من الهند والصين إلى إثيوبيا وروسيا وأوروبا والأميركيتين، يعيش مئات الملايين من المسلمين خارج الدول ذات الأغلبية المسلمة. وبعض هذه المجتمعات أقدم من دولها الحديثة نفسها، وبعضها تشكّل بفعل الهجرة خلال العقود الأخيرة، فيما تعيش جماعات أخرى أوضاعًا استثنائية تتصل بالمواطنة أو التمييز أو النزوح وانعدام الجنسية. هذه دراسة لخريطة الحضور الإسلامي خارج فضاء الأغلبية، وحجمه، وتنوعه، وأبرز التحديات التي تواجهه.
عندما يُذكر «العالم الإسلامي»، تتجه الأنظار غالبًا إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أو إلى دول مثل إندونيسيا وباكستان وبنغلاديش. لكن هذه الصورة لا تكشف إلا جانبًا من التوزيع الحقيقي للمسلمين على الكرة الأرضية. فالإسلام دين عالمي، وجزء ضخم من أتباعه يعيش في دول لا يشكل المسلمون فيها أغلبية السكان.
وبحسب أحدث إعادة بناء شاملة للخريطة الدينية العالمية نشرها مركز «بيو» للأبحاث، بلغ عدد المسلمين (بشكل عام من المنتسبين للإسلام، دون تمييز حقيقة انتمائهم للإسلام) نحو 2.02 مليار نسمة في عام 2020م، أي نحو 25.6% من سكان العالم. وارتفع عددهم بنحو 347 مليون شخص خلال عقد واحد، ليكون الإسلام أسرع الديانات الكبرى نموًا خلال الفترة من 2010 إلى 2020. والأهم في موضوعنا أن نحو 21% من مسلمي العالم يعيشون كأقلية دينية داخل بلدانهم؛ أي ما يوازي، بالتقريب، أكثر من 400 مليون مسلم. كما أن المسلمين يشكلون أغلبية في 53 دولة وإقليمًا فقط، بينما ينتشر الباقون عبر عشرات الدول الأخرى.
وهناك حقيقة جغرافية أخرى تقلب التصور الشائع: 59% من مسلمي العالم يعيشون في آسيا والمحيط الهادئ، وليس في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ففي 2020 كان في آسيا والمحيط الهادئ نحو 1.2 مليار مسلم، مقابل نحو 414 مليونًا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا و369 مليونًا في أفريقيا جنوب الصحراء. ولهذا فإن دراسة الأقليات المسلمة لا يمكن اختزالها في مسلمي أوروبا وأمريكا، على أهمية تلك المجتمعات.
ماذا نعني بـ«الأقلية المسلمة»؟
المقصود في هذه الدراسة بالدرجة الأولى هو المسلمون الذين يعيشون في دولة لا تتجاوز فيها نسبة المسلمين 50% من مجموع السكان. وهذا تعريف ديموغرافي، وليس حكمًا على وضعهم السياسي أو الاجتماعي؛ فقد يكون المسلمون 1% فقط في بلد ما، وقد يكونون 30 أو 40% ومع ذلك يظلون، على المستوى الوطني، أقلية.
كما أن كلمة «أقلية» لا تعني بالضرورة جماعة مهاجرة أو حديثة العهد بالبلد. فمسلمو الهند والصين وإثيوبيا وروسيا وسريلانكا وجنوب تايلاند، مثلًا، لهم جذور تاريخية طويلة، وفي بعض المناطق يشكل المسلمون أغلبية محلية رغم أنهم أقلية على المستوى الوطني. وفي المقابل، تشكلت نسبة كبيرة من المجتمعات المسلمة في أوروبا الغربية وكندا وأستراليا خلال موجات الهجرة الحديثة، ثم ظهرت أجيال ثانية وثالثة مولودة في تلك البلدان وتحمل جنسيتها.
وهذه التفرقة أساسية؛ لأن أوضاع أقلية تاريخية مرتبطة بأرض وهوية ولغة محلية قد تختلف جذريًا عن أوضاع جالية مهاجرة، كما تختلف حالة مواطنين يتمتعون بجميع حقوق الجنسية عن حالة جماعة عديمة الجنسية مثل الروهينجا.
