قراءة نقدية في الجزء الخامس من كتاب الدكتور وليد علي القططي (2023–2025)
ثمة كتب تُكتب بعد الحروب لتروي ما حدث، وأخرى تُكتب أثناءها، فتحتفظ بين صفحاتها بارتجاف اللحظة ووجع التجربة وأسئلة المصير التي لم تجد أجوبتها بعد. وينتمي كتاب «تراجيديا فلسطينية من وحي الحرب» للدكتور وليد علي القططي إلى الصنف الثاني؛ فهو ليس تاريخًا يُروى من مسافة آمنة، ولا تحليلًا سياسيًا يتأمل الوقائع بعد انقضائها، وإنما شهادة إنسانية وسياسية كُتبت تحت القصف، وبين خيام النازحين، وفي ظل الجوع والخوف والفقدان الذي اجتاح قطاع غزة منذ أكتوبر 2023.
وتتجاوز أهمية الكتاب توثيق المعاناة إلى مساءلة القرارات والتصورات التي رافقت الحرب، ومراجعة الخطاب السياسي الفلسطيني، ولا سيما داخل الحركة الإسلامية، من موقع الانتماء إليها لا الخصومة معها. وهنا تكمن خصوصيته: أن صاحبه لم يكتفِ بأن يكون شاهدًا على المأساة، بل جعل منها مناسبة لمراجعة الأفكار التي أسهمت في تشكيل الواقع، والبحث عن سبل الخروج منه.
الكاتب.. تجربة تجمع الفكر والسياسة والميدان
وُلد الدكتور وليد علي القططي في مدينة العريش المصرية عام 1963، وانتقل مع أسرته إلى مدينة رفح في قطاع غزة عام 1979، وحصل على الدكتوراه في الفلسفة، في تخصص علم النفس، من جامعة القاهرة.
وفي مطلع الثمانينيات، التقى بالدكتور فتحي الشقاقي، مؤسس حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، وانضم إلى التيار الإسلامي الثوري الذي نشأت منه الحركة. وقد اعتُقل في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وأمضى سنوات في سجن النقب الصحراوي، قبل أن يتدرج في العمل السياسي والحركي حتى انتُخب مرتين عضوًا في المكتب السياسي للحركة.
وهذه الخلفية ليست تفصيلًا ثانويًا عند قراءة الكتاب؛ فالقططي لا يكتب من خارج التجربة الإسلامية الفلسطينية، ولا ينظر إلى قرارات الفصائل وتصوراتها بوصفه مراقبًا بعيدًا، بل يُخضع للمراجعة أفكارًا وممارسات انتمى إليها وعمل في إطارها عقودًا.
والكتاب، الذي جمعه وقدّم له الباحث والمحلل السياسي ثابت محمد العمور، هو الجزء الخامس من سلسلة «تراجيديا فلسطينية»، وصدر عن مركز الشام للدراسات والبحوث في غزة عام 2025. ويضم قرابة خمسمئة عنوان تتوزع بين الخاطرة الإنسانية والشهادة الميدانية والمقال السياسي والمراجعة الفكرية.
غزة التي لا تظهر كاملة في نشرات الأخبار
لعل أبرز ما يمنح هذا الكتاب قيمته الإنسانية أن الكاتب لا يتعامل مع الحرب بوصفها تحركات عسكرية ومفاوضات سياسية وأرقامًا متزايدة للضحايا، بل يدخل إلى تفاصيل الحياة اليومية التي تسقط غالبًا من الروايات الكبرى.
هنا نجد الخيمة وقد أصبحت بديلًا قاسيًا عن البيت، والعربة التي تجرها الدواب وسيلة انتقال في عالم تهدمت فيه مقومات الحياة، والعدس الذي يُطحن بديلًا عن القمح، والحطب الذي عاد إلى المطابخ، والماء الذي تحول الحصول عليه إلى رحلة شاقة، والأطفال الذين انتقلوا من مقاعد الدراسة إلى الأسواق بحثًا عن لقمة العيش.
وفي فصل بعنوان «تامر.. من مقعد الدراسة إلى بيع الشاي»، تتحول مأساة التعليم في غزة من قضية إحصائية إلى حكاية طفل سلبته الحرب حقه في الطفولة. وفي «صفاء عادت محمولة في كيس طحين»، تكتسب المساعدات الغذائية دلالة مأساوية تكشف كيف أصبح البحث عن الطعام نفسه طريقًا إلى الموت.
