يمثل المسلمون في موزمبيق واحدة من أقدم الجماعات الإسلامية في جنوب القارة الإفريقية، ولا يصح النظر إليهم بوصفهم جالية مهاجرة حديثة أو أقلية نشأت مع الهجرات الآسيوية في عصر الحتلال؛ فوجود الإسلام في شمال موزمبيق يعود إلى القرون الأولى لانتشاره على سواحل المحيط الهندي، وارتبط منذ وقت مبكر بشبكات الملاحة والتجارة التي ربطت شرقي إفريقيا بالجزيرة العربية والهند وجزر القمر ومدغشقر.
وتشير الدراسات التاريخية إلى وجود تجار وبحارة مسلمين على سواحل شمال موزمبيق منذ القرن الثامن الميلادي، أي خلال القرن الثاني الهجري تقريبًا، ثم نشأت مجتمعات إسلامية محلية اندمج فيها القادمون عبر المحيط الهندي مع سكان الساحل الأفارقة. ولهذا فإن الإسلام في موزمبيق، وبخاصة في الشمال، أصبح مع مرور القرون جزءًا من الهوية المحلية لعدد من الشعوب، وليس مجرد أثر لتجارة خارجية عابرة.
كم يبلغ عدد المسلمين في موزمبيق؟

آخر تعداد سكاني شامل يوفر مرجعًا تفصيليًا للانتماء الديني هو تعداد عام 2017م، الموافق تقريبًا 1438–1439هـ. ووفق البيانات الرسمية، شكّل المسلمون 18.9% من سكان موزمبيق، مقابل 17.9% في تعداد 2007م، الموافق 1427–1428هـ. وبذلك كان الإسلام ثاني أكبر انتماء ديني مسجل على المستوى الوطني بعد المسيحية بمختلف طوائفها.
وتظهر الجداول التفصيلية لتعداد 2017 أكثر من 5.1 ملايين شخص مسجلين على أنهم مسلمون. أما التقديرات السكانية الرسمية اللاحقة فتشير إلى أن مجموع سكان موزمبيق بلغ نحو 33.24 مليون نسمة في 2024م، الموافق 1445–1446هـ، لكن هذه التقديرات لا تمثل تعدادًا دينيًا جديدًا؛ ولذلك لا يصح ببساطة اعتبار 18.9% نسبة ثابتة وحساب عدد المسلمين الحالي على أساسها.
كما يرى بعض قادة المؤسسات الإسلامية في البلاد منذ سنوات أن النسبة الحقيقية للمسلمين قد تكون أعلى من الرقم الرسمي، ويطرح بعضهم تقديرات بين 25% و30%.
أين يعيش المسلمون؟


خريطة توضح التوزيع الديني في موزمبيق بحسب المديريات وفق تعداد 2017، ويظهر فيها تركز المسلمين بصورة رئيسية في شمال البلاد، ولا سيما في نياسا وكابو ديلغادو ونامبولا.
الثقل الإسلامي في موزمبيق شمالي بوضوح. وتتركز أكبر المجتمعات المسلمة في ولايات نياسا وكابو ديلغادو ونامبولا، إضافة إلى شريط طويل من المدن والقرى الساحلية المطلة على المحيط الهندي.
في نياسا، أظهرت بيانات المعهد الوطني للإحصاء أن المسلمين كانوا يمثلون 59% من السكان في تعداد 2017م، أي إن الإسلام هو الديانة الأكبر في الولاية بفارق واضح؛ بينما بلغت نسبة الكاثوليك 26.3%. وتزداد الكثافة المسلمة في عدد من المناطق الريفية والشمالية المتصلة تاريخيًا بشرق إفريقيا وملاوي وتنزانيا.
وفي كابو ديلغادو، أقصى شمال شرقي البلاد، أحصى المعهد الوطني للإحصاء نحو 1.192 مليون مسلم في تعداد 2017م، من أصل نحو 2.27 مليون نسمة مسجلين في الولاية آنذاك، أي أكثر من نصف السكان تقريبًا. وكان الإسلام أكبر انتماء ديني في الولاية، متقدمًا على الكاثوليكية وغيرها من الديانات.
