من خنادق غزة إلى أسئلة الإيمان والسياسة والحضارة وبناء الإنسان

ليست كل الكتب التي تتناول الحروب كتبًا في التاريخ العسكري، وليست كل المذكرات التي يكتبها المقاتلون روايات عن المعارك والانتصارات والخسائر. فبعضها يفتح نافذة على العالم الداخلي للإنسان حين يجد نفسه في مواجهة الموت، ويكشف كيف يفكر، وبأي المعاني يستعين على احتمال الألم، وكيف يقرأ الدين والتاريخ والسياسة من داخل التجربة التي يعيشها.

ومن هذا الباب يمكن قراءة كتاب «تحت راية الطوفان.. خندق خباب» للشيخ محمد زكي حمد، الذي يجمع بين اليوميات الميدانية، والتأملات القرآنية، والدروس التربوية، والمسائل الفقهية، والنقد السياسي والحضاري.

ولعل أكثر ما يميز الكتاب أنه لا يقدّم معركة غزة باعتبارها مواجهة عسكرية محدودة بين طرفين، بل يراها جزءًا من صراع أشمل تتداخل فيه العقيدة والقيم والتاريخ والسياسة وموازين القوة، ويضع في قلب ذلك كله سؤالًا عن الإنسان المسلم: كيف يُصنع؟ وما الذي يمنحه القدرة على الثبات؟ وما مسؤوليته تجاه دينه ومجتمعه وأمته؟

ولذلك فإن القارئ لا يجد نفسه أمام وصف للخنادق والقصف والكمائن وحدها، وإنما أمام تصور متكامل نسبيًا للإنسان الذي يريد المؤلف بناءه، والمجتمع الذي يطمح إليه، والعالم الذي يتطلع إلى تغييره.

غير أن هذا الاتساع نفسه يجعل الكتاب جديرًا بقراءة تتجاوز التأثر بتجربته؛ قراءة تستخرج أطروحاته الأساسية، وتناقش استدلالاته، وتقدّر قيمة الشهادة الشخصية وتفهم الأحكام الفكرية والسياسية التي تُبنى عليها.

أولًا: المؤلف.. اجتماع القرآن والعلم والعمل الميداني

محمد بن زكي شحادة حمد، المعروف بأبي زكي، وُلد في الأول من يوليو 1994 بمدينة بيت حانون شمال قطاع غزة، ونشأ فيها وتلقى تعليمه.

وبحسب السيرة التي كتبها شقيقه الدكتور عبد الرحمن زكي حمد في مقدمة الكتاب، فقد أتم حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، ودرس العلوم الشرعية على عدد من مشايخ غزة، ثم التحق بكلية أصول الدين في الجامعة الإسلامية، وحصل على درجة الماجستير في التفسير وعلوم القرآن، وكانت رسالته بعنوان «القيم الإعلامية في الخطاب القرآني».

وجمع في حياته بين تعليم القرآن، والخطابة والدعوة، والعمل التربوي، والمشاركة العسكرية. كما أشرف على برامج قرآنية وتعليمية، وترك مؤلفات ودروسًا في التفسير والفقه والسيرة، منها كتاب «غيث اليراع في شرح متن أبي شجاع» في الفقه الشافعي.

وتذكر السيرة أنه شارك في العمل العسكري سنوات طويلة، وتولى مسؤوليات قيادية في بيت حانون، قبل مقتله في 12 يوليو 2025.

وقد أشرف شقيقه على مراجعة الكتاب وتحقيقه، وتولى سعيد زكي حمد وعلي عبد الرحيم حمد تصميمه وتنسيقه، وصدرت طبعته الأولى عام 1447هـ/2025م، بتقديم وتقريظ من نواف تكروري ومحمد إلهامي ومحمد الجوراني.

ولا تبدو هذه الخلفية تفصيلًا ثانويًا في فهم الكتاب، بل هي مفتاح لقراءته؛ فقد حضرت دراسة المؤلف للتفسير في طريقة استحضاره للآيات، وظهرت معرفته بالفقه الشافعي في معالجته لمسائل الضرورة والطهارة والعبادة، كما انعكست خبرته الدعوية في خطابه الموجّه إلى الشباب والعلماء والمربين.

أما تجربته العسكرية فقد وفرت المادة التي بنى حولها كثيرًا من تأملاته وأحكامه.

ومن هنا يتداخل في الكتاب صوت طالب العلم وصوت الداعية وصوت المقاتل؛ وأحيانًا تتكامل هذه الأصوات، وأحيانًا يطغى أحدها على الآخر، ولا سيما حين ينتقل المؤلف من الوصف إلى إصدار الأحكام السياسية والتاريخية.

ثانيًا: كتاب وُلد في ظروف استثنائية

لا يمكن فصل الكتاب عن ظروف تأليفه. فقد كُتبت مسوداته الأولى على أوراق حملها المؤلف أثناء الحرب، في الأنفاق ومواقع وجوده الميداني.