ويؤكد الكاتب هذا المنحى الإنساني حين يكتب: «الشهداء لهم أسماء»؛ وهي عبارة تختصر جانبًا مهمًا من فلسفة الكتاب. فالضحية هنا ليست رقمًا يُضاف إلى حصيلة يومية، وإنما إنسان له أسرة وذكريات وأحلام ومستقبل انقطع.
ولا يكتفي القططي برواية مصائب الآخرين؛ فالفقد يمتد إلى أسرته وأصدقائه ومعارفه، وتدخل سيرته الشخصية في نسيج الحكاية، فتتداخل الذاكرة الخاصة مع المأساة الجماعية.
هذه القدرة على الانتقال من المصير الفردي إلى المشهد الوطني الواسع تمنح الكتاب قيمة تتجاوز التوثيق الصحفي إلى ما يمكن تسميته التاريخ الاجتماعي والإنساني للحرب؛ ذلك التاريخ الذي لا يحفظ أسماء القادة والمعارك وحدها، بل يحفظ أيضًا أسماء البسطاء، وكيف عاشوا، وماذا فقدوا، وكيف حاولوا الاستمرار.
بين بطولة المقاومة وكارثة المجتمع
غير أن الجانب الأكثر إثارة للجدل في الكتاب هو قراءته السياسية للحرب، وبخاصة نقده للمنطلقات الاستراتيجية التي حكمت عملية «طوفان الأقصى» وما أعقبها.
يضع القططي القارئ أمام مفارقة صعبة: كيف يمكن لعملية عسكرية أن تحقق مفاجأة تكتيكية كبيرة، ثم تنتهي إلى نتائج استراتيجية شديدة الكلفة؟
ويعبّر عن هذه المفارقة بعبارة مكثفة: «الفشل الاستراتيجي يلتهم النجاح التكتيكي».
ومن هذه الزاوية، يعيد الكاتب مناقشة الفرق بين استراتيجية «المشاغلة والاستنزاف»، التي ارتبطت بفكر فتحي الشقاقي، واستراتيجية مراكمة القوة وصولًا إلى معركة التحرير الشاملة. ويرى أن الانتقال من الأولى إلى الثانية يتطلب شروطًا ذاتية وإقليمية ودولية لا يكفي فيها الاستعداد العسكري وحده.
وهذا النقد لا ينطلق، في تصور الكاتب، من إنكار حق الشعب الفلسطيني في المقاومة، وإنما من التساؤل عن العلاقة بين الوسائل والغايات، وعن مسؤولية القيادة في تقدير موازين القوة وحماية المجتمع الذي تخوض المعركة باسمه.
ومن هنا تأتي إحدى أهم إشكاليات الكتاب: هل يُقاس نجاح المعركة بحجم الخسائر التي ألحقتها بالعدو، أم بقدرتها على تحقيق أهداف سياسية قابلة للاستمرار، مع صيانة المجتمع من الانهيار؟
لا يتردد القططي في نقد الخطاب الذي يحتفي بالإنجاز العسكري بينما تتفاقم الخسائر الإنسانية، ولا في مساءلة القيادات التي يرى أنها عجزت عن مراجعة حساباتها في ضوء النتائج الميدانية.
وتُحسب له جرأته في فتح هذه الأسئلة من داخل البيئة السياسية التي ينتمي إليها، خصوصًا حين يجعل الاعتراف بالإخفاق فضيلة سياسية، ويرفض اعتبار التراجع المدروس مرادفًا للاستسلام.
ومع ذلك، فإن قراءة أطروحته تستوجب التمييز بين المسؤولية المباشرة للاحتلال الإسرائيلي عن قتل المدنيين وتدمير مقومات الحياة في غزة، وبين المسؤولية السياسية التي يناقشها الكاتب بشأن تقدير الخيارات وإدارة المواجهة. فالمراجعة الاستراتيجية للقرار الفلسطيني لا تنقل المسؤولية عن جرائم الحرب إلى الضحايا، كما أن إدانة جرائم الاحتلال لا تعفي القيادات الفلسطينية من النقد والمحاسبة.
وهذا التمييز ضروري حتى لا تتحول المناقشة إلى ثنائية مغلقة بين تمجيد غير مشروط لكل قرار عسكري، أو تحميل المقاومة مسؤولية ما ارتكبه الاحتلال.
نقد الداخل.. حين تصبح حماية المجتمع أولوية
لا يقف الكتاب عند حدود نقد الخيارات العسكرية، بل يتوسع في تشخيص ما أصاب المجتمع الفلسطيني ومؤسساته خلال الحرب.
يرصد القططي تصاعد الفلتان الأمني، وظهور عصابات السرقة والابتزاز، واستغلال بعض التجار لحاجة النازحين، وتراجع القيم الاجتماعية تحت وطأة الجوع والحصار وانهيار مؤسسات الضبط والحماية.
