لم تعد الكراهية الموجّهة ضد المسلمين مجرد وقائع متفرقة يمكن التعامل معها باعتبارها حوادث معزولة. فحين تتكرر الاعتداءات على الأفراد، وتستهدف المساجد، وتنتشر الصور النمطية، ويتحول الانتماء للإسلام إلى سبب للتمييز أو الإقصاء أو الاشتباه، يصبح السؤال أكبر من عدد الحوادث التي وقعت: كيف نصف الظاهرة التي تقف خلفها؟
في السنوات الأخيرة، أخذت الأمم المتحدة تتعامل بصورة أكثر وضوحًا مع ما تسميه «الإسلاموفوبيا» و«الكراهية ضد المسلمين». وفي رسالتها بمناسبة اليوم الدولي لمكافحة الإسلاموفوبيا في 26 رمضان 1447هـ (مارس/آذار 2026م)ـ حذرت من أن المسلمين يواجهون، في أماكن مختلفة، أشكالًا من التمييز المؤسسي والإقصاء الاقتصادي والاجتماعي، وسياسات هجرة متحيزة، ومراقبة وتنميط غير مبررين، مشيرة إلى أن الخطاب المعادي للمسلمين يمكن أن يقود إلى المضايقة والعنف ضد الأفراد والمساجد.
لكن الاعتراف بوجود الظاهرة لا يحسم مشكلة أخرى أكثر تعقيدًا: ماذا نسميها؟
هل نتحدث عن «الإسلاموفوبيا»؟ أم عن «الكراهية ضد المسلمين»؟ أم عن «معاداة الإسلام»؟
السؤال ليس لغويًا فحسب. فالتسمية تتيح التعريف، والتعريف يتيح الرصد، والرصد يتيح جمع البيانات، والبيانات تتيح وضع السياسات ومحاسبة المعتدين. وهذا بالضبط ما يجعل تجربة التعامل مع معاداة السامية جديرة بالتأمل والمقارنة، لا بهدف وضع اليهود في منافسة، وإنما لفهم كيف تتحول ظاهرة الكراهية من حوادث متفرقة إلى قضية يمكن تعريفها ورصدها ومواجهتها.
وهنا تظهر مفارقة لافتة في المصطلحات نفسها.
فكلمة «السامية» أوسع بكثير من معناها الشائع في عبارة «معاداة السامية». ففي الاستخدام اللغوي التاريخي، يشير مصطلح «سامية» إلى عائلة من اللغات نشأت في الشرق الأوسط، وتضم لغات يتحدث بها ملايين البشر في غرب آسيا وشمال أفريقيا، ومنها العربية والعبرية ولغات أخرى. لكن مصطلح «معاداة السامية» استقر منذ نشأته بوصفه تعبيرًا عن العداء لليهود تحديدًا، وليس عن العداء لكل من يتحدث لغة سامية.
وهكذا لا تكمن أهمية المصطلح في أصله اللغوي وحده، بل في المعنى الذي استقر عليه في الاستعمال السياسي والمؤسسي. وقد تبنت IHRA أو ما يسمى “التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست”، تعريفًا عمليًا غير ملزم قانونيًا لمعاداة السامية، يصفها بأنها تصور معين تجاه اليهود قد يتجلى في الكراهية، وتظهر مظاهرها اللفظية أو المادية ضد الأشخاص أو الممتلكات والمؤسسات والمرافق الدينية اليهودية. كما أصبح هذا التعريف أداة مستخدمة على نطاق واسع في برامج الرصد والسياسات ومواجهة معاداة السامية.