ويحدد بنفسه في الخاتمة تاريخ إتمام المسودة الأولى: الثلاثاء 21 مايو 2024، عند الساعة الثالثة وسبع وثلاثين دقيقة فجرًا، ثم يذكر أنه انتهى من كتابة الجزء الإضافي في 7 يوليو 2025، أي قبل مقتله بخمسة أيام.

ويشير إلى أن شقيقه سعيدًا أدخل الكتاب إلى الحاسوب خلال الحرب.

وهذا يعني أن النص نتاج مرحلتين على الأقل، وليس كتابًا أُلّف دفعة واحدة وفق خطة بحثية محكمة.

ولذلك جاءت بنيته أقرب إلى دفاتر التجربة المتتابعة: خواطر قصيرة، وحوادث ميدانية، ومواقف إنسانية، وتأملات في آيات قرآنية، ومسائل فقهية، ومقالات سياسية، ورسائل تربوية.

وهو لا يسير وفق تسلسل تاريخي صارم، بل وفق ما استوقف المؤلف وألحّ عليه في أثناء الكتابة.

وهذه الطبيعة المقطعية تمنحه حيوية وصدقًا وجدانيًا، لكنها تفرض على القارئ جهدًا إضافيًا في جمع أفكاره وفهم العلاقات بينها.

ويمكن القول إن الكتاب يقوم على ستة محاور متداخلة: تجربة الحرب، والتدبر القرآني والسيرة، والتربية الإيمانية والفقه، والنقد السياسي، والمراجعة الحضارية، وبناء الأجيال.

ثالثًا: خندق خباب.. حين تصبح السيرة إطارًا لفهم الحاضر

اختيار اسم خباب بن الأرت رضي الله عنه ليس مجرد تسمية رمزية؛ فهو يمثل أحد المفاتيح التي تفسر رؤية المؤلف للابتلاء والنصر.

يبدأ الكاتب باستحضار قصة خباب حين شكا المسلمون إلى النبي ﷺ ما يلقونه من الاضطهاد، وسألوه الدعاء بالنصر، فذكّرهم النبي ﷺ بابتلاء المؤمنين السابقين وبوعد الله بإتمام هذا الدين.

ومن هذه الحادثة يستخرج المؤلف معنى مركزيًا: أن الثبات لا يتوقف على زوال البلاء، وأن التربية الإيمانية لا تكتمل بمجرد معرفة الحق، بل تحتاج إلى القدرة على تحمّل تكاليف التمسك به.

ويعبّر عن العبادة التي تميز بها خباب بأنها «استقبال القرح»، أي استقبال الألم والثبات في مواجهة ما يترتب على الاختيار الإيماني.

ثم ينتقل إلى المقارنة بين تجربة المسلمين الأوائل وما يعيشه في غزة، فيقول:

«ثم ما أشبه معركتنا هذه بغزوة الخندق، بتداعياتها، وشدتها، وأحزابها». (ص 43)

ويضيف أنه كان يتخيّل خبابًا يرابط معه في الخندق، ويتعلم منه دروس السنن الإلهية.

وهذه الصورة تختصر منهج الكتاب: الماضي الإسلامي ليس عند المؤلف تاريخًا منتهيًا، بل تجربة حاضرة تُستدعى لتفسير الحوادث الجديدة.

وتتضح الفكرة أكثر في فصل «السيرة النبوية المعلمة»، حين يقول:

«فكنت أرى السيرة في كل مشهد وفي كل موطن». (ص 153)

ويقرر في الموضع نفسه أن السيرة ليست قصصًا عابرة، وأن أزمات الأمة يمكن أن يُستفاد في مواجهتها من دروسها.

ولهذا يعقد مقارنات بين الهجرة والنزوح، وغزوة بدر وقضية الأسرى، وغزوة أحد وفقد القيادات، وصلح الحديبية والتسويات السياسية المعاصرة.

وتكمن قوة هذه الطريقة في أنها تنقل السيرة من مجال المعرفة المجردة إلى مجال الاعتبار والتفكير في الواقع؛ فالقارئ لا يدرس الحدث التاريخي منفصلًا عن حياته، وإنما يبحث عن العبرة التي يحملها.

لكن هذه المقارنات تحتاج إلى ضبط منهجي. فوجود أوجه شبه بين حدثين لا يعني تطابق ظروفهما أو نتائجهما. كما أن استخلاص المعنى الإيماني من واقعة تاريخية شيء، وتحويلها إلى دليل على صحة قرار سياسي أو عسكري معاصر شيء آخر.

ويظهر هذا الإشكال عندما ينتقل المؤلف أحيانًا من التأمل في السنن القرآنية إلى التنبؤ بمآلات الحرب، مستخدمًا لغة يقينية لا تميّز دائمًا بين الوعد الديني العام والاجتهاد البشري في تقدير الوقائع.

ومع ذلك، فإن حضور السيرة بهذه الكثافة يظل من أبرز سمات الكتاب، ويكشف عن الطريقة التي تتداخل بها الذاكرة الدينية مع التجربة المعاصرة في تكوين وعي صاحبه.