وفي هذه المقاطع لا تبدو الحرب مجرد مواجهة مع عدو خارجي، بل كارثة تُعيد تشكيل المجتمع من داخله، وتختبر تضامنه وأخلاقه وقدرته على الصمود.
واللافت أن الكاتب لا يعرض هذه الظواهر ليُدين المجتمع الذي أنهكته الحرب، بل ليكشف مقدار ما يمكن أن يحدثه استمرار العنف والجوع وانهيار النظام العام في البنية الاجتماعية.
ومن هنا يتجاوز مفهوم الصمود عنده مجرد البقاء الجسدي، ليشمل المحافظة على الإنسان وأسرته وكرامته وقدرته على الحياة.
وتبرز في هذا السياق دعوته إلى أولوية وقف الحرب وإنقاذ ما تبقى من الشعب ومقومات وجوده، حتى حين يتطلب ذلك اتخاذ قرارات سياسية صعبة.
الشعب هو المقاومة.. نحو مراجعة المشروع الوطني
تتبلور أهم خلاصات الكتاب في عبارتين قصيرتين: «الشعب هو المقاومة» و«الشعب هو اليوم التالي».
وليستا مجرد شعارين بلاغيين، بل تعكسان مراجعة أعمق لموقع الإنسان الفلسطيني في المشروع الوطني.
فالقططي يحاول نقل مركز التفكير من الفصيل إلى الشعب، ومن بقاء التنظيم إلى بقاء المجتمع، ومن إدارة الصراع بشعاراته الموروثة إلى البحث عن مشروع وطني يستطيع مواجهة التحولات الكبرى التي أحدثتها الحرب.
وتبرز هنا دعوته إلى أن تتطور الحركة الإسلامية الفلسطينية نحو «حركة وطنية فلسطينية بمرجعية إسلامية جامعة»، بما يتجاوز الانغلاق التنظيمي والمصالح الحزبية الضيقة.
وتكتسب هذه الدعوة أهميتها من سيرة صاحبها؛ فهو الذي بدأ تجربته السياسية بحثًا عن صيغة تجمع الإسلام بفلسطين، يعود بعد عقود ليطرح ضرورة تجديد هذه الصيغة في ضوء ما كشفته الحرب من أزمات.
وفي تقديرنا، تمثل هذه المراجعة إحدى أكثر أفكار الكتاب استحقاقًا للنقاش، لأنها تتجاوز تقييم معركة بعينها إلى مساءلة البنية الفكرية والسياسية التي تُنتج القرارات وتحدد الأولويات.
لكنها في الوقت نفسه تظل مشروعًا فكريًا يحتاج إلى مزيد من التفصيل: كيف يمكن عمليًا الانتقال من التنظيمات الفصائلية إلى إطار وطني جامع؟ وكيف تُصان المرجعية الإسلامية من التحول إلى خيار شعبي تتنازعه الأهواء؟ وما المؤسسات والضمانات التي يمكن أن تجعل هناك آلية للمحاسبة لا مجرد شعارات تُستدعى في الخطاب؟
إن طرح هذه الأسئلة لا ينتقص من أهمية رؤية القططي، بل يكشف المسافة بين شجاعة المراجعة الفكرية وصعوبة تحويلها إلى برنامج سياسي قابل للتطبيق.
العالم في مرآة غزة
لا يغفل الكتاب الأبعاد الإقليمية والدولية للحرب، بل يتناول الانحياز الأمريكي للاحتلال الإسرائيلي، وتناقض الخطاب الغربي حول حقوق الإنسان مع المواقف السياسية من مأساة غزة، والعجز العربي الرسمي، وأدوار جبهات الإسناد في لبنان واليمن وإيران.
ويقدّم القططي نقدًا حادًا للمنظومة الدولية التي عجزت عن وقف الحرب أو توفير الحماية الفعلية للمدنيين، ويرى في التجربة الفلسطينية اختبارًا كاشفًا للفجوة بين القيم المعلنة والمصالح الحاكمة للعلاقات الدولية.
وتبزر أهمية أحكام الكاتب في كونها تعبّر عن رؤية شاهد عايش نتائج تلك السياسات، لا باحث يتناولها باعتبارها مجرد مواقف دبلوماسية.
بين قيمة الشهادة وحدود المنهج
على الرغم من القيمة الكبيرة لهذا العمل، فإن المراجعة المنصفة تقتضي النظر إلى حدوده المنهجية والأدبية.