وهنا يبرز السؤال الذي يتجاوز المصطلحين معًا:
إذا كان بالإمكان تطوير لغة واضحة لتعريف العداء الموجه إلى جماعة دينية، ورصده وتحويله إلى قضية سياسية ومؤسسية، فلماذا لا يزال توصيف العداء ضد المسلمين موضع جدل، رغم أن الأمم المتحدة نفسها باتت تتعامل مع الإسلاموفوبيا بوصفها ظاهرة تستوجب المواجهة؟
ليس المقصود أن معاداة السامية والإسلاموفوبيا ظاهرة واحدة، ولا أن تاريخ اضطهاد اليهود يمكن مساواته باضطهاد المسلمين. فلكل منهما سياقه التاريخي والسياسي والاجتماعي المختلف. لكنهما يلتقيان في نقطة أكثر عمقًا: اللحظة التي تتحول فيها الهوية الدينية في الرؤية الدولية العامة، من مجرد انتماء إلى أساس للتعميم، والتجريد من الإنسانية، والتمييز، والتحريض، ثم العنف.
ومن هنا تبدأ القضية الحقيقية: ليس فقط كم جريمة كراهية وقعت ضد المسلمين؟ بل كيف تتشكل البيئة التي تجعل الكراهية قابلة للانتشار والتطبيع، ولماذا لا يحظى الخطاب المعادي للإسلام والمسلمين بالزخم القانوني نفسه مثل الخطاب المعادي للسامية؟ ولماذا لا نتحدث عن معاداة الإسلام ونكتفي بمصطلح فضفاض “الإسلاموفوبيا”، مع أنه غير دقيق ولا شامل لواقع الكراهية الموثّقة بمواقف عداء وعنف ضد المسلمين.
السامية ليست مرادفًا لليهود
قبل أن نقارن بين معاداة السامية والإسلاموفوبيا، ثمة مسألة لغوية وتاريخية تستحق التوقف عندها: ماذا تعني كلمة «سامية» أصلًا؟
في الاستخدام اللغوي والتاريخي، لا تشير «السامية» إلى اليهود وحدهم. فهي تسمية ارتبطت بعائلة لغوية واسعة تضم العربية والعبرية والآرامية وغيرها من اللغات السامية. ولذلك فإن «السامية» بوصفها تصنيفًا لغويًا وتاريخيًا أوسع بكثير من المعنى الذي يفهمه القارئ المعاصر عندما يسمع عبارة «معاداة السامية».
لكن المفارقة أن مصطلح «معاداة السامية» لم يُصغ أصلًا باعتباره وصفًا عامًا للعداء إلى كل الشعوب الناطقة باللغات السامية. فالمصطلح الألماني Antisemitismus ظهر في أوروبا في القرن التاسع عشر، وينسب ما يسمى متحف ذكرى الهولوكوست في الولايات المتحدة صياغته إلى الصحفي الألماني فيلهلم مار عام 1879. وكان المصطلح منذ نشأته السياسية الحديثة مرتبطًا بالعداء لليهود.
وهنا يجب التمييز بين أمرين كثيرًا ما يختلطان: أصل الكلمة، ومعناها الاصطلاحي الذي استقر لاحقًا.
فليس من الدقة أن نستنتج، لمجرد أن العرب والعبرانيين وغيرهم يدخلون ضمن الشعوب واللغات التي توصف تاريخيًا بأنها «سامية»، أن عبارة «معاداة السامية» تُستخدم اليوم للدلالة على العداء لكل هؤلاء. فالاستعمال المعاصر للمصطلح استقر على معنى أكثر تحديدًا: التحيز أو الكراهية ضد اليهود. وهذا هو المعنى الذي تستخدمه مؤسسات مرجعية مثل ما يجري في الولايات المتحدة.
وهذه النقطة ليست تفصيلًا لغويًا هامشيًا، بل تكشف شيئًا أعمق عن طبيعة المصطلحات السياسية والاجتماعية: الكلمات لا تحتفظ دائمًا بكل معانيها التي كانت تدل عليها في أصلها؛ فقد تكتسب، مع الزمن، معنى اصطلاحيًا خاصًا يصبح هو المعنى المتداول والمؤسسي.