رابعًا: الحرب من الداخل.. الخندق ليس فندقًا

في المشاهد الميدانية يظهر الجانب الأكثر مباشرة وتأثيرًا في الكتاب.

فالمؤلف يصف القصف المستمر، والعزلة داخل الأنفاق، وصعوبة الحصول على الماء والطعام، والخوف من فقد الرفاق، والإرهاق الجسدي والنفسي.

وفي أحد المقاطع يقول:

«من يسمع كلمة الأنفاق والخنادق يظن أننا في فندق، تالله إن الجلوس فيها لا يطاق». (ص 45)

هذه العبارة لافتة لأنها تكسر الصورة الرومانسية التي قد يحملها المتابع البعيد عن طبيعة الحياة تحت الأرض.

فالأماكن التي تُعرض أحيانًا بوصفها دليلًا على القدرة العسكرية تبدو في رواية صاحبها أماكن شديدة القسوة، مليئة بالخوف والحرمان والضغط الجسدي والنفسي.

وفي فصل «معارك بيت حانون» يعود المؤلف إلى مشاق العمل الطويل تحت الأرض، ويذكر أن عشرة رجال كانوا قد يمضون يومًا كاملًا في إنجاز متر واحد من الحفر، ثم يسأل عن قيمة هذا الجهد المحدود أمام حجم المواجهة.

لكنه يستخلص منه معنى المثابرة وتراكم العمل، قائلًا:

«المتر الذي تنجزه اليوم سببٌ في هوي وسقوط أنظمة الطغيان». (ص 316)

وهنا تتحول الواقعة الصغيرة إلى رمز لفكرة يؤكدها المؤلف مرارًا: أن الأعمال التي تبدو ضئيلة في لحظتها قد تكتسب أثرًا أكبر عند تراكمها.

لكنها في الوقت نفسه تكشف عن ميل واضح إلى تفسير كل جهد ميداني في إطار غاية تاريخية كبرى، مع أن تحقق تلك الغاية لا يمكن استنتاجه من الجهد المبذول وحده.

وفي روايته عن حصار مستشفى الشفاء، يذكر قصة أحد عشر مقاتلًا تحصنوا في مبنى خلال الحصار، وقد نقل تفاصيلها، بحسب تصريحه، عن أحد الذين شاركوا في الواقعة والتقى به بعد نجاته.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين شهادة المؤلف المباشرة وبين ما سمعه من الآخرين؛ فالقصة جزء من المادة التي جمعها، لكنها ليست كلها مشاهدة شخصية، وهذا تفصيل مهم في حال كتابة تاريخ عسكري موثق.

كذلك يذكر المؤلف في موضع آخر:

«لم يُقتل أحد من المجاهدين في كتيبتنا جراء الاشتباك مع قوات العدو الراجلة». (ص 71)

ويعزو قتلى الكتيبة إلى القصف الجوي.

وهي شهادة مهمة لفهم تقديره للتفوق الجوي الإسرائيلي، لكنها تتعلق بالتشكيل الذي يتحدث عنه، وفي النطاق الزمني الذي يقصده، ولا يمكن تعميمها تلقائيًا على جميع الوحدات أو مراحل الحرب.

وتبرز في الكتاب هذه المعضلة بوصفها عاملًا حاسمًا في ميزان القوة: كيف يمكن مواجهة جيش يمتلك تفوقًا جويًا وتكنولوجيًا كبيرًا، حتى عندما لا تحقق قواته البرية الأهداف التي تريدها؟

هذه واحدة من القضايا التي تفتح مجالًا لدراسة عسكرية مستقلة.

خامسًا: الوجه الإنساني للحرب.. حين ينسى الأب ملامح أبنائه

ربما تكون أشد لحظات الكتاب تأثيرًا تلك التي لا تتعلق بنتائج المواجهات، بل بما تفعله الحرب بالإنسان من الداخل.

وفي مقدمة نواف تكروري ترد عبارة للمؤلف يقول فيها:

«مع طول الحصار وضغط القصف والدمار والمعارك، نسيتُ أشكال أولادي». (ص 17)

ثم يروي محاولته استحضار وجوههم، وعجزه عن ذلك، قبل أن يفسر الأمر ضمن محاولته حماية نفسه من الانهيار العاطفي.

هذا المشهد بالغ الدلالة؛ فهو يضع القارئ أمام ثمن إنساني لا يظهر في جداول الخسائر العسكرية.

فالحرب لا تعني احتمال الموت وحده، وإنما تعني أيضًا الغياب الطويل عن الأبناء، وتآكل التفاصيل الحميمة، والانفصال القسري عن الأسرة، ومحاولة ضبط الحنين والخوف.

وتكشف هذه العبارة كذلك عن التوتر بين صورتين للإنسان في الكتاب: الإنسان الذي يُطلب منه الثبات والتماسك، والإنسان الذي يبقى أبًا وزوجًا يحمل احتياجاته العاطفية ولا يستطيع التخلص منها.

ولا يقل عن ذلك تأثير حديثه عن المكتبة التي ضاعت، أو الماء الذي صار العثور عليه مناسبة للفرح، أو الرفاق الذين لم يتمكن من إخراج جثامينهم إلا بعد زمن.

