لم يعد السؤال المطروح في العلاقة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مقتصرًا على حجم الخلافات بين الرجلين، بل بات يتجاوز ذلك إلى احتمال أن يكون نتنياهو قد تحول، في حسابات البيت الأبيض، من حليف استراتيجي إلى عبء سياسي، في وقت يبحث فيه ترامب عن مخرج من تداعيات الحرب على إيران والهزيمة التي مُني بها حزبه في الانتخابات النصفية الأمريكية.

فالتسريب الذي كشف عنه الصحفي الإسرائيلي بن كسبيت، بشأن رسالة نُقلت من مقربين من ترامب إلى غادي آيزنكوت، رئيس حزب «يشار» الإسرائيلي، يكتسب أهميته من توقيته والسياق السياسي المحيط به، لا من مضمونه وحده.

وبحسب ما أورده كسبيت في القناة الإسرائيلية الـ12، ونقلته وسائل إعلام إسرائيلية بينها «معاريف»، فإن شخصيات مقربة من الرئيس الأمريكي أوصلت إلى فريق آيزنكوت رسالة تدعوه إلى الإسراع بتشكيل حكومة جديدة وإنهاء حكم نتنياهو، وجاء مضمونها واضحًا: «شكّلوا الحكومة الآن، واستبدلوا بيبي الآن».

ولا يمثل هذا التسريب إعلانًا رسميًا من الإدارة الأمريكية، كما لا يثبت أن ترامب أصدر توجيهًا شخصيًا بإقصاء نتنياهو، لكنه يطرح سؤالًا جوهريًا: هل بدأت واشنطن الاستعداد لمرحلة ما بعد نتنياهو، بعدما أصبح استمرار التحالف معه مكلفًا سياسيًا لترامب نفسه؟

من التحالف إلى عبء الحرب

لا يمكن قراءة هذا التطور بعيدًا عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي تحولت من عملية كان يُفترض أن تكون محدودة زمنيًا إلى صراع ممتد، استنزف الموارد ورفع كلفة الطاقة، وأصبح أحد العوامل التي ساهمت في الهزيمة الانتخابية للجمهوريين.

وقد كشف نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، في أعقاب انتخابات الثالث من نوفمبر، عن حجم المأزق حين حمّل الحرب مسؤولية خسارة الحزب الجمهوري، معتبرًا أن الناخبين يريدون أيضًا تغييرًا في طبيعة العلاقة الأمريكية مع إسرائيل.

ولم ينفِ ترامب هذا التفسير، بل أقر بأن الحرب كانت أحد أسباب الخسارة، وأن ارتفاع أسعار الوقود الناجم عنها أثّر في الناخبين. لكنه تمسك في الوقت نفسه بقرار خوض الحرب، مؤكدًا أنه كان سيتخذ القرار ذاته مجددًا.

وهنا تظهر المفارقة: فترامب لا يريد الاعتراف بأن قراره الاستراتيجي كان خاطئًا، لكنه بات يواجه الثمن الانتخابي لذلك القرار. ومن ثم، قد يصبح البحث عن طرف آخر يتحمل نصيبًا أكبر من المسؤولية مخرجًا سياسيًا مغريًا.

وفي هذا السياق، يبدو نتنياهو مرشحًا واضحًا لتحمل هذا العبء، بالنظر إلى موقعه في الدفع باتجاه المواجهة مع إيران، ورهانه على القوة الأمريكية لحسم الصراع لمصلحة كيان الاحتلال “إسرائيل”.

لكن تحميل نتنياهو المسؤولية لا يلغي حقيقة أن قرار دخول الولايات المتحدة الحرب اتخذته إدارة ترامب نفسها، وأن الرئيس الأمريكي ما زال يدافع عنه.

إنه خلاف محتمل حول كلفة الحرب وإدارتها، وليس دليلًا بعد على خلاف جذري بشأن أهدافها.