والأهم أن الكراهية ضد اليهود نفسها أقدم بكثير من مصطلح «معاداة السامية». حيث تمتد جذورها إلى العصور القديمة وأوروبا النصرانية في العصور الوسطى، ثم تطورت أشكالها لاحقًا إلى أنماط دينية واقتصادية وقومية وعنصرية وسياسية. وفي القرن التاسع عشر اكتسب العداء لليهود صيغة سياسية وعنصرية جديدة. بغض النظر عن الجدل المرافق للرواية اليهودية.
وهنا تظهر أهمية تجربة المصطلح: لم يكن ظهور كلمة «معاداة السامية» هو الذي أوجد الكراهية ضد اليهود، وإنما أعطى ظاهرة موجودة أصلًا اسمًا حديثًا ومحددًا، ثم تطور هذا الاسم مع الوقت ليصبح جزءًا من اللغة السياسية والمؤسسية التي تُستخدم في التعريف والرصد والمواجهة. بعيدًا عن التوظيف السياسي لهذا المصطلح وما يرافقه من تناقضات وجدل.
ومن هذه الزاوية تحديدًا تصبح المقارنة مع الإسلاموفوبيا أكثر أهمية.
فالسؤال ليس: لماذا نستخدم كلمة «معاداة السامية» بدلًا من “جودييزم فوبيا” أو “كراهية اليهود”؟ وإن كان سؤالا جديرًا بالطرح!
بل: كيف تنتقل ظاهرة اجتماعية من كونها مجموعة من الاعتداءات والصور النمطية المتفرقة إلى أن تصبح مفهومًا محددًا يمكن للمؤسسات أن تتعرف عليه وتقيسه وتضع سياسات لمواجهته؟
هذه هي النقطة التي ينبغي أن ننتبه إليها عند الحديث عن الإسلاموفوبيا. فالمشكلة ليست في البحث عن كلمة «منافسة» لـ«معاداة السامية»، ولا في محاولة مساواة تاريخين مختلفين، وإنما في معرفة ما إذا كان من الممكن بناء لغة دقيقة تصف العداء للمسلمين عندما يتحول إلى استهداف الأشخاص بسبب هويتهم الإسلامية، أو تعميم التهم عليهم، أو حرمانهم من حقوقهم، أو التحريض ضدهم، أو الاعتداء عليهم وعلى مؤسساتهم ومساجدهم.
وبعبارة أخرى، المسألة ليست من يملك المصطلح الأقوى، بل من يملك القدرة على تسمية الظاهرة عندما تتحول الكراهية من فكرة إلى ممارسة عداء.
الإسلاموفوبيا.. خوف من الإسلام أم كراهية للمسلمين أم عداء للإسلام؟
إذا كانت «معاداة السامية» قد استقرت في الاستخدام المعاصر بوصفها مصطلحًا للعداء ضد اليهود، فإن الحديث عن العداء للمسلمين أكثر تعقيدًا من الناحية الاصطلاحية. فالمصطلح الأكثر انتشارًا اليوم هو «الإسلاموفوبيا»، لكن الكلمة نفسها تفتح بابًا لسؤال أساسي: هل نتحدث عن الخوف من الإسلام، أم عن الكراهية والتمييز ضد المسلمين أم عن العداء للإسلام؟
قد يبدو الفرق لغويًا، لكنه في الحقيقة يمس جوهر المشكلة.
فالإسلام دين وعقيدة وأفكار لها مساحتها التاريخية والعالمية، والمسلم إنسان له حقوق وحريات، يجب ألا يفقدها في عالم يطارد معاداة السامية ويتعامل مع معاداة الإسلام كإسلاموفوبيا بتطفيف مجحف.
والصورة تتغير عندما يصبح المسلم، لمجرد كونه مسلمًا، موضع اشتباه أو اتهام أو ازدراء، أو عندما يُعامل ملايين الأشخاص بوصفهم كتلة واحدة مسؤولة عن أفعال أفراد أو جماعات، أو عندما تتحول الصور النمطية عن الإسلام والمسلمين إلى مبرر للتمييز أو الإقصاء أو العنف.