أما نامبولا، وهي أكبر ولايات البلاد سكانًا، فتضم بدورها أحد أكبر التجمعات الإسلامية عدديًا. وتضع البيانات المبنية على تعداد 2017 نسبة المسلمين فيها عند نحو 39.7%، مقابل نحو 37.8% للكاثوليك. وترتفع النسبة في بعض المدن والمناطق الساحلية؛ فقد بلغت في المناطق الحضرية من نامبولا وفق الجداول نفسها أكثر من نصف السكان.
ولا يعني هذا انعدام المسلمين في وسط البلاد أو جنوبها. فهناك جماعات مسلمة في زامبيزيا وسوفالا والعاصمة مابوتو ومدن تجارية أخرى، كما أسهم انتقال السكان والهجرة الداخلية في انتشار المساجد والمؤسسات الإسلامية خارج مناطق الثقل التاريخي. لكن الخريطة العامة لا تزال واضحة: كلما اتجهنا شمالًا، ولا سيما نحو الساحل، أصبح الحضور الإسلامي أقدم وأكبر.
من هم مسلمو موزمبيق؟

لا ينتمي المسلمون في موزمبيق إلى قومية واحدة. وأكبر كتلة منهم أفريقية محلية، ويتداخل الانتماء الإسلامي مع عدد من الشعوب واللغات التي عاشت منذ قرون في شمال البلاد.
من أهم هذه المجموعات شعب الماخوا أو الماكوا Makhuwa، وهو أحد أكبر شعوب موزمبيق ويتركز بدرجة كبيرة في نامبولا وكابو ديلغادو وأجزاء من نياسا. وهناك المواني Mwani، وهم مجتمع ساحلي شديد الارتباط تاريخيًا بالثقافة السواحيلية ويسكنون مناطق من ساحل كابو ديلغادو، بما فيها محيط موسيمبوا دا برايا ومناطق ساحلية أخرى.
وفي نياسا يوجد كذلك عدد كبير من المسلمين من شعب الياو Yao، الذي تمتد مجتمعاته أيضًا إلى ملاوي وتنزانيا. وعلى ساحل نامبولا توجد جماعات مثل الكوتي Koti في منطقة أنغوشي، إضافة إلى جماعات ساحلية أخرى نشأت تاريخيًا من امتزاج السكان المحليين بالتجار والبحارة المسلمين القادمين عبر المحيط الهندي. وتؤكد الدراسات التاريخية أن هذه العمليات أنتجت جماعات أفريقية مسلمة ذات ثقافة محلية كاملة، لا مجرد مستوطنات أجنبية منفصلة عن السكان الأصليين.
كما توجد أقلية أصغر من المسلمين ذوي الأصول الهندية والجنوب آسيوية، ارتبط جزء منها بهجرات حدثت خلال حقبة الاحتلال، ولا سيما من غوجارات ومناطق أخرى على المحيط الهندي. لكن هذه الجماعات ليست أصل الوجود الإسلامي في موزمبيق؛ فقد سبقها الإسلام الإفريقي المحلي بقرون طويلة.
الإسلام يصل إلى موزمبيق قبل البرتغاليين بقرون

بدأت قصة الإسلام في موزمبيق ضمن التاريخ الأوسع للمحيط الهندي. فمع توسع شبكات التجارة الإسلامية على الساحل الشرقي لإفريقيا، أخذ البحارة والتجار يستخدمون الجزر والمرافئ الواقعة على ساحل موزمبيق محطاتٍ في رحلاتهم بين البحر الأحمر وشرق إفريقيا والهند.
وتشير الأدلة التي يناقشها الباحثون إلى وجود المسلمين في شمال الساحل منذ القرن الثامن الميلادي، أي نحو 80–183هـ، ثم تعمقت العلاقات خلال القرون التالية. وبحلول القرن العاشر الميلادي، أي أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع الهجري، أصبحت جزيرة موزمبيق جزءًا معروفًا من شبكة الملاحة والتجارة في المحيط الهندي. وتذكر بعض المصادر أن الجزيرة أدت دورًا في الروابط التجارية العابرة للقارات منذ القرن العاشر على الأقل.