كذلك ينبغي التعامل بحذر مع الأرقام. فبعض الدول تسجل الدين في تعدادها السكاني، وبعضها ـ مثل فرنسا ـ لا يجري تعدادًا دينيًا شاملًا بالطريقة نفسها، بينما لا تقدم دول أخرى بيانات حديثة أصلًا. وقد بنى «بيو» تقديراته العالمية على أكثر من 2700 تعداد ومسح ومصدر إحصائي تغطي 201 دولة وإقليمًا تمثل 99.98% من سكان العالم، لكنه يشدد على أن أعداد المنتمين إلى الأديان تظل تقديرات تقريبية ويجب ألا تُقرأ بدقة زائفة.

وهذه الأرقام ليست قائمة شاملة لكل الأقليات، وإنما مفاتيح لأهم التجمعات أو أكثرها دلالة. فهناك أيضًا ملايين المسلمين في دول أفريقية مثل كينيا وغانا والكاميرون وموزمبيق وساحل العاج وموريشيوس، وفي دول أوروبية مثل إيطاليا وإسبانيا وبلجيكا وهولندا والسويد والنمسا وسويسرا، إضافة إلى مجتمعات أصغر في أمريكا اللاتينية واليابان وكوريا الجنوبية ونيوزيلندا وغيرها.
الهند.. أكبر أقلية مسلمة على وجه الأرض

الهند هي الحالة الأوضح على أن مصطلح «الأقلية» قد يكون مضللًا إذا فُهم بمعنى العدد الصغير. فقد قدّر «بيو» عدد المسلمين فيها عام 2020 بنحو 213 مليونًا، أي قرابة 15% من السكان، ما يجعل الهند ضمن الدول الثلاث صاحبة أكبر عدد من المسلمين عالميًا في ذلك العام إلى جانب إندونيسيا وباكستان، رغم أن الهند دولة ذات أغلبية هندوسية. وهي الدولة الوحيدة بين أكبر عشر دول في العالم من حيث عدد المسلمين التي لا يشكل فيها الإسلام أغلبية السكان.
والوجود الإسلامي في شبه القارة الهندية ليس ثمرة هجرة حديثة؛ بل يمتد عبر قرون من التاريخ السياسي والتجاري والثقافي. ويعيش المسلمون اليوم في مختلف الولايات، مع كثافات متفاوتة، ويشكلون عنصرًا أصيلًا في المجتمع الهندي ولغاته وثقافاته.
لكن الحجم السكاني الكبير لا يعني انتفاء مشكلات الأقلية. فقد وجه مقررو الأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2024 رسالة إلى الحكومة الهندية بشأن اتهامات عن خطاب كراهية وتحريض على العنف والمقاطعة ضد الأقلية المسلمة. كما وثقت منظمة العفو الدولية 128 عملية هدم لممتلكات في خمس ولايات خلال فترة درستها من عام 2022، قالت إنها أثرت في 617 شخصًا على الأقل واعتبرتها عمليات هدم عقابية استهدفت مسلمين. وتظل هذه توصيفات صادرة عن الجهات الأممية والحقوقية المذكورة، وليست إحصاءً عامًا لكل تجارب مسلمي الهند التي قد تنقل صورة أكثر مأساوية.
ومن ثم تمثل الهند في خريطة الأقليات حالة شديدة الأهمية: كتلة سكانية إسلامية هائلة، متجذرة تاريخيًا، ولكنها تعيش داخل نظام سياسي واجتماعي يضطهدها، حيث تكون فيه الأغلبية الهندوسية مختلفة عنها.
الصين.. الهوي والإيغور وتعدد التجارب الإسلامية

الصين بدورها حالة معقدة؛ لأن «المسلمين في الصين» ليسوا جماعة إثنية واحدة. ويشير مركز بيو إلى عشر مجموعات قومية ارتبطت تاريخيًا بالإسلام، أكبرها الهوي والإيغور. ويتركز المسلمون خصوصًا في شينجيانغ (تركستان الشرقية) ونينغشيا وقانسو وتشينغهاي، مع وجود الهوي في مناطق أخرى واسعة من البلاد.