وهنا تبرز إشكالية مصطلح «الإسلاموفوبيا» في الخطاب المعاصر.
فمع أن الأمم المتحدة تصف الإسلاموفوبيا بأنها ظاهرة يمكن أن تتجسد في التمييز والعداء والعنف ضد المسلمين، وفي التنميط السلبي وخطاب الكراهية والاعتداءات على الأشخاص والممتلكات والمساجد. وتؤكد أن المشكلة لا تقتصر على الاعتداءات الفردية، وإنما يمكن أن تظهر أيضًا في أشكال مؤسسية من التمييز والإقصاء. إلا أنها تربط مظاهر العداء بكلمة فوبيا، أي الخوف، من الإسلام، وكأنها تقدم مبررًا مسبقا لكل جريمة ضد المسلمين بكونها بدافع الخوف من هؤلاء المسلمين.
Islamophobia (الإسلاموفوبيا) تتكوّن من Islam + phobia، ولذلك يمكن ترجمتها حرفيًا إلى «الخوف من الإسلام».
ولذلك، فإن مصطلح «الإسلاموفوبيا» ليس محل اتفاق كامل بين الباحثين. فبعضهم يرى أن كلمة «فوبيا» توحي بخوف نفسي فردي، بينما الظاهرة التي نراها في الواقع أوسع من ذلك بكثير؛ فهي تشمل مواقف سياسية، وصورًا نمطية اجتماعية، وممارسات تمييزية، وأعمال عنف.
ولهذا تستخدم بعض المؤسسات والباحثين تعبيرات مثل «الكراهية ضد المسلمين» أو «التمييز ضد المسلمين»، في محاولة لوصف السلوك بصورة أكثر مباشرة. لكنها تتجنب وصف “معاداة الإسلام” مع أنها لا تجد حرجا في استخدامه في حال “معاداة السامية”. وهذا نوع من الإجحاف في استخدام المصطلحات.
فالكراهية ضد المسلمين والتمييز ضد المسلمين تبقى في جوهرها، أقل شمولية ودقة من حيث الوصف من “معاداة الإسلام” التي تقدم المعنى الحقيقي والوصف الواقعي والدقيق لحقيقة ما يعرفه العالم اليوم تحت اسم الإسلاموفوبيا.
ومن هنا فإن وصف الإسلاموفوبيا توصيف جائر وغير منصف أبدًا، لأنه يربط مسبقا واقع عداء ضد المسلمين بأنه مبرر بالخوف من الإسلام، بينما توصيف الكراهية والتمييز، يبقى قاصرًا أيضا، حيث أنه لا ينقل حقيقة العداء الذي اتخذ أشكالا وصورا تستوجب التحذير واليقظة.
وهذا التفريق مهم؛ لأن استخدام المصطلحات لا ينبغي أن يكون نتيجة انجرار سطحي لا يراعي دقة الاستعمال. خاصة وأن العداء للإسلام، يبدأ من التصورات المجحفة وغير الدقيقة، والتي تنتقل للتعميم ثم لصناعة الصورة النمطية، والصورة النمطية تبرر التمييز، والتمييز يطبع الإقصاء، والإقصاء يوفر بيئة يصبح فيها الاعتداء أسهل تبريرًا أو أكثر قابلية للتقبل. فنحن، في الحقيقة، أمام صناعة للعداء.
وهنا يظهر أحد أهم أوجه التقاطع مع معاداة السامية.
وهذه النقطة هي التي تجعل المقارنة بين الإسلاموفوبيا ومعاداة السامية مفيدة: ليس لأن الظاهرتين متطابقتان، وإنما لأن كليهما يعامل بطريقة مختلفة من حيث الإنكار والاستجابة وحتى توصيف المصطلحات.