المساعدات العسكرية.. إشارة أخرى إلى تبدل الحسابات

جاء إعلان ترامب بشأن إنهاء المساعدات العسكرية السنوية للاحتلال الإسرائيلي ليضيف مؤشرًا آخر إلى التحولات الجارية.

ففي الثالث من نوفمبر، أعلن الرئيس الأمريكي اعتزام إنهاء المساعدات التي تبلغ نحو أربعة مليارات دولار سنويًا، مع الإبقاء على مبيعات الأسلحة، وقال إن نتنياهو نفسه ناقش معه سابقًا إمكان إنهاء تلك المساعدات.

غير أن الإعلان لا يعني أن التمويل توقف بالفعل؛ فالاتفاق القائم ينص على تقديم 38 مليار دولار خلال عشر سنوات حتى عام 2028، وأي تغيير جوهري في آليات التمويل يحتاج إلى ترتيبات وقرارات تشريعية.

وتكمن دلالة التصريح في أن ترامب بات يتحدث علنًا عن الدعم الأمريكي لما يسمى “إسرائيل” بوصفه قضية ذات كلفة سياسية داخلية، يمكن أن تستغلها المعارضة الديمقراطية، بل ويعترض عليها بعض أنصاره الجمهوريين.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين وقف المساعدات المباشرة وبين إنهاء الدعم العسكري. فاستمرار بيع الأسلحة والتعاون الصناعي والتكنولوجي والأمني يعني أن واشنطن قد تكون بصدد إعادة صياغة أدوات دعم دولة الاحتلال الإسرائيلي، لا التخلي عنها.

وهذا هو الفارق بين تغيير صورة العلاقة أمام الناخب الأمريكي، وتغيير جوهرها على أرض الواقع.

هزيمة نتنياهو تفتح الباب أمام البديل

في الجانب الإسرائيلي، جاءت انتخابات 27 أكتوبر لتضع نتنياهو أمام مأزق داخلي متزامن مع الضغوط الأمريكية.

فقد أعلن رئيس الاحتلال الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، في السابع من نوفمبر، قراره تكليف غادي آيزنكوت بتشكيل الحكومة الجديدة، بعدما أوصت به كتل تمثل 67 عضوًا في الكنيست، مقابل 46 عضوًا أوصوا بنتنياهو.

ومن المقرر تسليم آيزنكوت التكليف رسميًا في الثامن من نوفمبر، على أن تكون أمامه 28 يومًا لتشكيل الحكومة، مع إمكانية تمديد المهلة 14 يومًا إضافية.

لكن التكليف لا يعني أن آيزنكوت ضمن تشكيل الحكومة؛ إذ لا تزال التحالفات البرلمانية معقدة، وقد لا يستطيع تحويل العدد الكبير من التوصيات إلى ائتلاف مستقر.

ومع ذلك، فإن هذا التطور يمنح التسريب المتعلق بموقف المقربين من ترامب أهمية إضافية.

فإذا كانت واشنطن تبحث بالفعل عن بديل لنتنياهو، فإن آيزنكوت يمثل خيارًا يمكن التعامل معه من داخل المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية نفسها، دون الحاجة إلى انقلاب في الخيارات الاستراتيجية للبلاد.

وهنا تكمن النقطة الأهم: فآيزنكوت ليس ممثلًا لتيار معادٍ للسياسات الأمنية الإسرائيلية، بل قائد سابق لهيئة الأركان، ويؤكد التزامه بالحفاظ على كيان “إسرائيل” دولة يهودية، وتعزيز التحالف مع الولايات المتحدة، ومواصلة العمل على تفكيك القدرات العسكرية والحكومية لحركة حماس.

وعليه، فإن استبدال نتنياهو بآيزنكوت، إذا تحقق، لا يعني بالضرورة استبدال السياسات الإسرائيلية تجاه فلسطين أو إيران أو المنطقة، وإنما قد يعني إدارة تلك السياسات بقيادة مختلفة، وأدوات أقل إثارة للخلاف مع واشنطن.