ومع استقرار بعض التجار والبحارة المسلمين وزواجهم من السكان المحليين، انتقل الإسلام تدريجيًا من جماعات الموانئ إلى مجتمع محلي دائم. وكانت تلك العملية مرتبطة بالعالم السواحيلي الذي امتد من جنوب الصومال وكينيا وتنزانيا إلى شمال موزمبيق وجزر القمر.
ولهذا فإن شمال موزمبيق تاريخيًا أقرب من الناحية الحضارية البحرية إلى منظومة الساحل السواحيلي والمحيط الهندي منه إلى الصورة الشائعة عن جنوب إفريقيا القاري المعزول عن العالم الإسلامي.
جزيرة موزمبيق.. مركز إسلامي قبل وصول البرتغاليين
تحتل جزيرة موزمبيق مكانة خاصة في هذا التاريخ. وتقع الجزيرة قبالة ساحل ولاية نامبولا، ومنها أخذت الدولة الحديثة اسمها.
حين وصل البحار البرتغالي فاسكو دا غاما إلى الجزيرة في 2 مارس/آذار 1498م، نحو جمادى الآخرة 903هـ، لم يصل إلى أرض خالية أو إلى مجتمع لم يعرف الإسلام؛ بل وجد مركزًا تجاريًا يحكمه زعيم مسلم وتوجد فيه بنية اجتماعية مرتبطة بالتجار المسلمين والساحل السواحيلي.
وتشير وثائق تاريخية أوردتها اليونسكو إلى أن دا غاما استُقبل في البداية من سلطان الجزيرة وسكانها الذين ظنوه مسلمًا، وهو دليل مهم على الطبيعة الإسلامية للمركز التجاري الذي واجهه البرتغاليون عند وصولهم.
وبعد ذلك أنشأ البرتغاليون مركزًا تجاريًا في الجزيرة سنة 1502م، الموافق تقريبًا 907–908هـ، ثم شيدوا حصنًا سنة 1507م، الموافق 912–913هـ. وأصبحت جزيرة موزمبيق لاحقًا إحدى أهم قواعد البرتغال على الطريق البحري إلى الهند.
لكن وصول البرتغاليين لم يؤد إلى اختفاء الإسلام من الشمال؛ فالدراسات المتخصصة تبين أن عددًا من المجتمعات والسلالات المسلمة الساحلية حافظ على روابطه بشرق إفريقيا وجزر القمر، وظلت بعض المناطق خارج السيطرة الفعلية الكاملة للبرتغاليين حتى فترة متأخرة من الاستعمار.
كيف انتقل الإسلام من الساحل إلى الداخل؟
كان الإسلام في مراحله الأولى أقوى في الجزر والمدن الساحلية، لكن هذه الخريطة تغيرت تدريجيًا، ولا سيما خلال القرن التاسع عشر الميلادي، الموافق تقريبًا 1214–1317هـ.
فقد أقامت الأسر المسلمة الساحلية علاقات سياسية وتجارية وصلات مصاهرة مع زعماء المجتمعات في الداخل. وانتقل معها المعلمون والفقهاء والتجار، وانتشرت الكتابة العربية والمدارس القرآنية وشبكات جديدة من النفوذ الديني.
ولا ينبغي تقديم هذا التوسع بصورة مثالية منفصلة عن سياقه التاريخي؛ فالقرن التاسع عشر شهد كذلك ازدهار تجارة الرقيق في المحيط الهندي، واشتركت قوى إفريقية وساحلية وإقليمية مختلفة في تلك التجارة. وتشير الأبحاث التاريخية إلى تداخل بعض شبكات السلطة والتجارة الإسلامية في شمال موزمبيق آنذاك مع هذا النظام الاقتصادي. وفي الوقت نفسه أسهمت العلاقات السياسية والمصاهرة والتعليم في انتشار الإسلام بعيدًا عن الساحل.
المذهب والاتجاهات الدينية
غالبية مسلمي موزمبيق من أهل السنة. والتقاليد الإسلامية التاريخية لساحل شمال موزمبيق ارتبطت على نحو خاص بالمذهب الشافعي، شأنها في ذلك شأن مناطق واسعة من الساحل السواحيلي وجزر المحيط الهندي واليمن الجنوبي.
