من ضبط أربعة أطنان من الخضراوات المحتكرة في رفح إلى عصابات السطو على شاحنات الإغاثة، يكشف تتبع أزمة الغذاء في قطاع غزة عن شبكة معقدة من القيود الإسرائيلية، والجماعات المسلحة، وتجار السوق السوداء، وضعف الرقابة، وانهيار القدرة الشرائية. فمن يستولي على المساعدات؟ وأين تنتهي السلع المسروقة؟ وكيف يدفع النازحون ثمن هذه الفوضى؟
أربعة أطنان في رفح.. حادثة تفتح ملفًا أكبر
في 28 أكتوبر 2026، أعلنت مباحث التموين في محافظة رفح، جنوبي قطاع غزة، ضبط 4,030 كيلوغرامًا من البطاطس والبصل، قالت إنها كانت مخزنة لدى عدد من التجار بغرض الاحتكار، خلال جولة رقابية نُفذت بالتعاون مع وزارة الاقتصاد الوطني.
وبحسب البيان الرسمي، اتُّخذت إجراءات قانونية بحق التجار، وأشرفت الجهات المختصة على بيع الكميات المضبوطة للمواطنين في موقع ضبطها، وفق الأسعار المعتمدة. ولم يذكر البيان أسماء المخالفين أو حجم الأرباح المحتملة من الاحتكار، كما لم يوضح مصدر البضائع أو مدة تخزينها.
قد تبدو الواقعة محدودة مقارنة بحجم الكارثة الإنسانية في غزة، لكنها تفتح سؤالًا أوسع: كيف تصل المواد الغذائية إلى المستودعات والأسواق، بينما تعجز أسر نازحة كثيرة عن شراء احتياجاتها الأساسية؟ وأين ينتهي النقص الحقيقي وتبدأ ممارسات الاحتكار والاستغلال؟
وثمة تمييز لا بد منه منذ البداية: الخضراوات المضبوطة في رفح ليست، وفق المعلومات المنشورة، مساعدات إنسانية مسروقة. فالبيان يتحدث عن احتكار سلع تجارية، ولا يقدم دليلًا على ارتباط التجار المضبوطين بعصابات نهب قوافل الإغاثة.
غير أن الحادثة تصلح مدخلًا لفهم أزمة أوسع تتقاطع فيها سرقة المساعدات والاحتكار والمضاربة وقيود إدخال السلع، لتنعكس جميعها على حياة المدنيين.

حين تصبح المساعدات غنيمة.. كيف بدأت أزمة النهب؟
لم تنشأ أزمة نهب المساعدات في غزة من حادثة منفردة، بل تطورت مع الحرب الإسرائيلية التي اندلعت في أكتوبر 2023، وما رافقها من تدمير واسع للبنية التحتية، ونزوح السكان، وتقييد الإمدادات، وإضعاف مؤسسات الحماية والرقابة.
وتكشف تقارير الأمم المتحدة أن الأزمة بلغت مراحل خطيرة خلال عام 2025، حين أصبحت قوافل المساعدات تواجه خطرين متداخلين: هجمات العصابات المسلحة من جهة، واندفاع حشود من الجائعين نحو الشاحنات للحصول على الطعام من جهة أخرى.
وفي تقرير يغطي الفترة من 3 إلى 16 أغسطس 2025، أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» بدخول أكثر من 12 ألف طن من الدقيق والطرود الغذائية ومستلزمات المطابخ المجتمعية، لكن أكثر من 95% منها أُنزل من الشاحنات بواسطة حشود جائعة أو استولت عليه عصابات مسلحة، قبل وصوله إلى نقاط التوزيع المنظم.
وبسبب ذلك، لم يتمكن الشركاء الإنسانيون خلال الفترة المذكورة من إجراء التوزيعات المنزلية المقررة للفئات الأشد احتياجًا.
وهنا تظهر مشكلة أساسية في تفسير الأرقام؛ فليس كل ما أُنزل من شاحنة خارج منظومة التوزيع الرسمي مسروقًا بواسطة عصابة. فهناك فرق بين مسلح يستولي على شحنة ليبيعها، ونازح جائع يندفع نحو شاحنة لأنه يخشى ألا يحصل على نصيبه من الغذاء.