أبرز هذه الحدود أن الكتاب أقرب إلى يوميات فكرية وسياسية ممتدة منه إلى دراسة أكاديمية ذات بناء متسلسل. فقد فرضت طبيعة التدوين أثناء الحرب تكرار بعض الأفكار، ولا سيما نقد الخطاب السياسي، والتحذير من سوء التقدير الاستراتيجي، وتصوير معاناة النزوح والجوع.
كما أن اعتماد التسلسل الزمني، بدلًا من التقسيم الموضوعي، يجعل تتبع تطور فكرة محددة عملًا يحتاج إلى جهد إضافي من القارئ والباحث.
وتظهر كذلك نبرة المرارة والغضب في مواضع عديدة، وتبلغ أحيانًا حد الأحكام السياسية القاطعة. وإذا كانت هذه النبرة مفهومة في سياق التجربة التي عاشها الكاتب، فإنها لا تُغني عن اختبار الاستنتاجات في ضوء الوقائع المتعددة والروايات الأخرى، ولا سيما في القضايا المتعلقة بتقدير النيات والمسؤوليات والبدائل الاستراتيجية.
كذلك ينبغي التفريق بين الشهادة المباشرة، التي ترتكز على ما رآه الكاتب وعاشه، وبين التحليل السياسي الذي يظل اجتهادًا قابلًا للنقد والاختلاف.
غير أن ما قد يبدو ضعفًا في البناء الأكاديمي يمثل، من زاوية أخرى، جانبًا من أصالة الكتاب؛ إذ يحتفظ النص بملامح اللحظة التي كُتب فيها، بما فيها التردد والغضب والخوف والأمل وتغير التقديرات مع تطور الأحداث.
فالكتاب لا يقدم حقيقة تاريخية نهائية، وإنما مادة أولية مهمة لمن يريد فهم كيف عاش الفلسطينيون الحرب، وكيف قرأ أحد أبرز أبناء الحركة الإسلامية الفلسطينية أحداثها وتحولاتها من داخل الميدان.
الخاتمة.. شهادة للأجيال وأسئلة للمستقبل
في الصفحات الأخيرة من الكتاب، يروي القططي لقاءً بطبيب شاب عرف أنه يوشك على نشر شهادته، فطلب منه طلبًا واحدًا: «الصدق.. اكتب معاناة الناس بصدق».
لعل هذه العبارة تصلح مفتاحًا لقراءة العمل كله؛ فالصدق الذي يسعى إليه الكاتب ليس مجرد الدقة في نقل تفاصيل المعاناة، بل محاولة مواجهة الذات والآخر بالأسئلة المؤلمة التي قد يكون السكوت عنها أسهل من طرحها.
ولهذا لا يمكن اختزال «تراجيديا فلسطينية من وحي الحرب» في كونه كتابًا عن النزوح والجوع، ولا في كونه نقدًا لعملية «طوفان الأقصى»، ولا حتى في كونه مراجعة سياسية من داخل الحركة الإسلامية الفلسطينية.
إنه يجمع هذه الأبعاد في شهادة واحدة، تتداخل فيها تجربة الفرد بمصير الجماعة، وذاكرة البيت بأسئلة الوطن، وبطولات المقاومة بكارثة المجتمع، والإيمان بالحق الفلسطيني بضرورة محاسبة الخيارات السياسية.
وتكمن القيمة الأعمق للكتاب في أنه يرفض أن يكون الشعب الفلسطيني مجرد ثمن يُدفع في معادلات الصراع، ويعيد الإنسان إلى مركز القضية التي يُناضل من أجلها.
ولذلك يستحق العمل أن يُقرأ بوصفه وثيقة إنسانية وتاريخية، ومساهمة جادة في نقاش فلسطيني لا يجوز تأجيله: كيف تُصان حقوق الشعب، وتُحمى حياته، وتُراجع أخطاء قياداته، ويُعاد بناء مشروعه التحريري بعد هذه المأساة؟
ربما لا يقدم القططي إجابات مكتملة عن هذه الأسئلة، لكنه يمتلك شجاعة طرحها في زمن أصبح فيه مجرد الاعتراف بحجم الكارثة، لدى بعض الأطراف، موضع جدل.
وحين يطوي القارئ الصفحة الأخيرة، لا يبقى في ذاكرته سؤال من انتصر في المعركة وحده، بل سؤال أشد إلحاحًا: كيف نضمن ألّا تضيع حياة الفلسطيني، الذي من أجله قامت القضية، بين عنف الاحتلال وأخطاء السياسة وأوهام الشعارات؟
وهذه، في النهاية، هي القضية الكبرى التي يجعل الكتاب من التراجيديا الفلسطينية مدخلًا لمواجهتها.