ويقدّر «بيو» عدد المسلمين البالغين بنحو 17 مليونًا، بينما يؤدي احتساب أفراد القوميات العشر ذات التراث الإسلامي إلى تقدير يقارب 18 مليون بالغ في 2020. وتأتي الفروق لأن الانتماء القومي لا يساوي دائمًا الانتماء الديني: فليس كل فرد من قومية ذات تراث إسلامي بالضرورة مسلمًا ممارسًا أو معرّفًا لنفسه بهذه الصفة، كما توجد أعداد محدودة من المسلمين بين قومية الهان.
وتختلف أوضاع الهوي والإيغور جذريًا. ففي شينجيانغ (تركستان الشرقية)، خلص تقييم أصدرته مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عام 2022 إلى أن نطاق الاعتقال التعسفي والتمييزي الذي طال الإيغور وغيرهم من الجماعات ذات الغالبية المسلمة قد يرقى إلى جرائم دولية، وبخاصة جرائم ضد الإنسانية. في المقابل، ترفض الحكومة الصينية هذه الاتهامات، وتقول إن سياساتها في شينجيانغ استهدفت الإرهاب والتطرف وإن الاتهامات بوجود اضطهاد ديني أو معسكرات إعادة تعليم بالصورة التي يصفها منتقدوها غير صحيحة. ومع ذلك لم تتمكن بكين من دحض التوثيقات الحقوقية التي تشير مجمتمعة إلى حقيقة إبادة مكتملة الأركان بحق المسلمين تجري في تركستان الشرقية.
الروهينجا.. عندما تجتمع الأقلية الدينية مع انعدام الجنسية

تمثل قضية الروهينجا أحد أشد النماذج تعقيدًا في خريطة الأقليات المسلمة. ففي تعداد ميانمار لعام 2014 بلغت النسبة المسجلة للمسلمين 4.3% من السكان، لكن بيانات البلاد الدينية لا تستطيع وحدها تفسير قضية الروهينجا، بالنظر إلى مشكلات الإحصاء والاستبعاد والنزوح اللاحق.
وتصف مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الروهينجا بأنهم أقلية عرقية حُرمت من الجنسية في ميانمار، ما جعلهم أكبر تجمع من عديمي الجنسية في العالم. ومعظم اللاجئين الموجودين في بنغلاديش فروا خلال موجة العنف الكبرى عام 2017. وبحلول 30 يونيو/حزيران 2026 بلغ عدد لاجئي الروهينجا المسجلين في بنغلاديش نحو 1.2 مليون شخص، بينهم أكثر من 1.166 مليون في منطقة كوكس بازار ونحو 33.8 ألفًا في جزيرة بهاسان شار.
وهنا تصبح المسألة أوسع من حرية ممارسة الدين؛ فهي ترتبط بالجنسية، والاعتراف القانوني، والأرض، والأمن، والعودة، والحصول على التعليم والعمل والخدمات الأساسية.
جنوب شرق آسيا.. أقليات قد تتحول إلى أغلبيات محلية

في الفلبين، أحصى تعداد 2020 نحو 6.98 ملايين مسلم، يمثلون 6.4% من السكان. وعلى المستوى الوطني يبدو الرقم محدودًا نسبيًا، لكن الواقع الجغرافي مختلف؛ إذ يرتبط الإسلام تاريخيًا بمينداناو وأرخبيل سولو ومجتمعات مورو، وأدت عقود من الصراع والمفاوضات إلى نشوء منطقة بانغسامورو ذاتية الحكم.
وفي تايلاند، يمثل المسلمون نحو 5.4% من السكان بحسب مسح رسمي لعام 2018. ويتركز الوجود الإسلامي التاريخي خصوصًا في أقصى الجنوب، حيث تتداخل الهوية الدينية مع الهوية الملايوية المحلية. وهذا مثال آخر على أهمية التمييز بين النسبة الوطنية والخريطة الإقليمية: ما يبدو أقلية صغيرة عند حساب سكان الدولة كلها قد يكون مكوّنًا رئيسيًا أو أغلبية في منطقة بعينها.