ومع ذلك، تؤدي الحالتان إلى تعطيل نظام التوزيع الذي يفترض أن يضمن وصول المساعدات إلى كبار السن والمرضى وذوي الإعاقة والأسر التي لا تستطيع الوصول إلى الشاحنات.
وبذلك فإن الجوع لا يفسّر جميع عمليات النهب، لكنه يوجد البيئة التي تستطيع فيها العصابات استغلال الفوضى وتحويل الغذاء إلى مورد للربح والنفوذ.
أين تذهب المساعدات التي يُستولى عليها؟
لا تتوافر حصيلة مستقلة شاملة توضح الوجهة النهائية لجميع المساعدات التي فُقدت خلال الحرب. لكن تتبع أنماط الفقد يكشف مسارات مختلفة.

وعندما تدخل مواد الإغاثة إلى السوق التجارية، قد تظهر أمام المستهلك على هيئة دقيق أو مواد غذائية معروضة للبيع بدلًا من تقديمها مجانًا للمستحقين. لكن إثبات أن سلعة بعينها مسروقة يستلزم تتبع مصدرها ووثائق شحنها والجهة التي تسلمتها، وليس الاكتفاء بوجودها في السوق.
فالقطاع يستقبل أيضًا واردات تجارية مشروعة، وليست كل مادة غذائية معروضة للبيع جزءًا من مساعدات مسروقة.
وفي حالة رفح، لم تحدد مباحث التموين مصدر البطاطس والبصل المضبوطين، ولذلك لا توجد أدلة منشورة تسمح بربط الكمية المضبوطة بشحنات إغاثية.
من المتهمون؟ العصابات والجهات المسلحة والسلطات المحلية
تُعد الجماعات المسلحة الخارجة عن منظومة توزيع المساعدات أحد الأطراف التي وردت في التحقيقات المتعلقة بنهب الشاحنات.
ومن أبرز هذه الجماعات «القوات الشعبية» التي قادها ياسر أبو شباب في منطقة رفح، والتي ورد اسمها في تحقيقات لوكالة أسوشيتد برس خلال عام 2025.
ونقلت الوكالة عن عاملين في الإغاثة وسائقي شاحنات اتهامات لعناصر المجموعة بالاستيلاء المتكرر على قوافل المساعدات، في بعض الحالات قرب مواقع انتشار القوات الإسرائيلية، بينما نفت المجموعة مسؤوليتها عن عمليات النهب الكبرى، وقالت إنها تؤمن مراكز توزيع الغذاء.
كما نفت مؤسسة غزة الإنسانية تعاونها مع المجموعة، رغم تصريحات صدرت عن الأخيرة بشأن علاقتها بمواقع توزيع مرتبطة بالمؤسسة.
وتكشف هذه الروايات أن بعض مجموعات السطو لم تكن مجرد لصوص يستغلون غياب الأمن، بل تحولت إلى تشكيلات مسلحة تتنافس على السيطرة على الطرق والموارد والنفوذ المحلي.
وفي المقابل، اتخذت الأجهزة الأمنية التابعة لسلطات الأمر الواقع في غزة إجراءات ضد متهمين بنهب الشاحنات. ففي مايو 2025، نقلت رويترز عن مصادر مطلعة أن مجموعات تقودها حماس أعدمت أربعة رجال على خلفية اتهامهم بسرقة المساعدات والتورط في أحداث أدت إلى مقتل عناصر مكلفة بحماية القوافل.
وتثير هذه الإجراءات بدورها أسئلة حقوقية جدية عن المحاكمات وضمانات العدالة، إذ إن مكافحة النهب لا تبرر الإعدام خارج الإجراءات القضائية الواجبة.