ومن المفارقات العجيبة التي يسجلها الواقع اليوم، أن معاداة السامية تضم في وصفها، اعتبار كل ما يُقال ولا يعجب اليهود حتى لو كان انتقادًا لظلم وقع على أيديهم أو كلمة لا تمجدهم! أنه معادة للسامية، بينما يعد في المقابل كل ما يحرض على المسلمين أو يسيء لمقدساتهم ومعتقداتهم وشعائرهم، “حرية تعبير” تكفلها المؤسسات الحكومية الغربية وتدافع عنها، كما شهدنا ذلك في الحملة الفرنسية والأوروبية الحاقدة بالإساءة للنبي صلى الله عليه وسلم، والتي تولى الترويج لها وتعميمها على جدران باريس وواجهاته الإعلامية بكل صفاقة وعدوانية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وحكومته التي تتحدى المسلمين بإعلان “الإساءة للنبي صلى الله عليه وسلم” حرية تعبير تحميها قيم الجمهورية المزعومة!
وهنا نصل إلى جوهر المسألة:
إن كانت معاداة السامية جريمة تطارد عليها الدول التي تتغنى بحرية الرأي والتي تعتبر في الوقت نفسه أي نقد لليهود معاداة للسامية، لماذا لا يعامل الإسلام بالقياس نفسه؟ ولماذا تُستباح حقوق المسلمين؟
هل يعني ذلك أن من يعادي المسلمين هم في الحقيقة صناع القرار الغربي؟ أم أن صناع القرار بالأساس في الغرب هم اليهود؟
حين تتشابه آليات الكراهية: التقاطعات بين الإسلاموفوبيا ومعاداة السامية
إذا كان الواقع السياسي والإعلامي يفرض علينا ألا نساوي بين معاداة السامية والإسلاموفوبيا، فإن المقارنة تظل مفيدة عندما ننتقل إلى سؤال مختلف تمامًا: كيف تعمل الكراهية عندما تستهدف جماعة دينية؟ ومن هنا تظهر أهمية المصطلحات مرة أخرى.
فإذا كان المجتمع قادرًا على التعرف إلى بعض هذه الآليات عندما تستهدف اليهود، فمن المنطقي أن يسأل أيضًا عن قدرته على التعرف إليها عندما تستهدف المسلمين.
المعيار الأخلاقي لا ينبغي أن يتغير بتغير هوية الضحية.
فإذا كان تحويل فرد إلى ممثل لجماعته ظلمًا عندما يكون يهوديًا، فهو ظلم أيضًا عندما يكون مسلمًا. وإذا كانت نظرية المؤامرة التي تستهدف جماعة دينية خطرة في حالة، فلا تصبح أقل خطورة لمجرد أن الجماعة المستهدفة مختلفة.
وهنا تخرج المقارنة من كونها منافسة بين جماعتين إلى سؤال أكثر شمولًا:
هل نستطيع بناء معيار واحد لمقاومة الكراهية، مع الاعتراف في الوقت نفسه بأن لكل جماعة تاريخها الخاص وتجربتها الخاصة؟
ربما تكون الإجابة هي الطريق الأكثر اتزانًا: لا مساواة مصطنعة بين التاريخين، ولا ازدواجية في معيار الكرامة الإنسانية.
هل تحتاج الإسلاموفوبيا إلى تعريف واضح أم إلى تصحيح المصطلح؟
في الواقع يبدو واضحا أن المصطلح بالنظر للمنطق الدولي الذي يتعامل مع معاداة السامية بتحيّز، يحتاج لتغيير. ومما يزيد الحاجة لتغييره، أن المصطلح لم يستقر على تعريف عالمي واحد بالدرجة نفسها التي اكتسبها مفهوم معاداة السامية في بعض المؤسسات والدول. ولهذا نجد جهات دولية تستخدم تعبير «الكراهية ضد المسلمين»، وأخرى تتحدث عن «عدم التسامح والتمييز ضد المسلمين»، بينما يستمر مصطلح «الإسلاموفوبيا» في الانتشار في الخطاب السياسي والأكاديمي والإعلامي.