وتشير دراسات ميدانية إلى أن المسلمين في جزيرة موزمبيق وأنغوشي ومناطق أخرى من نامبولا عرّفوا أنفسهم تاريخيًا بأنهم شافعية، وأن كتبًا شافعية معروفة كانت مستخدمة في التعليم والفقه المحلي.
وفي أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين انتشرت في البلاد طرق صوفية، وبصورة خاصة القادرية والشاذلية، وأصبحت ذات تأثير واسع في عدد من مجتمعات الشمال. ويرجع الباحثون دخول بعض هذه الشبكات وانتشارها المنظم إلى الفترة التي تبدأ تقريبًا من 1896م، الموافق 1313–1314هـ.
وخلال القرن العشرين ظهرت كذلك تيارات إصلاحية وسلفية، تأثر بعضها بخريجين درسوا في مؤسسات إسلامية في شرق إفريقيا والهند والسعودية ودول عربية أخرى. وأدى ذلك في مراحل مختلفة إلى نقاشات وخلافات داخل المجتمع المسلم حول الممارسات الدينية والتعليم والمرجعية الشرعية. فالوصف العام لمسلمي موزمبيق ليس كتلة دينية متجانسة تمامًا؛ فهم مجتمع سني في غالبيته، لكنه عرف تاريخيًا مدارس واتجاهات ومؤسسات متعددة.
المدارس القرآنية وحفظ الهوية الإسلامية

لعب التعليم التقليدي دورًا محوريًا في بقاء الإسلام، خصوصًا في المناطق التي لم تكن فيها مؤسسات تعليم إسلامي عليا.
وتسمى المدرسة القرآنية محليًا في مناطق عدة “مدرسة” madrasa، ويُطلق على المعلم لفظ قريب من العربية “معلّم”. وقد أظهرت الدراسات الميدانية في جزيرة موزمبيق وأنغوشي أن المدارس القرآنية ظلت من أهم مؤسسات نقل القرآن والمبادئ الدينية من جيل إلى جيل.
كما أدت الكتابة العربية والتعليم الإسلامي في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين دورًا يتجاوز العبادة وحدها، إذ أسهما في تكوين طبقة من المتعلمين في مناطق شمال موزمبيق قبل انتشار التعليم الحكومي الحديث على نطاق واسع.
المسلمون تحت الاحتلال البرتغالي
لم تكن العلاقة بين المسلمين والسلطة البرتغالية على وتيرة واحدة طوال نحو خمسة قرون من الوجود الاستعماري.
فبعد الصدامات المبكرة مع المراكز التجارية الإسلامية في القرن السادس عشر الميلادي، الموافق القرن العاشر الهجري تقريبًا، لم تتمكن البرتغال من القضاء على المؤسسات الإسلامية في الشمال. واستمرت الروابط الدينية والتجارية مع الساحل السواحيلي وجزر القمر والعالم الإسلامي الأوسع.
ومع اقتراب نهاية عهد الاحتلال، ولا سيما خلال حرب التحرير التي بدأت سنة 1964م، الموافق 1383–1384هـ، ازداد اهتمام السلطات البرتغالية بالمسلمين. فقد أدركت لشبونة أن الحرب تتركز إلى حد كبير في شمال البلاد حيث توجد مجتمعات إسلامية كبيرة، وحاولت في سنواتها الأخيرة بناء علاقات مع بعض القيادات الإسلامية، ودعمت أنشطة دينية ومساجد وحتى ترتيبات للحج ضمن سياسة هدفت إلى كسب المسلمين سياسيًا.
الاستقلال ثم مرحلة التضييق على الدين
نالت موزمبيق استقلالها عن البرتغال في 25 يونيو/حزيران 1975م، الموافق تقريبًا 15 جمادى الآخرة 1395هـ.
وبعد الاستقلال تبنت جبهة تحرير موزمبيق “فريليمو” نهجًا اشتراكيًا ماركسيًا، ثم أعلنت بصورة أكثر وضوحًا توجهها الأيديولوجي سنة 1977م، الموافق 1397–1398هـ. واعتبرت الحكومة الجديدة الدين في تلك المرحلة عائقًا أمام مشروعها الاشتراكي، فتضررت المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية معًا من سياسات الدولة.