أما سريلانكا، فأظهر تعداد 2024 ـ الذي نُشرت نتائجه النهائية في 2026 ـ وجود 2,337,379 مسلمًا، يمثلون 10.7% من السكان، مقارنة بـ9.7% في 2012. وهذه من أحدث البيانات الرسمية المتاحة لأي أقلية مسلمة كبيرة في آسيا.
أفريقيا جنوب الصحراء.. خريطة لا تقل أهمية عن آسيا

يُغفل كثير من الخرائط الإعلامية حجم الإسلام خارج الدول الأفريقية ذات الأغلبية المسلمة. فقد كان في أفريقيا جنوب الصحراء نحو 369 مليون مسلم في 2020، وهي بذلك ثالث أكبر منطقة في العالم من حيث عدد المسلمين بعد آسيا والمحيط الهادئ والشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وتبرز إثيوبيا بوصفها واحدة من أهم الحالات. فأحدث تعداد ديني رسمي شامل ما زال تعداد 2007، وقد سجل المسلمين عند 34% من السكان. ومع أن هذا الرقم قديم ولا يجوز إسقاطه آليًا على 2026، فإن عدد سكان البلاد الكبير يعني أن المسلمين الإثيوبيين يشكلون واحدًا من أكبر التجمعات الإسلامية الواقعة خارج دول الأغلبية المسلمة. ويشير تقرير ديموغرافي أحدث إلى أن مراقبين يرون أن نسبة المسلمين قد ارتفعت منذ تعداد 2007، إلا أنه لا يوجد تعداد جديد يسمح بتحديد مقدار التغير بثقة.
وتحمل إثيوبيا كذلك مكانة استثنائية في التاريخ الإسلامي المبكر، بما يضيف إلى المجتمع المسلم فيها عمقًا تاريخيًا يختلف تمامًا عن نموذج الجاليات المهاجرة الحديثة.
أما تنزانيا، فتقدر مصادر مستخدمة في تقارير الحرية الدينية نسبة المسلمين فيها بنحو 34%، مع تركّز تاريخي كبير على الساحل. والمفارقة الجغرافية الأبرز أن زنجبار مسلمة بنحو 99%، مع أنها جزء من دولة يشكل المسلمون فيها أقلية على المستوى الوطني.
وفي موزمبيق يمثل المسلمون كتلة تاريخية مهمة، خصوصًا في الشمال والمناطق الساحلية، وتضع تقديرات رسمية سابقة نسبتهم في حدود خُمس السكان تقريبًا.
وتوجد تجمعات مهمة كذلك في ساحل العاج والكاميرون وغانا وكينيا وأوغندا ومالاوي وموريشيوس وجنوب أفريقيا. وتكشف هذه الأمثلة أن الحدود السياسية الحديثة لا تتطابق دائمًا مع الخرائط الدينية؛ فطرق التجارة القديمة والهجرات الداخلية والممالك التاريخية جعلت الإسلام ممتدًا في أحزمة جغرافية تعبر الحدود الحالية.
ومن المهم استبعاد نيجيريا من تعريف «الأقلية المسلمة» وفق معيار هذه الدراسة، رغم أنها كثيرًا ما ترد في خرائط قديمة باعتبار المسلمين فيها قريبين من نصف السكان؛ فالتقديرات الأحدث لمركز بيو تضع المسلمين عند 56.1% في 2020، أي نحو 120 مليون نسمة، ومن ثم تعد نيجيريا، وفق هذه البيانات، دولة ذات أغلبية مسلمة وإن كانت شديدة التقارب الديني بين المسلمين والنصارى.
روسيا.. أقلية تاريخية ضخمة يصعب إحصاؤها

الإسلام ليس وافدًا جديدًا إلى روسيا، بل هو جزء قديم من تاريخ حوض الفولغا والقوقاز وشمال أوراسيا. وتشمل الخريطة الإسلامية الروسية التتار والبشكير وشعوب شمال القوقاز، فضلًا عن ملايين المهاجرين والعمال القادمين من دول آسيا الوسطى.
