وصل للأخبار | فضيحة طالبات الطب في اليابان تعود للتداول.. ما الذي حدث فعلًا؟
تداولت حسابات وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرًا منشورًا يعيد تسليط الضوء على قضية تلاعب بنتائج طالبات الطب في اليابان، مقدِّمًا إياها في بعض الأحيان كما لو كانت واقعة حديثة، ومرفقًا بتفاصيل لا تتطابق جميعها مع ما أثبتته التحقيقات الرسمية والتغطيات الموثوقة.
والقضية في أصلها حقيقية، لكنها تعود إلى عام 2018، حين انكشفت واحدة من أبرز فضائح القبول في كليات الطب اليابانية. وإعادة تناولها اليوم لا تأتي باعتبارها خبرًا جديدًا، وإنما لتوضيح حقيقة ما جرى، والفصل بين ما أثبتته التحقيقات وبين التفاصيل التي أضيفت إلى القصة مع إعادة تداولها بعد سنوات.
كشفت فضيحة أكاديمية في اليابان عن تلاعب متعمد بنتائج امتحانات القبول في كلية الطب بجامعة طوكيو الطبية، بهدف الحد من أعداد الطالبات المقبولات وزيادة فرص الطلاب الذكور، في ممارسة قالت التحقيقات إنها استمرت لسنوات وأثارت جدلًا واسعًا بشأن التمييز ضد النساء في التعليم الطبي.
وأظهرت التحقيقات التي بدأت عام 2018 أن الجامعة عدّلت نتائج امتحانات القبول بصورة منهجية، بما أدى إلى حرمان متقدمات من الالتحاق بكلية الطب رغم حصولهن على درجات كانت تؤهلهن للقبول. وخلصت التحقيقات إلى أن هذه الممارسات تعود إلى عام 2006 على الأقل.
فضيحة طالبات الطب في اليابان تعود للتداول.. ما الذي حدث فعلًا؟

التلاعب بنتائج الطالبات في كلية الطب
أقرت جامعة طوكيو الطبية بتغيير نتائج امتحانات القبول، بعدما كانت التقارير الإعلامية قد كشفت وجود فروق غير مبررة في فرص قبول المتقدمين والمتقدمات.
ووفق نتائج التحقيق، جرى في امتحانات عام 2018 خفض درجات المرحلة الأولى لجميع المتقدمين بنسبة 20%، قبل إضافة نقاط إلى نتائج بعض المتقدمين الذكور، مع استثناءات مرتبطة بعدد مرات التقدم السابقة للامتحان. وكشفت التحقيقات أن هذه الآلية لم تكن حادثة منفردة، بل كانت جزءًا من ممارسة امتدت لسنوات.
وكان الهدف المعلن داخليًا من هذه السياسة هو الحد من عدد الطالبات المقبولات، استنادًا إلى اعتقاد لدى مسؤولي الجامعة بأن بعض الطبيبات قد يتركن العمل أو يقللن من ساعات عملهن بعد الزواج والإنجاب، وهو ما ربطته التحقيقات مباشرة بسياسة القبول التمييزية.
التحقيق يكشف امتداد التمييز إلى جامعات أخرى
لم تتوقف القضية عند جامعة طوكيو الطبية. فبعد انتشار الفضيحة، أطلقت وزارة التعليم والثقافة والرياضة والعلوم والتكنولوجيا اليابانية تحقيقًا واسعًا شمل كليات الطب في أنحاء البلاد، بهدف التحقق من عدالة إجراءات القبول.
وأظهرت التحقيقات وجود ممارسات تمييزية في جامعات طبية أخرى. وتشير دراسة أكاديمية لاحقة استندت إلى نتائج تحقيقات الوزارة إلى أن أربع جامعات طبية كُشف فيها عن ممارسات تمييزية ضد النساء، هي جامعة طوكيو الطبية، وجامعة جونتندو، وجامعة كيتاساتو، وكلية الطب في جامعة سانت ماريانا.
وكشفت التحقيقات اختلاف صور التمييز من جامعة إلى أخرى؛ ففي حين منحت جامعة طوكيو الطبية نقاطًا إضافية لبعض المتقدمين الذكور، فرضت جامعة جونتندو معايير أعلى على النساء والمتقدمين الأكبر سنًا، بينما أعطت جامعة كيتاساتو أولوية للمتقدمين الذكور في مرحلة تحديد المقبولين للمرحلة التالية. أما كلية سانت ماريانا الطبية، فسجلت فروقًا كبيرة في متوسط درجات المتقدمين الذكور والإناث.