إلا أن هذه السياسة بدأت تتراجع في مطلع الثمانينيات. وتحوّل النظام تدريجيًا من المواجهة المفتوحة إلى الاعتراف بالمؤسسات الدينية ومحاولة تنظيم العلاقة معها. وفي يناير/كانون الثاني 1981م، الموافق تقريبًا 1401هـ، تأسس المجلس الإسلامي في موزمبيق Conselho Islâmico de Moçambique في سياق إعادة صياغة علاقة الدولة بالمجتمع المسلم، ثم شهدت البلاد بروز مظلات ومؤسسات إسلامية أخرى وتنافسًا بينها.
وبحلول التسعينيات، ولا سيما بعد التحول السياسي والدستوري سنة 1990م، الموافق 1410–1411هـ، اتسع المجال العام أمام الدين، وعادت المؤسسات الإسلامية بقوة أكبر إلى التعليم والعمل الاجتماعي والحياة العامة. وتصف دراسة حديثة من جامعة أكسفورد تلك المرحلة بأنها انتقال من القمع بعد الاستقلال إلى التسامح المراقَب في الثمانينيات ثم إلى توسع المجال الديني والسياسي في التسعينيات.
وضع الإسلام في الدولة اليوم
موزمبيق دولة علمانية دستوريًا، ولا توجد فيها ديانة رسمية للدولة. ويكفل الدستور حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر، ويحظر التمييز الديني، ويسمح للجماعات الدينية بتنظيم نفسها وتشغيل مؤسسات تعليمية، بينما لا يسمح بالتعليم الديني داخل المدارس الحكومية.
وتعمل في البلاد اليوم مساجد ومدارس وجمعيات إسلامية متعددة، كما توجد وسائل إعلام إسلامية؛ ومن بينها إذاعة “صوت الإسلام” Voz do Islam التي وصفها تقرير وزارة الخارجية الأمريكية بأنها محطة واسعة الانتشار.
وتظل اللغة البرتغالية لغة الدولة الرسمية، في حين يستخدم المسلمون في حياتهم اليومية لغات محلية عديدة مثل الإيماخوا، والكيمواني، والسياو وغيرها، بينما تحتفظ العربية بمكانتها الدينية في القرآن والصلاة وبعض مجالات التعليم الشرعي.
كابو ديلغادو: التمرد المسلح
أصبحت صورة المسلمين في موزمبيق خارجيًا مرتبطة في السنوات الأخيرة بالحرب في كابو ديلغادو، وهو اختزال شديد لمجتمع إسلامي يمتد تاريخه أكثر من ألف سنة.
بدأ التمرد المسلح في كابو ديلغادو في أكتوبر/تشرين الأول 2017م، الموافق محرم 1439هـ، عندما هاجمت جماعة مسلحة مواقع حكومية في موسيمبوا دا برايا. وفي 2019م، الموافق 1440–1441هـ، ارتبط المقاتلون بصورة أوضح بتنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.
لكن الدراسات المتخصصة تؤكد أن وجود الإسلام التاريخي في المنطقة لا يفسر وحده ظهور التمرد، وأن المسلمين في موزمبيق تحيط بهم عوامل متعددة: الدعوات الجهادية العابرة للحدود، وشبكات التجنيد، والفقر والبطالة، والإحساس بالتهميش السياسي، والنزاع على الأرض والموارد، والتفاوت في الاستفادة من مشروعات الغاز والتعدين، فضلًا عن توترات محلية قديمة.
لماذا يمثل مسلمو موزمبيق حالة مهمة في تاريخ الإسلام الإفريقي؟
تكمن أهمية مسلمي موزمبيق في أنهم يمثلون الحد الجنوبي تقريبًا لإحدى أقدم مناطق الانتشار الإسلامي المتصل على ساحل المحيط الهندي الإفريقي.
فالوجود الإسلامي هناك يربط تاريخ موزمبيق بتاريخ كيلوا وزنجبار وتنزانيا وجزر القمر ومدغشقر واليمن والهند. كما أنه يبيّن أن تاريخ الإسلام في إفريقيا لم يكن محصورًا في شمال القارة أو منطقة الساحل والصحراء؛ إذ نشأت على الساحل الجنوبي الشرقي للقارة أيضًا مجتمعات إسلامية إفريقية أصيلة امتلكت مساجدها ومدارسها وقياداتها وشبكاتها التجارية والثقافية الخاصة منذ قرون.