العصابات المسلحة وتجار الحرب.. من نهب المساعدات إلى بيعها بأسعار خيالية
ولا تقتصر أزمة نهب المساعدات في قطاع غزة على الاستيلاء على الشاحنات وتعطيل وصولها إلى المستحقين؛ إذ كشفت تحقيقات صحفية عن تورط عصابات مسلحة في سرقة شحنات الإغاثة، ثم نقلها إلى مستودعات أو بيعها لتجار ووسطاء يعيدون طرحها في الأسواق بأسعار باهظة، رغم أنها مخصصة للتوزيع المجاني على السكان. ومن أبرز هذه التشكيلات مجموعة ياسر أبو شباب، التي ورد اسمها في تحقيقات عن عمليات نهب قرب معبر كرم أبو سالم، وأكد أحد عناصرها السابقين لهيئة الإذاعة الأسترالية (ABC) في يوليو 2025 أن أفراد المجموعة كانوا يستولون على الدقيق والسكر وغيرهما من المساعدات، ثم يبيعون كميات منها للتجار. وتكتسب هذه الشهادات أهمية خاصة بعدما أقر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بدعم جماعات فلسطينية مسلحة مناوئة لحماس في غزة.
كما كشف تحقيق لصحيفة «واشنطن بوست» أن عصابات كانت تنشط في مناطق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية، وتنقل شاحنات كاملة إلى مستودعات لإعادة بيع محتوياتها بأسعار مرتفعة. ووثقت وكالة أسوشيتد برس وصول سعر كيلوغرام الدقيق إلى 60 دولارًا والعدس إلى 35 دولارًا خلال يوليو 2025، في صورة تكشف حجم الاستغلال الذي تعرض له السكان. وهكذا يتحول الغذاء الذي دخل القطاع لإنقاذ الجائعين إلى سلعة للمضاربة، تمر عبر أيدي المسلحين والوسطاء والتجار قبل أن تصل إلى النازح الذي يُضطر إلى شرائها بثمن لا يملكه أصلًا.
ماذا عن اتهامات الاحتلال الإسرائيلي لحماس بسرقة المساعدات؟
اتهمت سلطات الاحتلال حركة حماس مرارًا بالاستيلاء على المساعدات وتحويلها إلى عناصرها أو بيعها في الأسواق، واستخدمت هذه الاتهامات لتبرير تشديد الرقابة على المساعدات وتغيير آليات توزيعها.
لكن تحقيقًا نشرته رويترز في 25 يوليو 2025 كشف أن تحليلًا داخليًا أجرته الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لم يجد دليلًا على سرقة ممنهجة للمساعدات الممولة أمريكيًا بواسطة حماس.
وشمل التحليل 156 حادثة سرقة أو فقد مساعدات أبلغت عنها منظمات إغاثية بين أكتوبر 2023 ومايو 2025، ولم يتضمن أيٌّ منها اتهامًا موثقًا باستفادة حماس من الشحنات المفقودة.
في المقابل، ارتبطت 44 حادثة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بأعمال عسكرية إسرائيلية، وفق النتائج التي اطلعت عليها رويترز.
واعترضت وزارة الخارجية الأمريكية على استنتاجات التحليل، بينما تمسكت تل أبيب باتهاماتها. وأقر معدّو التحليل بأن النتائج لا تستبعد احتمال وقوع عمليات تحويل للمساعدات لم تُرصد أو تُبلّغ عنها.
وبالتالي، لا يصح القول إن جميع عمليات النهب نفذتها جماعات مناوئة لحماس، كما لا يصح اعتماد الاتهام الإسرائيلي بالسرقة الممنهجة باعتباره حقيقة مثبتة.
المسؤولية عن كل حادثة يجب أن تُحدد بالأدلة المتعلقة بها، لا بالانتماء السياسي للطرف المتهم.
دور الاحتلال الإسرائيلي.. من تقييد الغذاء إلى دعم مجموعات مسلحة
لا يمكن فهم اقتصاد الغذاء في غزة بمعزل عن سيطرة الاحتلال الإسرائيلي على المعابر ومسارات إدخال الإمدادات، والقيود المفروضة على حركة المساعدات والسلع التجارية.
فقد فرضت السلطات الإسرائيلية خلال الحرب قيودًا شديدة على دخول الشحنات الإنسانية والتجارية، وصولًا إلى إغلاق شامل استمر 78 يومًا خلال عام 2025، بحسب توثيق أوتشا.