ولا يعني هذا أن المؤسسات الدولية تتجاهل الظاهرة. بل هي على دراية بها وتعترف بوجودها، فقد أنشأت المفوضية الأوروبية منذ عام 2015 منصب منسق لمكافحة الكراهية ضد المسلمين، وتتعامل اليوم مع الكراهية وخطاب الكراهية وجرائم الكراهية ضد المسلمين باعتبارها قضايا مترابطة تحتاج إلى استجابة في مجالات التعليم والعمل وعدم التمييز والاندماج الاجتماعي.
كما تتعامل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا مع «عدم التسامح والتمييز ضد المسلمين» وتوثق أشكالًا متعددة من الاستهداف، من المضايقات وخطاب الكراهية إلى الاعتداءات العنيفة والتنميط الديني. وتلفت المنظمة إلى أن الخطاب المعادي للمسلمين كثيرًا ما يربط المسلمين بالإرهاب والتطرف أو يصور وجودهم باعتباره تهديدًا للهوية الوطنية.
إذن، المشكلة ليست غياب الاعتراف بالظاهرة، وإنما غياب درجة كافية من الاتساق في اللغة التي نصف بها هذه الظاهرة. وهنا تظهر المقارنة مع معاداة السامية مرة أخرى. وتظهر الحاجة لضبط المصلطح بشكل أدق وأصح. ولا أدق ولا أصح في مثل هذه المعطيات والواقع والتحقيقات من مصطلح: “معاداة الإسلام”.
من «الخوف» إلى منظومة أوسع
هناك سبب آخر يجعل مصطلح «الإسلاموفوبيا» موضع نقاش ويشجع أكثر على استبداله، لأن كلمة «فوبيا» توحي بالخوف، بينما ما يحدث في الواقع يتجاوز الخوف النفسي بكثير.
فقد يكون هناك شخص لا «يخاف» من المسلمين بالمعنى النفسي، لكنه يعتقد أنهم لا ينتمون إلى المجتمع، أو يرفض توظيفهم، أو يريد حرمانهم من بعض الحقوق، أو يبرر الاعتداء عليهم.
ولهذا فإن التعبير الأكثر مباشرة هو “معاداة الإسلام”.
وهذا هو الاتجاه الذي ينبغي أن يتفق عليه المسلمون لوضع حد للتجاوزات المستمرة بحقهم.
قد يخشى البعض التخلي عن مصطلح «الإسلاموفوبيا» لكون المصطلح اكتسب حضورًا عالميًا، وأصبح يُستخدم لوصف منظومة أوسع من الصور النمطية والتحيز والتمييز والعداء ضد الإسلام والمسلمين. لذلك قد يكون الحل العملي مع هؤلاء بالتعامل مع المصطلحين باعتبارهما يتكاملان في الطرح، وهكذا كلما ذكرت الإسلاموفوبيا قُرنت مباشرة بشرح لها بين قوسين (معاداة الإسلام).
وضبط المصطلحات ليس ترفًا لغويًا. إنه أداة للرؤية.
فما لا نملك له اسمًا واضحًا قد يسهل تغييب حقوقه والتحايل في عرضه.
الكراهية التي لا تصل إلى الشرطة.. ما الذي تخفيه الأرقام؟
ثم هناك مشكلة أساسية في محاولة قياس الكراهية ضد المسلمين: الرقم المسجل ليس بالضرورة هو الرقم الحقيقي للوقائع التي حدثت.
فالشرطة لا تستطيع تسجيل حادثة لم يُبلّغ عنها، والمؤسسة التي تجمع البيانات لا تستطيع قياس تجربة لم تصل إليها. ولهذا فإن الإحصاءات الرسمية لجرائم الكراهية، رغم أهميتها، تمثل في كثير من الأحيان الجزء الذي ظهر للمؤسسات من الظاهرة، وليس بالضرورة حجمها الكامل.
وتظهر هذه المشكلة بوضوح في بيانات وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية.