وقد نشرت وزارة التعليم اليابانية نتائج التحقيقات وإجراءات المتابعة المتعلقة بعدالة القبول في كليات الطب، بما في ذلك البيانات الخاصة بمعدلات القبول بحسب الجنس في السنوات اللاحقة.
مبررات أثارت انتقادات واسعة
برر المسؤولون في بعض المؤسسات هذه الممارسات باعتبارات مرتبطة بمستقبل الطبيبات المهني، ولا سيما الاعتقاد بأن النساء قد يتوقفن عن العمل أو يقللن من مشاركتهن المهنية بسبب الزواج أو الإنجاب.
لكن هذه المبررات أثارت انتقادات حادة، لأنها تعاملت مع جنس المتقدم باعتباره مؤشرًا مسبقًا على التزامه المهني، بدل تقييم المتقدمين وفق نتائجهم وقدراتهم الفردية.
وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن القضية أظهرت وجود تمييز مؤسسي ضد النساء في التعليم الطبي، ودعت الحكومة اليابانية إلى ضمان عدم استخدام الأموال العامة لدعم مؤسسات تمارس التمييز، وإلى توفير سبل انتصاف للمتقدمات اللواتي تضررن من هذه السياسات.
انخفاض قبول النساء لا يعني انخفاض كفاءتهن
أثارت الفضيحة سؤالًا أساسيًا حول الافتراض الذي استندت إليه بعض سياسات القبول، وهو أن انخفاض أعداد النساء في كليات الطب يمكن تبريره باختلاف مستوى الأداء المهني بين الأطباء والطبيبات.
لكن الدراسات اللاحقة لم تقدم دليلًا يدعم هذا الاستنتاج. فقد أظهرت دراسة منشورة عام 2022 أن معدل نجاح النساء في امتحان الترخيص الطبي الوطني في اليابان ظل أعلى من معدل الرجال بصورة منتظمة، رغم أن معدل قبول الرجال في كليات الطب كان أعلى من النساء.
وتشير الدراسة إلى أن معدل القبول في كليات الطب خلال الفترة التي جرى تحليلها كان أعلى لدى الرجال، بينما كان معدل النجاح في الامتحان الوطني لمزاولة مهنة الطب أعلى لدى النساء. وخلص الباحثون إلى أن هذه النتائج تشير إلى احتمال تعرض النساء لعوائق أكبر في مرحلة القبول، مع التأكيد على أن البيانات وحدها لا تثبت بصورة مباشرة وجود تمييز في جميع الجامعات.
التمييز ضد الطالبات في كليات اليابان
تكشف المقارنة بين مرحلتي القبول والتخرج مفارقة مهمة في القضية.
فبحسب الدراسة الأكاديمية، كان معدل قبول الرجال في كليات الطب أعلى من معدل قبول النساء خلال الفترة التي شملها التحليل، بينما كان معدل النجاح في الامتحان الوطني للحصول على ترخيص ممارسة الطب أعلى لدى النساء.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج تضعف أي افتراض بأن انخفاض نسبة قبول النساء يعكس بالضرورة انخفاضًا في قدرتهن الأكاديمية أو المهنية، وتشير بدلًا من ذلك إلى ضرورة دراسة العوامل المؤثرة في نظام القبول نفسه.
التمييز لم يكن محصورًا في امتحانات القبول
أشارت الدراسة إلى أن المشكلات التي تواجه الطبيبات في اليابان لا تنتهي بمجرد دخول كلية الطب، إذ تواجه بعض الطبيبات أيضًا عوائق مهنية مرتبطة بالنوع الاجتماعي، بما في ذلك تحديات مرتبطة بالترقي والعمل والتوفيق بين الحياة المهنية والأسرية.
كما تناولت دراسات سابقة تعرض طالبات وطبيبات لأشكال من المضايقة والتحيز المرتبطين بالحمل والإنجاب، فضلًا عن استمرار وجود فجوات في الأجور والمناصب المهنية بين الأطباء والطبيبات.