هل يُضحّي ترامب بنتنياهو لينقذ نفسه؟

من الممكن أن يكون نتنياهو قد فقد جزءًا من قيمته السياسية بالنسبة إلى ترامب.

فالرئيس الأمريكي الذي قدّم نفسه بوصفه قادرًا على إنهاء الحروب، وجد إدارته متورطة في حرب طويلة، وحزبه خارج السيطرة على مجلسَي الكونغرس، ووعوده بخفض تكاليف المعيشة تتعرض لضغوط متزايدة.

وفي هذه الظروف، قد لا يعود تمسكه بنتنياهو مكسبًا، بل عنصرًا يزيد صعوبة الدفاع عن سياسته أمام الناخبين.

لكن من السابق لأوانه اعتبار التسريب دليلًا على قطيعة نهائية؛ فالمصادر التي نقلت الرسالة لم تعلن هوياتها، ولم يصدر موقف رسمي من البيت الأبيض يؤكد تبني ترامب الدعوة إلى إقصاء نتنياهو.

كما أن هناك فارقًا بين رغبة بعض المقربين من الرئيس في تسريع تشكيل حكومة إسرائيلية، وبين وجود قرار أمريكي شامل لتغيير القيادة الإسرائيلية.

غير أن تزامن التسريب مع الهزيمة الانتخابية، والجدل حول حرب إيران، وإعلان المساعدات العسكرية، وتراجع موقع نتنياهو داخل كيان الاحتلال، يجعل فرضية التحول في حسابات واشنطن جديرة بالاهتمام.

فالأمر لا يتعلق بالضرورة بتغير قناعات ترامب، بقدر ما يتعلق بتغير موازين المكاسب والخسائر.

من فنزويلا إلى إيران.. حسابات الحرب التي لم تتحقق

تزداد هذه القراءة أهمية عند العودة إلى الظروف التي سبقت اندلاع الحرب على إيران، وإلى الدور الذي نُسب إلى نتنياهو في إقناع ترامب بإمكان تحقيق نصر سريع.

فقد نقلت صحيفة «الغارديان»، في تقرير نشرته في مايو 2026، عن الدبلوماسي الإسرائيلي السابق ألون بينكاس أن نتنياهو استخدم نجاح العملية الأمريكية في فنزويلا لإقناع ترامب بإمكان تكرار تجربة مشابهة في إيران، من خلال عملية عسكرية سريعة تفضي إلى تغيير النظام.

والمفارقة أن الحرب التي كان يُفترض أن تحقق نتائج حاسمة سرعان ما تحولت إلى صراع أكثر تعقيدًا واستمرارًا، وأصبحت كلفتها الاقتصادية والسياسية تمتد إلى الداخل الأمريكي نفسه.

بل إن نتنياهو واصل، بحسب تقارير صحفية، الضغط باتجاه استئناف ضربات واسعة ضد إيران، في وقت كانت فيه دوائر أمريكية تبدي تحفظًا على العودة إلى التصعيد.

وهكذا تبدو العلاقة بين الحليفين محكومة بتناقض متزايد: نتنياهو يرى في استمرار الضغط العسكري وسيلة لتحقيق أهداف “إسرائيل” الإقليمية، بينما يتعين على ترامب أن يحسب أيضًا كلفة الحرب على الاقتصاد الأمريكي ومستقبله السياسي.

وقد يؤدي هذا التناقض إلى رغبة أمريكية في التخلص من نتنياهو شخصيًا، دون التخلي عن الأهداف الاستراتيجية التي جمعتهما.

هل يتغير مسار الحرب على إيران؟

قد يكون تغيير الحكومة الإسرائيلية مدخلًا إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي الإقليمي، وربما تسهيل تسوية أو تهدئة أو إعادة صياغة أهداف المواجهة مع إيران.