وفي هذه المواضع ينتقل القارئ من لغة المواقف الكبرى إلى تفاصيل الحياة التي طحنتها الحرب.

واللافت أن المؤلف يعيد تفسير الخسائر الشخصية في إطار إيماني يساعده على احتمالها؛ فهو لا يكتفي بوصف الألم، بل يبحث له عن معنى.

غير أن القيمة الإنسانية لهذه الشهادات لا تتوقف على التفسير السياسي لها؛ فهي تكشف، قبل كل شيء، عن أثر الحرب في الذاكرة والعلاقات والأمان الشخصي.

سادسًا: صناعة الحياة وسط الخراب

من أجمل فصول الكتاب وأكثرها اتساعًا في دلالته فصل «صناعة الحياة» (ص 92)، الذي يخرج فيه المؤلف من نطاق العمل العسكري إلى محاولة إعادة بناء شيء من الحياة المدنية في منطقة مدمرة.

يروي أن مجموعة من الشباب أرادت تشجيع الأهالي على العودة إلى منطقة هجروها بسبب الحرب، وظنت أن عدد العائدين سيكون محدودًا، لكنها فوجئت بعودة مئات العائلات خلال أيام.

وهنا اكتشفت أن مجرد تشجيع الناس على العودة يفرض مسؤوليات كبيرة: الماء والكهرباء والدواء والنظافة والمساعدة الاجتماعية والتعليم والشؤون الدينية.

فيقول:

«وجدنا أننا بحاجة لصناعة حياة كاملة». (ص 92)

وهذه واحدة من أكثر العبارات قدرة على اختصار جانب مهم من أطروحة المؤلف.

فالحياة التي يريدها لا تُختزل في استمرار البقاء، بل تحتاج إلى منظومة من الخدمات والعلاقات والمؤسسات الصغيرة التي تعيد شيئًا من النظام إلى المجتمع.

ويذكر أن المجموعة سعت إلى توفير احتياجات السكان، وإقامة مصلى يجتمعون فيه، والتذكير بالمسؤوليات الدينية والاجتماعية.

وتظهر هذه الفكرة مجددًا في فصل قصف مأوى للنازحين، حيث يصف أنشطة تعليم القرآن للأطفال، ووجود ستين طفلًا ينتظرون اختبارًا قرآنيًا قبل صدور تحذير بإخلاء المكان، ثم تعرضه للقصف. (ص 229)

ولا تكمن أهمية هذه الرواية في الحدث العسكري وحده، بل في تصوير محاولة استمرار التعليم وسط النزوح والخوف.

وهنا يطرح الكتاب معنى جديرًا بالتأمل: أن المحافظة على المجتمع أثناء الحرب لا تتحقق بمجرد القدرة على الدفاع، وإنما تتطلب حماية الحياة اليومية ومؤسساتها، وتوفير مقومات بقاء الناس بكرامة.

وهذا من أقوى الجوانب التي تستحق إبرازها في قراءة الكتاب.

سابعًا: القرآن والتربية.. من قيام الليل إلى صناعة القرار

يخصص المؤلف مساحة واسعة للتربية الإيمانية؛ فيتناول الصلاة، والذكر، وقيام الليل، والتوبة، ومحاسبة النفس، واستحضار الآخرة.

ولا يعرض هذه العبادات بوصفها أعمالًا منفصلة عن الحياة العملية، وإنما يربطها ببناء الإرادة وضبط السلوك واتخاذ القرار.

وفي فصل «قيام الليل» يقول:

«إن التهجد هو أعظم عمل تربوي يربي المسلم به نفسه». (ص 130)

ثم يربطه بالرشاد وتجويد القرارات، ولا سيما لمن يحملون مسؤوليات ثقيلة.

والفكرة هنا أن العبادة في الخفاء، بما تتطلبه من مجاهدة للنفس وانضباط واستمرار، يمكن أن تُسهم في بناء شخصية أقل خضوعًا للهوى والانفعال.

كما يحضر في الكتاب مفهوم التوبة باعتباره استجابة لازمة للشدائد؛ ففي «مشروع الإصلاح يبدأ من الآن» يقول:

«إن الغاية من البلاء هي التضرع لله والرجوع إليه». (ص 138)

ثم يدعو إلى مراجعة الذنوب والمظالم، وإصلاح أحوال المجتمع، وعدم الاكتفاء بانتظار انتهاء الحرب.

وفي فصل «الدعوة رأس مال الداعية» (ص 225)، يحدد مهام الداعية أثناء الأزمات: تقوية الإيمان، وتعليم الأحكام الضرورية، وتخفيف الانهيار النفسي، والدعوة إلى التكافل، وربط الناس بالمعاني التي تعينهم على الاحتمال.

ومن هنا يظهر تصور المؤلف للداعية باعتباره حاضرًا في حياة الناس ومشكلاتهم، لا مجرد متحدث في القضايا النظرية.