لكن تحديد عدد المسلمين في روسيا بدقة أمر صعب، لأن التعداد لا يقدم رقمًا دينيًا مباشرًا يمكن الاعتماد عليه. ووجد استطلاع لمركز «ليفادا» نُشر في 2023 أن 7% من المستطلعين وصفوا أنفسهم بالمسلمين، بينما تقدم المؤسسات الإسلامية الروسية تقديرات أعلى بكثير؛ فقد ذكر رئيس الإدارة الدينية لمسلمي روسيا في تقدير سابق أن العدد يصل إلى 25 مليونًا. كما تشير تقديرات إلى وجود ستة إلى سبعة ملايين مهاجر من آسيا الوسطى، غالبيتهم مسلمون. لذلك فإن أي رقم منفرد لمسلمي روسيا يجب التعامل معه بحذر.
ويتركز المسلمون تاريخيًا في شمال القوقاز ومنطقة الفولغا والأورال، إلى جانب تجمعات كبيرة في موسكو وسان بطرسبورغ ومدن سيبيرية. وهنا نرى مرة أخرى أن وصفهم بـ«أقلية» على مستوى الاتحاد الروسي لا يعكس كونهم أغلبية أو كتلة رئيسية في جمهوريات ومناطق بعينها.
أوروبا الغربية.. من «الجاليات» إلى مجتمعات أوروبية مستقرة

بلغت نسبة المسلمين من سكان أوروبا ككل نحو 6% في 2020. لكن الصورة تختلف بشدة من بلد إلى آخر؛ فهناك مجتمعات تاريخية في البلقان وروسيا، ومجتمعات تشكلت أساسًا بفعل الهجرة في أوروبا الغربية والشمالية.
في ألمانيا، قدّر المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين عدد المسلمين ذوي الخلفية المهاجرة من البلدان ذات الأغلبية المسلمة بما بين 5.3 و5.6 ملايين شخص في 2019، أي ما بين 6.4 و6.7% من السكان، مع بقاء ذوي الأصول التركية أكبر مجموعة منفردة، إلى جانب تنامٍ ملحوظ في التنوع العربي والآسيوي والبلقاني.
وفي فرنسا يصعب إعطاء رقم مطابق للتعدادات البريطانية مثلًا بسبب اختلاف طريقة جمع البيانات الدينية. وقد قدّر «بيو» المسلمين بنحو 9% من إجمالي السكان في 2020، بينما أظهر مسح مشترك لـINSEE وINED في 2019–2020 أن 10% من سكان فرنسا المتروبولية الذين تراوح أعمارهم بين 18 و59 عامًا عرّفوا أنفسهم بأنهم مسلمون، ليصبح الإسلام ثاني أكبر انتماء ديني في هذه الفئة بعد الكاثوليكية. ولا يصح تحويل نسبة المسح العمرية مباشرة إلى نسبة لكل سكان فرنسا من جميع الأعمار.
أما في إنجلترا وويلز، فقد وفر تعداد 2021 رقمًا أكثر مباشرة: 3.9 ملايين مسلم، يمثلون 6.5% من السكان، مقارنة بـ2.7 مليون و4.9% في تعداد 2011. أي أن المجتمع المسلم ازداد بنحو 1.2 مليون شخص خلال عقد واحد.
ولا يقتصر الحضور على الدول الثلاث. فقد أصبحت تجمعات المسلمين عنصرًا ثابتًا في التركيبة السكانية لبلجيكا وهولندا وإسبانيا وإيطاليا والسويد والنمسا وسويسرا والنرويج ودول أخرى.
