كشف تحقيق جديد لمنظمة «هيومن رايتس ووتش» عن حذف أكثر من 130 مليون اسم من السجلات الانتخابية في الهند، ضمن حملة حكومية واسعة لمراجعة قوائم الناخبين، محذرًا من أن الإجراءات شابتها مخالفات جسيمة وألحقت أضرارًا غير متناسبة بالأقلية المسلمة والنساء والفقراء، ولم تقتصر تداعياتها على الحرمان من التصويت، بل امتدت إلى قطع الإعانات الغذائية والمساعدات الحكومية وتعطيل الوثائق الرسمية، وسط احتجاجات شعبية ومطالبات بالتحقيق في نزاهة العملية.

وقالت المنظمة، في تقرير نشرته يوم 28 أكتوبر/تشرين الأول 2026، إن عملية المراجعة المكثفة الخاصة للقوائم الانتخابية، المعروفة اختصارًا بـ«SIR»، اتسمت بالغموض وتغيير الإجراءات وعدم وضوح معايير استبعاد المواطنين، ما أدى، بحسب تحقيقها، إلى حرمان أعداد كبيرة من الناخبين المؤهلين من حقوقهم.

ويستند التحقيق إلى مقابلات أجرتها المنظمة منذ أغسطس مع 70 شخصًا في العاصمة نيودلهي وولايات البنغال الغربية ومهاراشترا وكارناتاكا، بينهم 40 شخصًا تضررت أسرهم مباشرة من مراجعة السجلات، إلى جانب مسؤولين انتخابيين سابقين ومحامين وناشطين حقوقيين.

وتقول لجنة الانتخابات الهندية إن المراجعة تهدف إلى إزالة أسماء المتوفين والمكررين وغير المؤهلين، وتنفي ارتكاب مخالفات أو ممارسة تمييز سياسي، مؤكدة أن قراراتها تستند إلى القانون ويمكن الطعن فيها.

ملايين الأسماء المحذوفة.. والمسلمون بين الأكثر تضررًا

بدأت عملية مراجعة السجلات في يونيو/حزيران 2025، بعدما طالبت لجنة الانتخابات الناخبين بتقديم مستندات لإثبات أهليتهم، ثم توسعت الإجراءات تدريجيًا لتشمل ولايات ومناطق إضافية.

وبحسب بيانات اللجنة التي أوردتها تقارير إعلامية، فإن الأسماء المحذوفة، التي تجاوزت 130 مليونًا، تشمل متوفين وأشخاصًا انتقلوا من مناطق تسجيلهم وأسماء مكررة وآخرين تعذر العثور عليهم.

غير أن «هيومن رايتس ووتش» تؤكد أن العملية شملت أيضًا استبعاد مواطنين مؤهلين للتصويت، وأن العبء الأكبر وقع على الأقليات الدينية والفئات محدودة الدخل والنساء.

وكشف التحقيق عن تفاوت لافت في بعض الدوائر الانتخابية؛ ففي دائرة باثاربراتيما بولاية البنغال الغربية، شكّل المسلمون أكثر من 92% من الأشخاص المحذوفة أسماؤهم، رغم أنهم يمثلون نحو 9% فقط من سكان الدائرة، وفق البيانات التي استند إليها التقرير.

وفي دائرة بهاوانيبور بالولاية نفسها، وجد معهد «سابار» البحثي أن المسلمين يشكلون نحو 20% من السكان، لكنهم يمثلون قرابة 52% من الأسماء المدرجة ضمن قائمة الناخبين المشكوك في بياناتهم.

ولا تعني هذه النسب أن جميع المحذوفين على المستوى الوطني من المسلمين؛ لكنها تكشف، بحسب المنظمة، تفاوتًا يستدعي التحقيق في مدى حياد إجراءات المراجعة.

خطأ إملائي أو كثرة الأشقاء قد يحرم المواطن من التصويت

من أبرز ما كشفه التحقيق أن لجنة الانتخابات استخدمت معيارًا وصفته بـ«التناقضات المنطقية»، لتحديد بعض الأسماء التي تحتاج إلى مراجعة إضافية، دون تعريف واضح ومعلن لهذا المعيار.

وبحسب المنظمة، شملت أسباب الاعتراض على أسماء بعض الناخبين اختلافات بسيطة في كتابة الأسماء، أو وجود ستة أشقاء فأكثر في الأسرة، أو تقارب تواريخ ميلاد الأبناء.

وفي إحدى الحالات، قال خياط مسلم يبلغ 26 عامًا من منطقة جنوب 24 بارغاناس في البنغال الغربية إن اسمه وأسماء خمسة من أشقائه وُضعت ضمن القوائم المشكوك فيها بسبب عدد أفراد الأسرة، رغم امتلاكهم الوثائق المطلوبة ووجود أسماء عائلتهم في سجلات الناخبين منذ أجيال.

وفي حالة أخرى، حُذف اسم محمد شميم أختر، وهو ضابط سابق برتبة قائد جناح في سلاح الجو الهندي، من القوائم الانتخابية في مارس 2026.