لكن هذا التصور يثير سؤالًا آخر: كيف يمكن المحافظة على الوظيفة التربوية للدين دون أن تتحول الموعظة إلى بديل عن التفكير النقدي في القرارات البشرية؟

فالتربية على الصبر قيمة، ولكنها لا تلغي الحاجة إلى مراجعة الأخطاء. والثقة بالله لا تجعل كل قرار يتخذه المؤمن صحيحًا، ولا تحول دون محاسبة المسؤول عن نتائج اختياراته.

وهذا التمييز ضروري لفهم مواضع قوة الخطاب التربوي وحدوده.

ثامنًا: فقه الحرب والمجاعة.. حين تُختبر القواعد في الواقع

يمثل الجانب الفقهي أحد أهم وجوه الكتاب، وربما أكثرها استحقاقًا لدراسة مستقلة.

فالمؤلف لا يكتفي بالحديث عن فضائل الصبر والعبادة، وإنما ينتقل إلى مسائل عملية فرضتها المجاعة والنزوح وانعدام الأمان.

وفي فصل «شماعة فقه الضرورات» (ص 79)، ينتقد استغلال بعض الناس ظروف الحرب للاستيلاء على ممتلكات النازحين، متذرعين بالحاجة.

ويفرّق بين أخذ ما تقتضيه الضرورة الفعلية وبين تحويل الضرورة إلى غطاء للنهب.

ويقرر:

«إن الحرام يبقى حرامًا ولو فعله جميع الناس». (ص 79)

ثم يناقش وجوب إعادة الحقوق إلى أصحابها والتوبة من الاعتداء عليها.

وفي فصل «فقه وتفقه» (ص 190–202)، يعرض مسائل تتعلق بالطهارة في حال شح الماء، والوضوء والتيمم، والصلاة في ظروف الخوف، وأعذار الجمعة والجماعة، وبعض أحكام الصيام والإنقاذ.

ويستعين بالنقول الفقهية، ولا سيما من المذهب الشافعي، في محاولة لتنزيل الأحكام على واقع شديد الاستثناء.

وتزداد أهمية هذا القسم إذا قرئ بوصفه سجلًا للأسئلة الفقهية التي تفرضها الكوارث والنزاعات المسلحة.

كما أنه يكشف أن المؤلف لا يرى الحرب حالة ترفع جميع القيود الشرعية، بل يؤكد ضرورة استمرار الانضباط الأخلاقي والتعبدي.

وفي نهاية الفصل يكتب:

«إن الهدف من الجهاد هو إقامة العبادة». (ص 202)

ثم يقرر أن من يهمل العبادة يتمسك بالوسيلة ويضيّع الغاية.

وهذه عبارة أساسية في فهم منطقه الداخلي؛ فهو يريد أن يجعل العمل العسكري تابعًا للغاية الدينية التي يؤمن بها، لا منفصلًا عنها.

تاسعًا: من تفسير الحرب إلى نقد الأنظمة والدولة

لا يقف المؤلف عند المعاناة في غزة، بل ينتقل منها إلى نقد البنية السياسية العربية، والعلاقات الدولية، ومفهوم الدولة في الإسلام.

ففي فصل «من معالم الطريق؟! الإسلام دين ودولة» (ص 142)، يستدل بما وقع في المدينة بعد الهجرة، وبطبيعة القيادة التي أصبحت للنبي ﷺ، على أن المشروع الإسلامي لا ينفصل عن الحكم والسياسة.

ويحاول أن يرد بذلك على التصورات التي تحصر الدين في تزكية الأفراد أو إصلاح القلوب دون النظر إلى النظام السياسي.

وفي فصول «النظام الأردني» و«النظام المصري» و«سلطة الخيانة»، يعرض رؤية شديدة النقد للأنظمة العربية، ويربط ضعف الموقف تجاه فلسطين بالتبعية السياسية والاستراتيجية.

وفي بداية حديثه عن النظام الأردني يستحضر فكرة ينسبها إلى محمد إلهامي، مفادها أن بعض الأنظمة العربية تؤدي وظيفة نيابية عن القوى المهيمنة. (ص 210)

ويرى المؤلف أن الحرب كشفت حقيقة العلاقات التي كانت تجري بعيدًا عن الأنظار.

وتنبع هذه المواقف من تصور للصراع يعتبر أن الأزمة ليست في السياسات الخارجية وحدها، بل في طبيعة السلطة والشرعية والمرجعية التي تقوم عليها الدولة.

ولعل القيمة الأساسية لهذه الفصول تكمن في كشف التصور السياسي للمؤلف، ومحاولة منه لتقديم تفسير لتعقيدات المنطقة.

عاشرًا: قضية الأسرى ومسؤولية العلماء والدعاة

تحضر قضية الأسرى في الكتاب بوصفها قضية أخلاقية ودينية وسياسية مركزية.

وفي فصل «طوفان السجون» يقول:

«إن حبس العلماء جريمة كبرى شرعية ودنيوية». (ص 218)

ثم يربط استمرار الاعتقال بتغييب الأصوات الدينية والفكرية عن مجتمعاتها.