وتكشف الحالة الموزمبيقية كذلك قدرة تلك المجتمعات على البقاء رغم التحولات الكبيرة: السيطرة البرتغالية، ومحاولات الهيمنة على الموانئ الإسلامية، والتغيرات الاقتصادية في المحيط الهندي، وحكم الاحتلال المباشر، وسياسة التضييق على الدين بعد الاستقلال، ثم الحرب الأهلية والتحولات السياسية الحديثة.
الخلاصة


مسلمو موزمبيق ليسوا جماعة وافدة حديثة، بل مكوّن أصيل من سكان البلاد يعود وجوده المنظم إلى ما قبل وصول البرتغاليين بقرون. دخل الإسلام سواحل شمال موزمبيق منذ القرن الثامن الميلادي، أي القرن الثاني الهجري، وترسخ في مراكز ساحلية مثل جزيرة موزمبيق وأنغوشي، ثم امتد إلى الداخل وأصبح جزءًا من هوية شعوب مثل الماخوا والمواني والياو وغيرها.
ويمثل المسلمون، وفق آخر تعداد ديني شامل سنة 2017م/1438–1439هـ، 18.9% من سكان البلاد، مع ثقل واضح في الشمال؛ ففي نياسا تبلغ نسبتهم 59%، وفي كابو ديلغادو يشكلون أكبر جماعة دينية وأكثر من نصف السكان وفق بيانات التعداد، وفي نامبولا يقاربون 40% من السكان.
والغالبية من أهل السنة، مع جذور شافعية راسخة مرتبطة بالعالم السواحيلي والمحيط الهندي، ثم ظهرت عبر التاريخ طرق صوفية وتيارات إصلاحية واتجاهات إسلامية متعددة. وبذلك فإن دراسة مسلمي موزمبيق لا تكتمل بالنظر إلى الأرقام وحدها؛ فهي في حقيقتها دراسة لامتداد حضاري إسلامي عريق ظل حاضرًا في أقصى جنوب الساحل الشرقي لإفريقيا لأكثر من اثني عشر قرنًا.
ويبقى مسلمو موزمبيق جزءًا أصيلًا من جسد العالم الإسلامي، لا ينبغي أن يُختزل حضورهم في أرقام التعداد أو في أخبار الصراع في شمال البلاد. فكثير من مناطق الثقل الإسلامي، ولا سيما في الشمال، تحتاج إلى مزيد من الدعم في مجالات التعليم، وتحسين سبل العيش، والرعاية الصحية، والمياه، وتأهيل الشباب، مع العناية بالمدارس القرآنية والمؤسسات التعليمية التي تحفظ الهوية الإسلامية وتفتح في الوقت نفسه أبوابًا أوسع للمعرفة والعمل.
ومن المهم ألا تبقى أخبار مسلمي موزمبيق بعيدة عن اهتمام المسلمين، بل أن تتحول المعرفة بأوضاعهم إلى صلة دائمة ومشروعات نافعة ومدروسة؛ من بناء المدارس وحفر الآبار ودعم الأيتام والأسر المحتاجة، إلى الوقف التعليمي وتمويل المشاريع الصغيرة والتدريب المهني. فالتواصل مع هذه المجتمعات والإنفاق في تنميتها ليس مجرد استجابة ظرفية للأزمات، بل استثمار طويل الأمد في استقرار مجتمع مسلم عريق ظل محافظًا على هويته قرونًا، ويستحق أن يحظى بما يليق به من اهتمام وتكافل.
ملاحظة تحريرية:
الأرقام والإحصاءات اعتمد المقال فيها أساسًا على المعهد الوطني للإحصاء في موزمبيق، مع الاستفادة من دراسات الباحثة ليازات بوناتي حول تاريخ الإسلام في شمال موزمبيق، ودراسات أكاديمية حديثة صادرة عن أكسفورد وكامبريدج، وتقارير الحرية الدينية للمقارنة والتحقق.





اترك تعليقاً