فمن بين المسلمين الذين شملهم مسح الوكالة، لم يبلغ سوى 6% ممن تعرضوا للتمييز عن أحدث حادثة إلى جهة رسمية خلال السنة السابقة للمسح. وفي حالات التحرش العنصري، بلغت نسبة من أبلغوا عن أحدث حادثة 12% فقط. أما في حالات العنف العنصري، فأبلغ نحو 30% عن أحدث حادثة.
وهذه الأرقام تفرض علينا سؤالًا مهما: ماذا يحدث للـ94% الذين لم يبلغوا عن حادثة التمييز؟
ولهذا تبقى إحصاءات جرائم الكراهية ضد المسلمين أقل من الواقع في البيانات الرسمية بسبب عدم الإبلاغ.
وأخطر ما في عدم الإبلاغ هو كون الضحايا قد فقدوا الثقة في المؤسسات أو أصبحوا يعتبرون الشكوى لا تغير شيئا ولا تحقق إنصافا.
المرأة المسلمة مثال واضح
تكشف بيانات وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية أن المظهر الديني يمكن أن يلعب دورًا في التعرض للتمييز. وكانت النساء المسلمات اللواتي يرتدين الحجاب من بين الفئات التي سجلت مستويات مرتفعة من التعرض للتمييز والعنف. وكثير من النساء لا يشتكين لإحباطهن من جدوى الإبلاغ.
وهذا يعني أن ظاهرة الكراهية ضد المسلمين هي في واقعها أكبر من مجموع جرائم الكراهية المسجلة رسميًا.
ويضطر العديد من المسلمين للتنازل عن شعائرهم أو إخفاء هويتهم الإسلامية للاستمرار بأمان.
وعندما يصبح الإنسان هو من يغير حياته حتى يتجنب الكراهية، تكون الكراهية قد حققت جزءًا من هدفها، حتى لو لم تُسجل الحادثة في أي دفتر رسمي.
شبهة حجم الانتهاكات والجرائم
قد يعترض البعض من كون المقارنة بين معاداة السامية والإسلاموفوبيا يجب أن تأخذ بعين الاعتبار المقارنة بين عدد ضحايا كل منهما، وإن كانت حجة غير ملزمة لأن المقارنة يجب أن تستند إلى آليات الكراهية. إلا أن من الظلم العظيم اعتبار كل ضحايا المسلمين الذين قتلوا في الحروب الغربية إحصاءات جانبية! فحصار العراق وقتل مليون ونصف مليون طفل مسلم، لم يكن إحصاءا جانبيا، وضرب المسلمين باليورانيوم والفوسفور، وإبادة غزة والقصوفات التي تستهدف المدنيين، والكثير من المحطات التي لا يذكرها المتحدثون عن هولوكوست اليهود والذي هو مختلف أساسا في عدد ضحاياه، تبقى صفحة سوداء في سجل جرائم الغرب المعادية للإسلام.
ماذا نتعلم من معاداة الإسلام؟
من أهم الدروس أن المجتمع لا يستطيع مواجهة الكراهية إذا لم يكن قادرًا على التعرف إليها.
قالتسمية تسمح بالرصد. والرصد يسمح بجمع البيانات. والبيانات تسمح بفهم الأنماط. وفهم الأنماط يسمح بتطوير السياسات. وهكذا يصبح المصطلح جزءًا من منظومة حماية، وليس مجرد كلمة في الخطاب السياسي.
وهذا يفسر أهمية التعريفات العملية لمعاداة الإسلام لتكون واضحة في الخطاب الإعلامي وحتى السياسي.
لكن الدرس الأهم ليس أن ننسخ تعريفًا جاهزًا ونضع مكان «اليهود» كلمة «المسلمين».
بل الدرس هو أن الكراهية تحتاج إلى أن تكون قابلة للتعرف والرصد والتوثيق. ما يجعل من واجب كل مسلم قادر على التوثيق وجمع الإحصاءات، العمل على توثيق جرائم معاداة الإسلام. لتبقى حجة موثقة وقابلة للقياس وللاحتجاج. فما يلاحظ من سرعة مسح أدلة الهولوكوست في غزة، يوجب حمل أمانة حفظ حقوق الضحايا لمحاكمة عادلة لابد أن تقع يوما ما.