وفي فصل «القضية التي سنحاسب عليها جميعًا» (ص 219)، يتناول معاناة المعتقلين وذويهم، ويدعو إلى التعريف بقضاياهم وتوثيق سيرهم ودعم أسرهم.

ويكشف هذا الاهتمام عن موقع الأسرى في تصوره للمسؤولية الجماعية؛ فالواجب عنده لا ينتهي بمجرد إظهار التعاطف، وإنما يستلزم عملًا مستمرًا.

كما يطرح في فصل «طوفان السجون» وسائل قسرية تتضمن احتجاز رهائن وتهديد أفراد من عائلات مسؤولين.

أما نقده للعلماء والدعاة فينطلق من اعتراضه على الانشغال بالقضايا الجزئية وإهمال القضايا الكبرى، وخصوصًا معاناة أهل غزة.

ويظهر ذلك في فصل «أين علماء الحداثة؟» (ص 233)، حيث يوجّه انتقادات حادة لبعض الشخصيات الفكرية، معتبرًا أن حضورها في النقاشات النظرية لا يقابله حضور مماثل في القضايا التي يراها أكثر إلحاحًا.

وهذا نقد يستحق المناقشة من حيث ترتيب الأولويات والمسؤولية الاجتماعية.

حادي عشر: الغرب والحداثة.. الصراع بوصفه أزمة قيم

من أكثر محاور الكتاب حضورًا نقدُ الحضارة الغربية، ولا سيما التناقض الذي يراه المؤلف بين الخطاب الغربي عن حقوق الإنسان والممارسات التي صاحبت الحرب في غزة.

وفي فصل «رصيد القيم» يقول:

«إن القيم في النظام الغربي قد أوشكت على الزوال». (ص 209)

ثم ينتقد الخطاب الغربي المتعلق بحقوق الطفل والمرأة وحرية التعبير، معتبرًا أن المواقف من الحرب أظهرت ازدواجية المعايير.

ولا يقتصر نقده على السياسات الغربية تجاه فلسطين، بل يمتد إلى الأسس الفلسفية والأخلاقية للحضارة الحديثة.

ففي «معضلة المجتمعات الغربية» (ص 207)، يناقش قضايا الدين والمادية والأخلاق والعلاقات الاجتماعية، ويرى أن التقدم المادي لا يكفي دليلًا على التفوق القيمي.

أما في «من الثغور العظيمة» (ص 274–275)، فيدعو إلى تفكيك منظومة قيم الحداثة الغربية، مستحضرًا أطروحات المفكر عبد الوهاب المسيري في نقد الحضارة المادية.

والغاية التي يقررها هي ما يسميه «التحرر القيمي»؛ أي أن يستعيد المسلم استقلاله في الحكم على الأفكار والتصورات، وألا يتعامل مع القيم الغربية بوصفها المرجعية النهائية.

ومن المهم هنا ملاحظة أن المؤلف لا يرفض القوة المادية أو التكنولوجيا لذاتها، بل ينتقد اعتبار التفوق التقني مبررًا للتفوق الأخلاقي أو للهيمنة السياسية.

وهذه نقطة جديرة بالتطوير الفكري، لأنها تفتح بابًا للتمييز بين الانتفاع بالمنجز العلمي وبين تبني جميع القيم المرتبطة بالمجتمعات التي أنتجته.

ثاني عشر: صناعة الجيل.. المشروع الذي يتجاوز زمن الحرب

على الرغم من أن الكتاب كُتب خلال الحرب، فإن مؤلفه يخصص مساحة ملحوظة لما ينبغي فعله في زمن السلم وما بعد الصراع.

فهو يعود مرارًا إلى التعليم، والقراءة، وتحفيظ القرآن، وتربية الأبناء، وتكوين الشباب، وتعزيز المسؤولية الاجتماعية.

وفي فصل «أمهات الجيل» (ص 272)، يوجّه حديثه إلى النساء، ويؤكد دور الأسرة والتربية في تكوين الأجيال.

واللافت أنه لا يكتفي بالقضايا الوعظية المعتادة، بل ينتقد ثقافة الاستعراض في وسائل التواصل الاجتماعي، وتصوير كل تفاصيل الحياة الخاصة.

ويقول عن تربية الأبناء:

«أن أجسامهم ليست للعرض على التطبيقات، وأن كل ذكرى ليست بحاجة إلى أن تُعرض». (ص 272)

وهذا من المواضع التي تظهر فيها قدرة المؤلف على الانتقال من القضايا الكبرى إلى سؤال عملي معاصر يتعلق بالخصوصية والحياء وصناعة الشخصية.

وفي فصل «من الثغور العظيمة» (ص 274)، يركز على أهمية البرامج والمخيمات القرآنية والتربوية في أوقات الفراغ، ويرى أنها جزء من حماية الجيل وبنائه.

كما يربط هذا المشروع بالتخلص من التبعية القيمية، وتربية الشباب على العلم والانضباط والعمل وتحمل المسؤولية.