وتشير هذه المعطيات إلى أن قضية القبول الجامعي كانت جزءًا من مشكلة أوسع تتعلق بـ”المساواة بين الجنسين” داخل قطاع الطب الياباني، وليس مجرد خلل إداري منفصل في جامعة واحدة.
وتثير هذه الوقائع تساؤلات حول الخطاب الذي طالما قدّمته المنظومة الغربية بشأن “المساواة بين الجنسين”، في ظل استمرار مظاهر التمييز والتحرش ضد النساء داخل المؤسسات التعليمية والمهنية. فبينما تُطرح المساواة بوصفها أحد معايير التقدم المؤسسي، تكشف هذه الحالات أن الفجوة بين المبادئ المعلنة والممارسة الفعلية ما تزال قائمة، بما في ذلك داخل بيئات أكاديمية وطبية يفترض أن تكون أكثر التزامًا بتكافؤ الفرص.
إصلاح نظام القبول بعد الفضيحة
دفعت القضية السلطات اليابانية إلى تعزيز الرقابة على إجراءات القبول في كليات الطب، وإجراء مراجعات دورية لمعدلات النجاح والقبول بحسب الجنس.
وتحتفظ وزارة التعليم اليابانية ببيانات مفصلة حول نتائج هذه المراجعات، بما في ذلك معدلات القبول للرجال والنساء في كليات الطب في السنوات اللاحقة، في إطار متابعة إصلاحات نظام القبول وضمان نزاهته.
كما أصبحت قضية التحيز في القبول الطبي موضوعًا للدراسة الأكاديمية، حيث خلصت أبحاث لاحقة إلى أن الفارق بين معدلات قبول الرجال والنساء في الطب كان لافتًا مقارنة بتخصصات أكاديمية أخرى.
فضيحة أعادت فتح ملف المساواة في الطب الياباني
أعادت قضية جامعة طوكيو الطبية النقاش حول معايير اختيار الأطباء في اليابان، وما إذا كان من المقبول أن تؤثر توقعات مرتبطة بالجنس والزواج والإنجاب في فرص المتقدمين للحصول على التعليم الطبي.
كما دفعت القضية إلى مراجعة أوسع لثقافة العمل داخل المؤسسات الطبية، وإلى طرح أسئلة حول قدرة النظام على توفير بيئة مهنية تسمح للنساء بمواصلة العمل الطبي دون مواجهة عوائق مرتبطة بالنوع الاجتماعي.
وبعد سنوات من الكشف عن القضية، بقيت فضيحة التلاعب بنتائج امتحانات القبول واحدة من أبرز الحالات التي سلطت الضوء على التحيز ضد النساء في التعليم الطبي الياباني، بينما أظهرت الدراسات اللاحقة أن الفوارق في القبول لا يمكن تفسيرها ببساطة على أساس الكفاءة الأكاديمية أو المهنية.
نظام صحي قوي لا يلغي مشكلة التمييز
تأتي هذه الفضيحة في بلد يتمتع بنظام صحي ذي مؤشرات قوية على المستوى الدولي. ووفق أحدث بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، تتفوق اليابان على متوسط دول المنظمة في 7 من أصل 10 مؤشرات مختارة تتعلق بالوصول إلى الرعاية الصحية وجودتها.
لكن قوة مؤشرات النظام الصحي لا تعني غياب المشكل داخل القطاع الطبي. فبيانات OECD لعام 2025 تشير أيضًا إلى أن النساء يمثلن نحو 25% من الأطباء في اليابان، وهي من أدنى النسب بين دول المنظمة.
المصادر:
وزارة التعليم والثقافة والرياضة والعلوم والتكنولوجيا اليابانية (MEXT): التحقيقات المتعلقة بعدالة القبول في كليات الطب اليابانية.
هيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch): تقرير حول التمييز ضد النساء في القبول بكلية الطب بجامعة طوكيو الطبية.
Springer Nature – SN Social Sciences: دراسة أكاديمية بعنوان Gender bias in the medical school admission system in Japan، 2022.
منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD): Health at a Glance 2025 – Japan، بيانات أداء النظام الصحي الياباني.
Euronews: تقرير حول نتائج التحقيق في التلاعب بدرجات المتقدمات إلى كلية الطب.
متابعونا الكرام، ليصلكم كل جديد تابعونا على تلغرام





اترك تعليقاً