وهذا يحتاج تعاضد الجهود لصناعة موسوعة توثق إحصاءات معاداة الإسلام وتسهل متابعتها. كمرجعية مستقلة للمسلمين بعيدا عن التبعية للغرب ومؤسساته حتى في إحصاء جرائمهم ضدنا.
في الختام
إن المجتمع الذي يرفض معاداة السامية لكنه يتسامح مع معاداة الإسلام والمسلمين لم يحل مشكلة الكراهية؛ لقد جعل معيارها انتقائيًا.
الاختبار الحقيقي أمام الغرب اليوم هو قدرة المبدأ على العمل حتى عندما لا نتعاطف مع الضحية، وحتى عندما لا نحب دينها أو أفكارها أو مواقفها السياسية.
وهنا تحديدًا تظهر قيمة حقوق الإنسان التي يتشدقون بها.
فأنت لا تحمي الإنسان لأنه يتفق معك، وإنما لأن حقه في الكرامة لا يتوقف على اتفاقك معه.
ومن هذه الزاوية، لا تصبح مكافحة معاداة الإسلام منافسة لمعركة مكافحة معاداة السامية.
بل تصبح امتدادًا لمبدأ أوسع وفق المبادئ التي يطالبوننا باحترامها.
أن الكراهية التي تبدأ باستهداف هوية المسلم يجب أن تُرفض قبل أن تتحول إلى تمييز، وأن التمييز يجب أن يُواجه قبل أن يتحول إلى عنف.
لقد اكتسبت «معاداة السامية» في العصر الحديث معنى اصطلاحيًا محددًا، رغم أن كلمة «السامية» في أصلها اللغوي والتاريخي أوسع من ذلك بكثير. وهذه المفارقة نفسها تذكرنا بأن المصطلحات لا تُقاس فقط بأصولها، وإنما بالمعاني التي اكتسبتها وبالأدوار التي تؤديها في المجتمعات.
والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس لماذا أصبح لدينا اسم للعداء ضد اليهود، بل لماذا لا يزال النقاش حول الاسم المناسب للعداء ضد المسلمين أقل استقرارًا، رغم أن الظاهرة نفسها أصبحت موضع اعتراف دولي ورصد مؤسسي وأرقام متزايدة في عدد من البلدان.
ربما لأن المعركة الحقيقية ليست حول الكلمة. إنها حول ما الذي نريد أن نراه عندما نستخدمها.
هل نرى مجرد حادثة اعتداء؟
أم نرى النمط الذي يجمع بين الصورة النمطية والتمييز والتحريض والجريمة؟
هل نرى المسلم باعتباره فردًا له حقوق، أم باعتباره ممثلًا لصورة جماعية منافسة؟
هذه ليست أسئلة متعارضة.
بل إن الجمع بينها هو الاختبار الحقيقي لأي مقاربة جادة.
وإذا كان تاريخ معاداة السامية قد أظهر إلى أي مدى يمكن أن يصبح التنميط والتعميم ونظريات المؤامرة خطيرة عندما تتراكم وتتحول إلى سياسات وممارسات، فإن تصاعد معاداة الإسلام يفرض على المجتمعات سؤالًا مشابهًا: هل سننتظر أن يصل هذا العداء إلى مراحل أكثر خطورة قبل أن نمتلك اللغة والأدوات اللازمة لردعه؟
في النهاية، ليست قيمة المصطلح في قدرته على منح جماعة ما امتيازًا أخلاقيًا.
قيمته في قدرته على وضع الظاهرة في موقعها الحقيقي. وحين نواجه العداء للإسلام بكرامة، يمكن لهذا العالم الذي يدعي التحضر التخلص من كراهيته وانحيازه وعنصريته التي طفح بها الكيل.





اترك تعليقاً