لكن أوروبا تكشف أيضًا أن الاندماج القانوني والمواطنة لا يلغي بالضرورة التمييز الاجتماعي. ففي دراسة لوكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية شملت 9,604 مسلمين من المهاجرين وأبنائهم في 13 دولة أوروبية، قال 47% إنهم تعرضوا لشكل من أشكال التمييز العنصري خلال السنوات الخمس السابقة لمسح 2022، و35% خلال السنة السابقة. وينبغي قراءة الرقم ضمن نطاق الدراسة نفسها؛ فهو لا يعني أن 47% من جميع مسلمي أوروبا تعرضوا للتمييز، بل يخص العينة والفئات والبلدان التي شملها المسح.
وهذا التحول من «عمال مهاجرين» وجاليات مؤقتة إلى أجيال أوروبية مولودة في البلاد هو ربما أهم تغير طرأ على خريطة الإسلام الأوروبية خلال النصف قرن الأخير.
أمريكا الشمالية.. مجتمعات صغيرة نسبيًا وسريعة الترسخ

في كندا، يتيح التعداد الرسمي رؤية واضحة للتغير. فقد ارتفع المسلمون من 579,640 شخصًا، أي 2% من السكان، عام 2001، إلى 1,775,715 شخصًا، أي 4.9%، عام 2021. ويتركز العدد الأكبر في أونتاريو، حيث بلغ المسلمون نحو 943 ألفًا و6.7% من سكان المقاطعة، ثم كيبيك بأكثر من 421 ألفًا. كما أن متوسط عمر السكان المسلمين أقل من المتوسط الكندي؛ فقد كان العمر الوسيط لهم 30 عامًا في 2021 مقابل 41 عامًا لجميع السكان.
وفي الولايات المتحدة، لا يجمع التعداد السكاني الفيدرالي بيانات عن الانتماء الديني بالطريقة التي تفعلها بعض الدول، ولذلك تعتمد الأرقام على الدراسات الاستقصائية. ووجدت دراسة «المشهد الديني الأمريكي» لمركز بيو لعامي 2023–2024 أن 1.2% من البالغين الأمريكيين يعرفون أنفسهم بأنهم مسلمون.
والمجتمع المسلم الأمريكي شديد التنوع؛ فوفق الدراسة نفسها لا تشكل مجموعة عرقية واحدة أغلبية بين المسلمين: نحو 30% صُنّفوا آسيويين، و30% بيضًا وفق التصنيف الإحصائي الأمريكي، و20% سودًا، و11% من أصول لاتينية، فيما وُلد 59% من المسلمين البالغين خارج الولايات المتحدة. وهذا يميز التجربة الأمريكية عن كثير من التجارب الأوروبية التي ارتبط فيها الإسلام تاريخيًا بممرات هجرة محددة أكثر.
أستراليا والمحيط الهادئ

سجل تعداد أستراليا لعام 2021 813,392 مسلمًا، أي 3.2% من السكان، مقابل 604,244 مسلمًا و2.6% في 2016. وهي زيادة تعكس الهجرة والنمو الطبيعي معًا، ضمن مجتمع شديد التنوع الديني والإثني.
وفي نيوزيلندا وغيرها من جزر المحيط الهادئ توجد تجمعات أصغر، بينما يقدم إقليم مثل جزر كوكوس التابعة لأستراليا نموذجًا معاكسًا، إذ توجد مناطق محلية ذات أغلبية مسلمة كبيرة رغم أن المسلمين أقلية صغيرة على المستوى الأسترالي العام.
أمريكا اللاتينية والكاريبي.. حضور صغير لكنه قديم ومتعدد الأصول

الحضور الإسلامي في أمريكا اللاتينية أصغر بكثير من آسيا وأفريقيا وأوروبا وأمريكا الشمالية، لكن القارة ليست خالية من مجتمعات إسلامية تاريخية. فمن الهجرات العربية في أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين إلى مجتمعات جنوب آسيوية وإندونيسية الأصل في الكاريبي وشمال أمريكا الجنوبية، تشكلت أنماط مختلفة تمامًا من الإسلام المحلي.
وتبرز سورينام بصورة خاصة؛ إذ قدر «بيو» المسلمين فيها بنحو 13% من السكان عام 2020، إلى جانب 53% من المسيحيين و22% من الهندوس، ما يجعلها من أكثر مجتمعات العالم تنوعًا دينيًا ومن أعلى نسب المسلمين في أمريكا اللاتينية.