وقد تستفيد إدارة ترامب من وصول قيادة إسرائيلية جديدة لتقديم أي تحول في مسار الحرب بوصفه ثمرة مراجعة سياسية، بدل الاعتراف بإخفاق الرهانات السابقة.

لكن هذه الإمكانية لا تعني أن تغيير القيادة في كيان “إسرائيل” سيؤدي تلقائيًا إلى إنهاء الحرب، فضلًا عن تغيير موقف واشنطن من إيران.

فترامب، رغم اعترافه بكلفة الحرب الانتخابية، لم يتراجع عن الدفاع عنها، ولا يزال يعتبر منع إيران من امتلاك سلاح نووي مبررًا لاستمرار العمليات العسكرية.

وفي المقابل، لا توجد مؤشرات كافية على أن آيزنكوت، إذا أصبح رئيسًا للوزراء، سيعتمد سياسة إقليمية مغايرة جذريًا لسياسة نتنياهو.

وقد تتغير اللغة والأولويات وأساليب إدارة الصراع، لكن المصالح الأمنية والتحالفات العسكرية التي تقوم عليها السياسة الإسرائيلية أعمق من أن تختفي بمجرد انتقال السلطة من رئيس وزراء إلى آخر.

والأهم أن أي تغيير حقيقي ينبغي قياسه بما يحدث على الأرض: هل تتوقف العمليات العسكرية؟ هل تتغير شروط التفاوض مع إيران؟ هل يتراجع الدعم الأمريكي للعمليات الإسرائيلية؟ وهل تنعكس التحولات على سياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين ودول المنطقة؟

أما الاكتفاء بتغيير الأسماء والخطابات، فلا يكفي للحديث عن تحول استراتيجي.

تبديل الوجوه أم تبديل السياسات؟

ربما يكون ترامب قد بدأ البحث عن حليف إسرائيلي جديد لا يحمل معه العبء السياسي الذي بات يمثله نتنياهو، وربما تكون الدوائر القريبة منه قد أدركت أن بقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي لم يعد ضرورة لحماية المصالح الأمريكية والإسرائيلية المشتركة.

لكن الخطأ سيكون في المبالغة في تفسير هذا الاحتمال، وتصويره بوصفه بداية انفصال أمريكي عن كيان “إسرائيل”، أو مراجعة جذرية للسياسات التي أشعلت الصراع في المنطقة.

فالتاريخ السياسي للتحالفات الكبرى يُظهر أن الدول تستطيع التضحية بقادة ارتبطت بهم سنوات طويلة عندما يصبح استمرارهم عبئًا على مصالحها، دون أن يعني ذلك التخلي عن تلك المصالح.

وقد يكون نتنياهو اليوم أقرب إلى دفع ثمن إخفاق الرهانات التي شارك في صناعتها، فيما يحاول ترامب احتواء نتائجها داخليًا، وإعادة تقديم نفسه بوصفه صاحب القرار القادر على تصحيح المسار.

غير أن التخلص من الشخص الذي ارتبطت به الحرب ليس هو نفسه التخلص من منطق الحرب.

ومن هنا، فإن السؤال الأعمق ليس ما إذا كان ترامب يريد الإطاحة بنتنياهو، بل ما إذا كان مستعدًا للتخلي عن السياسات التي جعلت نتنياهو حليفًا مفضلًا له أصلًا.

وحتى تظهر الإجابة في القرارات العسكرية والسياسية الفعلية، ستبقى احتمالات التغيير مفتوحة، لكن الحذر واجب من بيع الأوهام بشأن تحول كبير لا تدعمه الممارسة.

فقد يغادر نتنياهو السلطة، وقد يأتي آيزنكوت أو غيره، وقد تتبدل لغة واشنطن وتل أبيب، لكن المحك الحقيقي سيظل في مصير الحرب على إيران، وفي السياسات الإسرائيلية تجاه فلسطين والمنطقة، لا في هوية من يجلس على كرسي رئاسة الحكومة.