وأدى ذلك إلى تراجع المخزونات وتعطل المطابخ والمخابز، في الوقت الذي كان فيه السكان يفقدون مساكنهم ومصادر رزقهم.
وتظهر العلاقة بين القيود وارتفاع الأسعار بصورة واضحة في بيانات الأمم المتحدة خلال عام 2026.
ففي الأسبوع المنتهي في 20 سبتمبر، أفادت أوتشا بأن التضخم في غزة بقي أعلى بنحو 207% من مستويات ما قبل أكتوبر 2023، فيما انخفض سعر كيس الدقيق بوزن 25 كيلوغرامًا بنحو 18% مقارنة بالأسبوع السابق بعد زيادة الواردات التجارية والتوزيعات الإنسانية.
وهذا مثال على أن انتظام الإمدادات لا يؤثر في توفر الغذاء وحده، بل في قدرة التجار على التحكم في الأسعار أيضًا.
دعم جماعات مناوئة لحماس
في 5 يونيو 2025، أقر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو باستخدام جماعات وعشائر فلسطينية معارضة لحماس داخل قطاع غزة، وقال إن هذه الخطوة تخدم حماية الجنود الإسرائيليين.
وذكرت تقارير إسرائيلية وأمريكية أن مجموعة ياسر أبو شباب كانت من أبرز الجماعات المرتبطة بهذه السياسة، مع وجود تقارير عن تزويدها بالسلاح.
وتكتسب هذه المعلومات أهمية خاصة بالنظر إلى الاتهامات التي وجهها عاملون في الإغاثة وسائقو الشاحنات إلى عناصر المجموعة بشأن نهب المساعدات.
ومن هنا تنشأ مسؤولية تستحق التحقيق: هل ساعد دعم جماعات مسلحة تعمل في مناطق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية على تقوية الأطراف المتهمة بنهب الغذاء؟ وهل أتاح لها النفوذ العسكري الجديد السيطرة على مسارات إغاثية أو منافذ توزيع؟
تؤيد الوقائع المنشورة وجود روابط بين دعم الاحتلال الإسرائيلي لبعض الجماعات المسلحة وبين اتهامات النهب الموجهة إلى عناصر منها، لكنها لا تثبت أن جميع عمليات سرقة المساعدات كانت موجهة بأوامر إسرائيلية.
والتمييز هنا مهم بين سياسة موثقة لدعم جماعات مسلحة، واتهام محدد بتوجيه كل عملية نهب.
حين يصبح النهب جزءًا من اقتصاد الحرب
الحرب لا تدمر الأسواق وحدها، بل تعيد أحيانًا تشكيل قواعدها.
فعندما تصبح السلع قليلة، وطرق النقل محفوفة بالمخاطر، والرقابة ضعيفة، تنشأ فرص لتحقيق أرباح كبيرة من التحكم في الغذاء والوقود والمياه ووسائل النقل.
وفي مثل هذه الظروف، قد يتحول بعض الفاعلين من التجارة الطبيعية إلى المضاربة والاحتكار، بينما تنشأ جماعات تحصل على مواردها من فرض الإتاوات أو الاستيلاء على البضائع أو السيطرة على الطرق.
ويمكن فهم اقتصاد الحرب في غزة عبر ثلاث حلقات مترابطة.
الأولى هي الندرة، التي تجعل أي شحنة غذائية ذات قيمة اقتصادية مرتفعة.
والثانية هي ضعف الحماية والرقابة، الذي يتيح للجماعات المسلحة أو المستغلين الاستيلاء على الموارد أو التلاعب بتوزيعها.
أما الثالثة فهي ضعف القدرة الشرائية؛ إذ يمكن أن تكون الأسواق مليئة ببعض المنتجات، بينما يعجز النازحون عن شرائها بسبب فقدان الدخل والمدخرات.
وتؤكد بيانات اليونيسف هذا الجانب الأخير؛ فقد أظهرت متابعة المساعدات النقدية في عام 2026 أن تحسن توفر السلع لم يكن كافيًا لضمان قدرة الأسر الضعيفة على شرائها. وبحسب متابعة يونيو، شكلت المساعدات النقدية المصدر الرئيسي للدخل أو الدعم لدى 72% من الأسر المستفيدة التي شملها الرصد.