وتوجد أيضًا مجتمعات إسلامية في غيانا وترينيداد وتوباغو والبرازيل والأرجنتين والمكسيك وغيرها، وإن ظلت حصتها من السكان على المستوى الوطني صغيرة.
ليست هناك «تجربة واحدة» للأقليات المسلمة
ربما يكون أهم استنتاج من هذه الخريطة أن وضع المسلمين خارج دول الأغلبية لا يمكن اختزاله في قصة واحدة عن الهجرة أو الاضطهاد أو الاندماج.
فالهندي المسلم قد تنتمي أسرته إلى المنطقة منذ مئات السنين ولا يرى نفسه جزءًا من «جالية مهاجرة» أصلًا. والإثيوبي المسلم جزء من مجتمع إسلامي يعود إلى البدايات المبكرة للتاريخ الإسلامي. والتتري المسلم في روسيا ينتمي إلى شعب له أرض وتاريخ ودولة سابقة ومؤسسات دينية قديمة. والمسلم الملايوي في جنوب تايلاند يجمع بين الدين واللغة والهوية الإقليمية. أما المسلم الفرنسي أو الألماني فقد يكون من الجيل الثالث لمهاجرين، أو مواطنًا تحول إلى الإسلام، أو وافدًا حديثًا. والروهينجي قد يعيش أصلًا بلا جنسية معترف بها.
ومن ثم ينبغي دراسة أوضاع المسلمين من خلال أربعة أسئلة منفصلة: كم عددهم؟ منذ متى يعيشون في البلاد؟ ما وضعهم القانوني من حيث الجنسية والحقوق؟ وهل هم أقلية في كل أجزاء الدولة أم أغلبية في إقليم معين؟
وهذه الأسئلة أكثر فائدة من مجرد ترتيب الدول بحسب نسبة المسلمين.
الجغرافيا المحلية أهم أحيانًا من النسبة الوطنية
الأرقام الوطنية قد تخفي واقعًا مختلفًا تمامًا. المسلمون أقلية في تنزانيا لكنهم أغلبية ساحقة في زنجبار. وهم أقلية صغيرة نسبيًا في الفلبين لكنهم مكوّن مركزي في بانغسامورو. وهم أقلية في تايلاند لكن حضورهم كثيف في الجنوب. وهم أقلية في روسيا لكنهم أغلبية في جمهوريات شمال القوقاز ويشكلون عنصرًا رئيسيًا في تتارستان ومناطق أخرى.
ولهذا فإن «خريطة المسلمين» الحقيقية لا ينبغي أن تكون خريطة دول فقط؛ بل خريطة أقاليم ومدن وممرات تاريخية أيضًا.
فالإسلام انتشر عبر طرق التجارة في المحيط الهندي وشرق أفريقيا وجنوب شرق آسيا، وعبر الممالك والإمبراطوريات في الهند وآسيا الوسطى والقوقاز، ثم أضيفت خلال العصر الحديث شبكات جديدة تشكلت عبر الهجرة إلى أوروبا والأميركيتين وأستراليا.
لماذا يستمر حجم الأقليات المسلمة في النمو؟
ثمة عاملان أساسيان: البنية العمرية والهجرة. عالميًا، كان 33% من المسلمين في عام 2020 دون الخامسة عشرة من العمر، وهي أعلى نسبة للأطفال بين المجموعات الدينية الكبرى التي درسها «بيو». وهذا يجعل النمو الطبيعي عاملًا مهمًا في زيادة أعداد المسلمين على المدى الطويل.
أما العامل الثاني فهو الهجرة الدولية. ويقدّر «بيو» أن نحو 80 مليون مهاجر دولي في العالم مسلمون، أي 29% من جميع الأشخاص المقيمين خارج بلد مولدهم. لكن من الخطأ مساواة «الأقلية المسلمة» بـ«المهاجرين المسلمين»؛ فجزء كبير من المسلمين الذين يعيشون كأقليات ليسوا مهاجرين أصلًا، بينما يعيش كثير من المهاجرين المسلمين في دول ذات أغلبية مسلمة أيضًا.
