذ 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 وحتى 6 أكتوبر 2026، إضافة إلى مقتل 69 شخصًا على الأقل وتسجيل 162 حالة اعتقال تعسفي، بحسب بياناتها.
وتؤكد دمشق أن هذه العمليات تمثل انتهاكًا لسيادتها ولاتفاق فض الاشتباك لعام 1974، مطالبةً بوقف التوغلات والانسحاب من الأراضي السورية.
السيول تقتل ثمانية أشخاص وتدفع مئات الأسر إلى الإخلاء
وبالتزامن مع مخاطر الحرب والتوغلات العسكرية، شهدت محافظات سورية عدة أمطارًا غزيرة تسببت في سيول وفيضانات وانقطاع طرق وتضرر منازل ومخيمات للنازحين.
وأعلن وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح، في أحدث حصيلة نقلتها «سانا» يوم السبت 31 أكتوبر، وفاة ثمانية أشخاص، بينهم خمسة أطفال قضوا غرقًا، ورجل توفي في حادث سير ناجم عن السيول.
وأوضح أن فرق الدفاع المدني أنقذت 60 مدنيًا حاصرت المياه مركباتهم، فيما تواصل البحث عن أربعة مفقودين.
كما نفذت فرق الطوارئ أكثر من 550 عملية استجابة ميدانية في محافظات عدة، بعد تلقي أكثر من 900 بلاغ استغاثة، شملت عمليات إنقاذ وإخلاء وفتح طرق وتصريف مياه.
وأُخليت 375 أسرة من مخيمات في محافظة الرقة، كما أُخليت مدرستان تضمان أكثر من 350 طالبًا، وتدخلت فرق الطوارئ في مخيمات بريفَي حلب وإدلب، إضافةً إلى التعامل مع المياه التي غمرت نحو 250 منزلًا ومرفقًا عامًا.
وتكشف هذه التطورات هشاشة الأوضاع المعيشية للنازحين، الذين يواجهون أخطار الأمطار والسيول في مخيمات ومساكن تفتقر إلى البنية التحتية الكافية، بالتزامن مع استمرار آثار الحرب.
المدنيون بين أخطار الحرب والكوارث الطبيعية

تعكس الوقائع الأخيرة تعدد المخاطر التي تواجه المدنيين في سوريا؛ فالألغام والذخائر غير المنفجرة تواصل حصد أرواح الأطفال بعد سنوات من المعارك، والتوغلات العسكرية الإسرائيلية تفرض مخاطر إضافية على سكان الجنوب، بينما تضرب السيول مناطق يعيش فيها نازحون وأسر فقدت الكثير من مقومات الحياة.
وفي الوقت الذي تستمر فيه جهود إزالة مخلفات الحرب، تبرز الحاجة إلى توسيع عمليات المسح والتطهير، وتوعية السكان بمخاطر الأجسام المتفجرة، وتأمين المناطق التي يرتادها الأطفال.
كما تظل حماية السكان في درعا والقنيطرة، ومنع الاعتقالات التعسفية والتوغلات داخل القرى، من القضايا الإنسانية والأمنية الملحة، إلى جانب توفير المأوى الآمن للنازحين المتضررين من الفيضانات.
وبين الألغام التي خلفتها الحرب، والتوغلات العسكرية المتواصلة، والكوارث الطبيعية التي تضرب مخيمات النزوح، يدفع المدنيون السوريون، ولا سيما الأطفال، ثمن أزمات متلاحقة تستدعي إجراءات عاجلة لحماية الأرواح واستعادة الأمن والخدمات الأساسية.