وفي «عرى الإسلام» (ص 270)، يخاطب الشاب المسلم بسؤال عن مسؤوليته تجاه المقدسات والأمة، ثم يعرض نموذجًا للشاب الذي ينشغل بتعليم القرآن وخدمة الفقراء ونشر العلم والعمل العام بدل استهلاك الوقت في اللهو والجدل.

ومن زاوية تحليلية، يكشف هذا المحور أن المؤلف لا يتصور التغيير بوصفه فعلًا عسكريًا فقط؛ فهو يمنح التعليم والتربية والثقافة أهمية كبيرة.

ثالث عشر: أين تكمن قوة الكتاب؟

يمكن تحديد أبرز مواطن قوة الكتاب في أربعة أمور مترابطة.

أولها: خصوصية الشهادة الشخصية. فالمؤلف ينقل تفاصيل من الحياة تحت القصف والحصار لا تظهر عادة في التحليلات السياسية، مثل أثر الحرمان من الماء والنوم، وضياع الكتب، والانفصال عن الأبناء، والخوف على الأصدقاء.

وثانيها: الجمع بين المعرفة الشرعية والتجربة المباشرة. إذ يستحضر المؤلف الفقه والتفسير والسيرة لمعالجة أسئلة نشأت من واقع استثنائي، لا من تمرين نظري بعيد عن الحياة.

وثالثها: النظر إلى الإنسان بوصفه كيانًا متكاملًا. ففي الكتاب اهتمام بالعبادة والعلم والنية والعلاقات الأسرية والخدمة الاجتماعية والانضباط النفسي، وليس بالشجاعة الميدانية وحدها.

ورابعها: الاهتمام باستمرار المجتمع. ويتجلى ذلك في مشروعات التعليم، ومحاولات توفير الخدمات، والدعوة إلى التكافل، والحرص على حماية حقوق الناس خلال المجاعة.

وفي فصل «التعامل مع الأزمات» يلخص المؤلف بعض ما استفاد من دراسته للسيرة في ثلاثة مفاهيم:

«تجاهل، تكافل، تفاؤل». (ص 283)

وهي صيغة تربوية مكثفة يقصد بها عدم استنزاف النفس في كل أزمة جانبية، والتعاون على تخفيف الشدائد، وعدم الاستسلام لليأس.

وتكشف هذه الفكرة عن جانب في الكتاب قد يضيع وسط غلبة خطابه السياسي، وهو اهتمام صاحبه ببناء القدرة على الاستمرار في مواجهة الضغوط اليومية.

رابع عشر: ما الذي يؤخذ على الكتاب؟

رغم ثراء الكتاب وخصوصية تجربته، فإن قراءته النقدية تكشف عن عدة إشكالات لا ينبغي إغفالها.

1. التشتت الهيكلي وتكرار الأفكار

تبدو الموضوعات موزعة على مقاطع قصيرة ومتباعدة؛ فقد ينتقل القارئ من قضية عسكرية إلى مسألة فقهية ثم إلى نقد سياسي، قبل أن يعود إلى التربية أو السيرة.

كما تتكرر معاني الصبر والثبات والتوكل والنصر في فصول متعددة.

ويمكن تفسير ذلك بظروف التأليف التي أثرت في تماسك البناء الفكري.

2. غلبة اليقين على التحليل في بعض المواقف

يتحدث المؤلف في مواضع كثيرة عن نتائج سياسية وعسكرية مستقبلية بصيغة قطعية، مع أن هذه النتائج تتأثر بعوامل لا يكفي الاعتقاد بها أو الرغبة فيها لإثبات تحققها.

ويظهر هذا بوضوح في توقعاته بشأن انهيار أنظمة سياسية وتراجع الهيمنة الغربية.

فمن المهم التمييز بين اليقين الديني بمبادئ عامة، وبين تقدير مسار الأحداث في عالم تتعدد فيه الأسباب والاحتمالات.

3. صعوبة تقبّل النقد الداخلي

في فصل «الهزيمة النفسية» (ص 86)، يروي المؤلف أنه استمع إلى أشخاص اعتبروا ما أصاب غزة نتيجة سوء تقدير من قادة العمل العسكري، لكنه وصف كلامهم بالهزيمة النفسية، ثم ابتعد عنهم حتى لا يتأثر به.

هذا الموقف يكشف عن آلية نفسية واضحة للمحافظة على الثبات، لكنه يثير سؤالًا مهمًا: هل كل اعتراض على القرار العسكري علامة ضعف في الإيمان أو الإرادة؟

فقد يكون النقد تعبيرًا عن خوف أو انهيار، لكنه قد يكون أيضًا مراجعة عقلانية لقرار وآثاره، ولا يمكن الفصل بين الاحتمالين إلا بفحص الأدلة.

وهذا أحد أعمق مواضع التوتر في الكتاب: الرغبة في حماية المعنويات قد تؤدي أحيانًا إلى تضييق مساحة المراجعة الذاتية.