بين قوة العدد وهشاشة الوضع
تكشف المقارنة بين الهند والروهينجا وفرنسا وإثيوبيا والصين وكندا أن الحجم العددي وحده لا يحدد قوة الأقلية أو هشاشتها.
قد يبلغ عدد المسلمين عشرات أو مئات الملايين ومع ذلك يواجهون نقاشات حادة حول الهوية والتمثيل والقوانين والتمييز. وقد تكون الجماعة صغيرة لكنها تتمتع بمؤسسات قوية وحقوق مواطنة مستقرة. وقد يكون المسلمون أغلبية في منطقة معينة لكنهم أقلية أمام مؤسسات الدولة المركزية. وفي الحالات القصوى، كما لدى الروهينجا، تصبح القضية مرتبطة أصلًا بالاعتراف بالجنسية والحق في البقاء والعودة.
وفي الجهة المقابلة، لا يصح تصوير جميع المجتمعات المسلمة التي تعيش كأقليات باعتبارها مضطهدة أو مهمشة بالدرجة نفسها. فالفوارق بين الدول هائلة، وكذلك الفوارق داخل الدولة الواحدة وبين جيل وآخر وطبقة اجتماعية وأخرى.
خريطة تمتد أبعد من «العالم الإسلامي»
إذا كان في العالم اليوم نحو ملياري مسلم، فإن نحو خُمسهم يعيشون خارج المجتمعات التي يشكل فيها الإسلام أغلبية. وهذا يعني أن مستقبل المسلمين لا يتشكل في القاهرة وإسطنبول وجاكرتا وإسلام آباد والرياض والرباط وحدها، بل كذلك في نيودلهي وأديس أبابا وبكين وموسكو ولندن وباريس وبرلين وتورنتو ونيويورك وسيدني ومانيلا وكولومبو.
والهند وحدها تضم نحو 213 مليون مسلم؛ عددًا يفوق سكان معظم الدول الإسلامية. وإثيوبيا تضم مجتمعًا مسلمًا بعشرات الملايين رغم غياب تعداد ديني حديث. وأوروبا أصبحت موطنًا لأجيال مسلمة ولدت فيها ولا تعرف وطنًا آخر. وكندا وأستراليا والولايات المتحدة تشهد مجتمعات مسلمة متزايدة التنوع، بينما ما تزال قضايا مثل الروهينجا والإيغور تظهر الوجه الأكثر حساسية لمسألة الأقلية حين تتقاطع الهوية الدينية مع العرق والقومية وسياسات الدولة.
لذلك فإن الحديث عن «المسلمين حول العالم» دون دراسة الأقليات المسلمة يترك خارج الصورة مئات الملايين من البشر وجزءًا أساسيًا من التاريخ الإسلامي المعاصر. فهذه المجتمعات ليست هوامش جغرافية للعالم الإسلامي، بل أحد مكوناته الكبرى؛ بعضها عريق سبق نشوء الدول الحديثة، وبعضها جديد يتشكل أمامنا، وجميعها تثبت أن الخريطة الإسلامية أوسع كثيرًا من حدود الدول ذات الأغلبية المسلمة.
ملاحظة: أرقام البلدان في هذا المقال لا تنتمي جميعها إلى سنة واحدة؛ فقد استُخدمت أحدث التعدادات الوطنية المتاحة متى وُجدت، إلى جانب تقديرات «بيو» المقارنة لعام 2020 وغيرها من المصادر الرسمية. ولذلك فالأدق عند استخدام المقال مرجعًا هو إرفاق كل رقم بسنة مصدره، وعدم تحويل التقديرات القديمة إلى أرقام حالية دون تعداد أو مسح أحدث. وهذه النقطة مهمة خصوصًا في إثيوبيا وروسيا والصين وفرنسا، حيث تختلف طبيعة مصادر البيانات عن دول لديها تعدادات دينية مباشرة وحديثة.





اترك تعليقاً