كما أن إنفاق الأسر لا يقتصر على الغذاء، بل يمتد إلى العلاج والنقل والوقود والنظافة وتسديد الديون.
وهكذا قد يتوافر البصل أو الدقيق في متجر قريب من مخيم نازحين، لكن وجوده لا يعني أن الأسرة الجائعة تستطيع الحصول عليه.
شهادات السكان.. بين انتظار الشاحنات وعجز الأسواق
تساعد شهادات السكان التي جمعتها المنظمات الدولية على فهم الفارق بين وصول المواد الغذائية إلى غزة ووصولها فعلًا إلى موائد الأسر.
ففي متابعة لبرنامج الأغذية العالمي خلال النصف الأول من سبتمبر 2026، قال 44% من الأسر المشمولة بالاستطلاع إنها نامت جائعة مرة واحدة على الأقل خلال الأيام الثلاثين السابقة، بينما أفادت 45% بأنها نفدت لديها المواد الغذائية بالكامل مرة واحدة على الأقل خلال الفترة نفسها.
وتشير هذه النتائج إلى أن الإمدادات لا تصل إلى السكان بالقدر الكافي أو بصورة منتظمة، وأن زيادة عدد الشاحنات وحدها لا تحل بالضرورة مشكلة الحصول على الطعام.
وفي تقرير أوتشا الصادر في أكتوبر 2026، بلغ إنتاج المطابخ المجتمعية نحو 614 ألف وجبة يوميًا، بانخفاض يقارب 12% عن أواخر سبتمبر، في ظل نقص التمويل والمستلزمات.
وفي الوقت نفسه، لم تكن الطرود الغذائية والدقيق الموزع على الأسر تكفي إلا لتغطية نحو نصف الحد الأدنى من احتياجاتها الحرارية، بينما كانت قرابة 90% من السكان تعتمد على المساعدات الغذائية الإنسانية.
هذه شهادات ونتائج مسحية موثقة، لكنها لا تسمح وحدها بتحديد مقدار الغذاء الذي فقدته كل أسرة بسبب السرقة تحديدًا.
من يتحمل العبء الأكبر؟ النازحون والأطفال والفئات الأضعف
قد يجد الشخص القادر على الحركة طريقًا إلى شاحنة مساعدات أو سوق بعيدة، لكن ذلك لا ينطبق على الجميع.
فالمسنون والمرضى وذوو الإعاقة والأطفال والأسر التي فقدت معيلها يواجهون عوائق مضاعفة في الحصول على الغذاء، خصوصًا عندما تنهار منظومة التوزيع المنظم ويصبح الوصول إلى الطعام قائمًا على القدرة على التنقل أو التدافع أو دفع الأسعار المرتفعة.
وأفادت أوتشا في تقرير أكتوبر 2026 بأن طفلًا من كل مجموعة كبيرة من الأطفال المستفيدين من خدمات التغذية لا يزال معرضًا لمخاطر سوء التغذية؛ وقد دخل أكثر من 2,800 طفل برامج علاج سوء التغذية خلال سبتمبر، بينهم أكثر من 360 حالة سوء تغذية حاد وخيم.
كما أظهر تصنيف الأمن الغذائي المرحلي المتكامل الصادر في يوليو 2026 أن أكثر من 1.2 مليون شخص، أي نحو 59% من السكان، واجهوا مستويات أزمة غذائية أو أسوأ بين منتصف أبريل ونهاية يونيو، مع توقع ارتفاع العدد إلى أكثر من 1.4 مليون خلال النصف الثاني من العام إذا تحققت ظروف السيناريو المعلن.
ويكشف ذلك لماذا تصبح خسارة شحنة غذائية أو احتكار سلعة أساسية أشد أثرًا في مجتمع فقد معظم أفراده القدرة على تعويض النقص من مصادر أخرى.
فالمشكلة ليست مجرد ارتفاع أسعار؛ إنها مسألة قدرة الأسر على البقاء، في ظل تداخل انعدام الأمن الغذائي مع النزوح وتدهور المأوى والخدمات الصحية.