وقال أختر إنه لم يتلقَّ إشعارًا أو فرصة للمثول أمام جلسة استماع، رغم تمكنه من ربط بياناته بالقوائم الانتخابية القديمة. ورجح أن يكون السبب اختلافًا طفيفًا في كتابة اختصار اسمه بين مستند وآخر.

وحتى تاريخ نشر التحقيق، كان طعنه المقدم منذ أبريل لا يزال معلقًا، بينما بقيت أسماء أفراد أسرته الآخرين مسجلة.

وتشير المنظمة إلى أن النظام الإلكتروني المستخدم في المراجعة يعتمد على رقمنة سجلات قديمة وترجمة الأسماء المكتوبة بلغات هندية مختلفة إلى الإنجليزية، ما أدى إلى أخطاء في مطابقة الأسماء.

وتبرز المشكلة خصوصًا مع الأسماء الإسلامية التي تُكتب بأكثر من صيغة، مثل محمد (Mohammed وMohammad وMohd)، وكذلك شيخ (Sheikh وShaikh).

وكان مكتب المسؤول الانتخابي في البنغال الغربية قد أقر في ديسمبر 2025 بوجود خلل في البرنامج نتيجة عدم رقمنة بعض بيانات عام 2002 بصورة دقيقة.

طلبات جماعية لحذف أسماء المسلمين

ولم تتوقف الشكاوى عند أخطاء البرمجيات، إذ وثق التحقيق تقارير عن استخدام استمارات الاعتراض الانتخابي لتقديم طلبات جماعية بحذف أسماء مسلمين من السجلات.

وتسمح الاستمارة المعروفة باسم «النموذج 7» بالاعتراض على تسجيل ناخب لأسباب قانونية، مثل الوفاة أو تكرار الاسم أو عدم الأهلية.

لكن تقارير صحفية ومنظمات مدنية اتهمت أفرادًا مرتبطين بحزب بهاراتيا جاناتا الحاكم باستغلال هذه الآلية لتقديم اعتراضات تستهدف الناخبين المسلمين بأعداد كبيرة.

وفي دائرتين انتخابيتين بولاية أوتار براديش، استهدفت نحو 90% من طلبات الحذف المقدمة ناخبين مسلمين، وفق تحقيقات أوردتها المنظمة.

كما تحدثت تقارير عن تقديم خمسة رجال يُشتبه بارتباطهم بالحزب الحاكم 6500 طلب لحذف أسماء ناخبين مسلمين في ولاية أوتاراخند.

وفي أكتوبر 2026، شددت لجنة الانتخابات القيود على تقديم الاعتراضات، وحددت عدد الطلبات التي يجوز للناخب الواحد تقديمها خلال فترة المراجعة.

وتؤكد هذه الوقائع الحاجة إلى التمييز بين الاعتراضات القانونية المشروعة وبين الاتهامات بوجود استهداف جماعي، وهي اتهامات ما زالت موضع خلاف سياسي وقانوني.

من الحرمان من التصويت إلى فقدان الغذاء والمنح الدراسية

الأشد خطورة في نتائج التحقيق أن حذف الأسماء من القوائم الانتخابية لم يبقَ محصورًا في الحق بالتصويت.

فقد وثقت «هيومن رايتس ووتش» حالات استخدمت فيها السلطات بيانات المراجعة لتعطيل تجديد جوازات السفر، ورفض إصدار شهادات الإقامة، ووقف المساعدات النقدية والإعانات الغذائية والمنح الدراسية.

وفي ولاية بيهار، أزالت الحكومة المحلية أكثر من 3% من الأسماء المدرجة في نظام توزيع الحصص الغذائية المدعومة، عقب حذف أصحابها من سجلات الناخبين، وفق التقرير.

أما في البنغال الغربية، فقد أبلغت بعض الجهات الحكومية المواطنين الذين حُذفت أسماؤهم بأنهم لن يكونوا مؤهلين للحصول على بعض الإعانات ما لم يتقدموا بطعون.

ووثقت المنظمة حالات استمر فيها وقف المساعدات حتى بعد تقديم الاعتراضات القانونية.

وقالت امرأة تبلغ 38 عامًا من منطقة جنوب 24 بارغاناس إن مساعداتها النقدية توقفت بعدما حُذف اسمها من السجل الانتخابي، رغم تقديمها طعنًا على القرار.

وأوضحت أنها كانت تعتمد على تلك المساعدة لدفع الرسوم الدراسية لابنتها.

وفي حالة أخرى، قال خياط يبلغ 45 عامًا إن ابنه، البالغ 14 عامًا، حُرم من منحة دراسية حكومية بقيمة 1200 روبية هندية، بسبب حذف اسمَي والديه من قوائم الناخبين.

كما تعذر على طالب حصل على مقعد في برنامج للدكتوراه استكمال إجراءات التحاقه بالجامعة، بعد رفض إصدار شهادة إقامة له على خلفية حذف اسمه.