4. محدودية مساءلة نتائج القرارات العسكرية

يصف المؤلف أهوال الحرب وتكاليفها على الناس، لكنه لا يخصص معالجة مماثلة لفحص القرار الذي سبق المواجهة، والبدائل المتاحة، وكيفية تقدير المخاطر على المدنيين.

وهذا يحد من قدرة الكتاب على تقديم تفسير شامل للحرب، وإن لم يقلل من أهمية شهادته على ما عاشه.

5. حضور الخطابة على حساب البرهنة

تمتاز لغة المؤلف بالقوة والصراحة، وينتقد بقوة الأشخاص والأفكار.

وهذا الأسلوب مؤثر في الخطاب الوعظي والتعبوي، لكنه قد لا يكون كافيًا في معالجة قضايا تحتاج إلى أدلة تفصيلية وموازنة بين آراء متعددة من حيث القيمة العلمية للكتاب.


خامس عشر: ما الذي يقوله الكتاب عن مستقبل الأمة؟

يتكرر في الكتاب تصور بأن ما يجري في غزة ليس نهاية مرحلة فلسطينية فحسب، وإنما بداية تحول أوسع في تاريخ الأمة.

ويرى المؤلف أن آثار الحرب ستتجاوز نتائجها المباشرة، وستُحدث تغيرًا في الوعي والانتماء والجيل القادم.

وقد عبّر عن ذلك بقوله:

«لقد كانت دماء العز في غزة هي شعلة الحياة لهذه الأمة، وإن لم نر هذه الحياة الآن فسيراها الجيل القادم بإذن الله». (ص 41)

وتكشف هذه العبارة عن فهمه للتاريخ باعتباره مسارًا تتراكم فيه التضحيات والآثار، وقد لا تظهر ثمار بعض الأحداث في زمن أصحابها.

وهذا التصور يفسر كذلك اهتمامه بالتعليم وبناء الشباب، فلا يرى أن دوره ينتهي عند حدود المعركة الجارية، بل يتطلع إلى التأثير في الأجيال اللاحقة.

لكن هذه الرؤية، على قوتها الوجدانية، تظل تفسيرًا وتوقعًا، ولا يمكن الحكم على تحققها إلا بدراسة التحولات السياسية والاجتماعية اللاحقة، وما إذا كانت قد أفضت فعلًا إلى إصلاح المؤسسات وتحسين حياة الناس وتعزيز حقوقهم.

خاتمة: كتاب يشرح التجربة وصاحبها بقدر ما يشرح الحرب

في ختام كتابه يقول محمد زكي حمد:

«وقد بثثتُ في الكتاب روحي». (ص 339)

ولعل هذه العبارة هي أصدق مفتاح لفهم المؤلَّف؛ فهو ليس تاريخًا لمراقب للحرب، ولا بحثًا فقهيًا تقليديًا، ولا دراسة سياسية أكاديمية، وإنما نصٌّ يحمل شخصية صاحبه بكثافة شديدة.

إنه كتاب يكشف عن طريقة تفكير رجل جمع بين دراسة القرآن والفقه والعمل التربوي والمشاركة العسكرية، وحاول أن يفسر ما عاشه من خلال منظومة دينية وفكرية راسخة لديه.

وفي هذا المسار تتجاور مشاهد الجوع والخوف والفقد مع الحديث عن قيام الليل وأحكام الطهارة، وتلتقي شؤون النازحين وتربية الأطفال مع نقد الأنظمة والحضارة الغربية، وتتداخل السيرة النبوية مع تصورات المؤلف عن مستقبل فلسطين والمنطقة.

وأهم ما يقدمه الكتاب للقارئ هو فهم هذا التداخل؛ كيف تتحول التجربة الشخصية إلى رؤية للعالم، وكيف يصبح النص الديني إطارًا لتفسير الواقع، وكيف يحاول الإنسان تحت ضغط الحرب أن يحافظ على المعنى والأمل والقدرة على العمل.

وإذا كانت قوة الكتاب في صدق تجربته وحضور تفاصيلها الإنسانية، فإن ضعفه يظهر يضيق مجال النقد والمراجعة أمام لغة اليقين والحماسة.

ومن الإنصاف، إذن، ألّا يُقرأ الكتاب على أنه مجرد مذكرات مقاتل، بل هو ملحمة مقاتل.

وهكذا فإن «تحت راية الطوفان.. خندق خباب» ليس كتابًا عن خنادق غزة وحدها، بل عن العقل الذي دخل تلك الخنادق حاملًا دينه وإنسانيته وتاريخه معه، وخرج منها بنص يريد أن يكون شاهدًا على الحرب، ودرسًا في التربية، ورسالةً إلى الجيل القادم.

وقد تكون هذه هي قيمته الأعمق: أنه يتيح للقارئ أن يفهم لا ما وقع في زمن الحرب فحسب، بل كيف فهم أحد المشاركين فيها ما وقع، وكيف صاغ من تجربته رؤيةً تتجاوز حدود المكان واللحظة.

وهذه الرؤية، مثل كل رؤية بشرية، تزداد قيمتها حين تُقرأ بالإنصات وحسن الفهم، لا حين تُعامل بعاطفة مجردة.