من المسؤول عن الأزمة؟ مستويات متداخلة لا مسؤول واحد
تكشف الأدلة أن أزمة الغذاء في غزة لا يمكن تفسيرها بطرف واحد أو بنوع واحد من الممارسات.

ولا يعني اجتماع هذه العوامل تساوي الأطراف في المسؤولية. فالسيطرة الإسرائيلية على المعابر والقيود المفروضة على دخول السلع عامل بنيوي أساسي، بينما تمثل أعمال النهب والاحتكار والفساد عوامل تزيد الأزمة تعقيدًا وتفاقم خسائر المدنيين.
ومن الضروري أيضًا ألا يتحول الحديث عن المسؤولية الإسرائيلية إلى إعفاء كل تاجر أو مسؤول محلي أو مسلح يثبت تورطه في نهب الغذاء أو استغلال الجائعين من المحاسبة.
كيف يمكن كسر حلقة النهب والاحتكار؟
تبدأ المعالجة بضمان تدفق كافٍ ومنتظم للغذاء عبر المعابر، وفتح مسارات آمنة لإيصال المساعدات إلى مخازن المنظمات ونقاط التوزيع، دون تدخل الجماعات المسلحة.
كما تتطلب نشر بيانات واضحة بشأن الكميات الداخلة، والكميات التي تصل إلى المخازن، وما يوزع فعلًا على الأسر، وتوثيق الفاقد في كل مرحلة بصورة تسمح بالتحقق المستقل.
وفي الجانب التجاري، ينبغي تعزيز رقابة الأسواق ومنع الاحتكار، ونشر الأسعار المعتمدة، والتحقيق في المخالفات وضمان حقوق المتهمين والإجراءات القضائية العادلة.
أما الأسر النازحة، فتحتاج إلى آليات توزيع تراعي أوضاع من لا يستطيعون الوقوف في الطوابير أو التنقل لمسافات طويلة، وإلى مساعدات نقدية وغذائية تحفظ كرامتهم ولا تجعل حصولهم على الطعام مرهونًا بقوة الجسد أو النفوذ.
ولا يمكن أن تنجح هذه الإجراءات دون حماية العاملين في الإغاثة والطرق الإنسانية، وإتاحة التحقيق المستقل في حوادث الاستيلاء على الشاحنات والاعتداء على المدنيين.
الخاتمة.. من يملك الغذاء يملك القدرة على ابتزاز الجائعين
لم تكن حادثة ضبط أربعة أطنان من البطاطس والبصل في رفح مجرد مخالفة تجارية عادية، في سياق مجتمع يعاني الجوع والنزوح وفقدان مصادر الدخل. لكنها ليست أيضًا دليلًا على شبكة نهب أوسع دون تحقيق يربطها بها.
وتكشف متابعة السنوات الماضية أن الغذاء في غزة أصبح أكثر من حاجة معيشية؛ فقد تحول في بعض الحالات إلى مورد للنفوذ والربح، وأداة للمساومة، وسلعة تتضاعف قيمتها عندما تضيق طرق الإمداد وتضعف سلطة القانون.
وفي قلب هذه الأزمة يقف المدني الفلسطيني الذي فقد منزله وعمله، وأصبح مطالبًا بالبحث عن الطعام وسط مخاطر القصف والنهب والاحتكار وارتفاع الأسعار.
والسؤال الذي ينبغي أن يُوجّه إلى كل الأطراف ليس فقط: من الذي سرق المساعدات؟ بل أيضًا: من الذي جعل الوصول إلى الغذاء بهذه الصعوبة، ومن استفاد من استمرار هذا الوضع، ومن يملك القدرة على تغييره؟
إن محاسبة سارقي المساعدات ومحتكري السلع ضرورة، لكنها لن تكون كافية ما دامت أسباب الندرة وانعدام الأمن وتعطيل سلاسل الإمداد قائمة.
فإنقاذ غزة من تجارة الجوع يبدأ بضمان وصول الغذاء إلى الناس، ولا ينتهي إلا حين يصبح الحصول عليه حقًا آمنًا لا مغامرة يومية، ولا وسيلة لإثراء الأقوياء على حساب الضعفاء.