وهكذا أصبح قرار إداري يتعلق بالسجل الانتخابي، في بعض الحالات، مؤثرًا في الغذاء والتعليم والدخل والوثائق الرسمية، وفق النتائج التي توصل إليها التحقيق.

مخاوف من استخدام الحذف ذريعة للاحتجاز والترحيل

وأثار التحقيق مخاوف إضافية بشأن أوضاع المسلمين الناطقين بالبنغالية، الذين يواجه بعضهم اتهامات بكونهم مهاجرين غير نظاميين من بنغلاديش.

ففي ديسمبر 2025، دافع وزير الداخلية الهندي أميت شاه عن إجراءات المراجعة في سياق سياسة تقوم على كشف من تصفهم السلطات بالمتسللين وحذف أسمائهم وترحيلهم.

لكن المحكمة العليا الهندية أوضحت في مايو 2026 أن عملية مراجعة قوائم الناخبين ليست اختبارًا لإثبات الجنسية.

ومع ذلك، وثقت «هيومن رايتس ووتش» حالات حاولت فيها السلطات احتجاز أشخاص بعد حذف أسمائهم، بينهم امرأة في منطقة بانكورا بالبنغال الغربية قال محاميها إن الشرطة اعتبرتها مهاجرة غير شرعية، رغم أن طعنها كان لا يزال قيد النظر.

كما حذرت المنظمة من استخدام بيانات السجلات في إجراءات احتجاز أو ترحيل دون ضمانات قانونية، خصوصًا في ظل تقارير سابقة عن إعادة قسرية لمسلمين من أصول بنغالية إلى بنغلاديش.

وتؤكد هذه التطورات أن حذف الاسم من قائمة الناخبين لا يثبت انعدام جنسية الشخص أو وجوده بصورة غير قانونية.

احتجاجات واسعة ولجنة الانتخابات تنفي الاتهامات

أثارت إجراءات المراجعة احتجاجات شارك فيها عشرات الآلاف خلال أكتوبر، للمطالبة بإلغاء العملية والتحقيق في التجاوزات المنسوبة إلى لجنة الانتخابات.

واتهمت «هيومن رايتس ووتش» قوات الأمن باستخدام القوة والاعتقال بحق متظاهرين سلميين، إضافة إلى انتهاكات طالت صحفيين كانوا يغطون الاحتجاجات.

وفي المقابل، قدمت لجنة الانتخابات الهندية إفادة إلى المحكمة العليا يوم 26 أكتوبر، أكدت فيها قانونية إجراءات المراجعة وأن القرارات الأساسية اتُّخذت بالإجماع داخل اللجنة.

كما نفت تعديل النموذج القانوني الخاص بتسجيل الناخبين، وقالت إن الاستمارات الإضافية لا تمثل تغييرًا غير مشروع في قواعد التسجيل.

ومن جانبها، كانت المحكمة العليا قد رأت في مايو 2026 أن البيانات المعروضة عليها آنذاك لا تثبت وجود حرمان ممنهج من التصويت، بينما لا تزال الطعون المتعلقة بالإجراءات وصلاحيات مسؤولي اللجنة منظورة أمام القضاء.

ومع ذلك، أظهر التحقيق أن نحو 93% من الطعون التي بُتّ فيها في البنغال الغربية انتهت بإعادة أصحابها إلى سجلات الناخبين، وهو ما يثير تساؤلات بشأن دقة قرارات الحذف الأولية، مع استمرار ملايين الطعون الأخرى دون حسم.

حقوق انتخابية تتحول إلى أزمة معيشية

حذرت «هيومن رايتس ووتش» من أن الإجراءات الحالية قد تؤدي إلى حرمان أعداد كبيرة من المواطنين من حقهم في المشاركة السياسية، بما يتعارض مع التزامات الهند الدولية المتعلقة بالحقوق المدنية والسياسية.

وطالبت المنظمة بإلغاء عملية المراجعة بصيغتها الحالية، وإعادة الحقوق الانتخابية إلى من حُذفت أسماؤهم دون مسوغ قانوني، وضمان عدم استخدام بيانات الناخبين لحرمان المواطنين من الغذاء أو التعليم أو الخدمات الحكومية.

وتكشف نتائج التحقيق عن قضية تتجاوز الخلاف بشأن تحديث السجلات الانتخابية؛ فحين يصبح اختلاف حرف في الاسم، أو تعذر إثبات صلة عائلية قديمة، سببًا لحرمان إنسان من التصويت أو الحصول على الخدمات، فإن الإجراءات الإدارية تتحول إلى مسألة تمس حقوقه الأساسية.

وبالنسبة إلى ملايين المسلمين والأسر الفقيرة في الهند، لم يعد السؤال مقتصرًا على حقهم في وضع أصواتهم داخل صناديق الاقتراع، بل امتد إلى قدرتهم على إثبات أهليتهم للحصول على الغذاء والتعليم والوثائق والخدمات التي يعتمدون عليها في حياتهم اليومية.