لم يكن حزب البعث في سوريا والعراق تجربةً سياسية واحدة متطابقة، على الرغم من انتماء الفرعين إلى مشروع فكري واحد، واشتراكهما في شعارات النهضة العربية والوحدة القومية والاستقلال عن الهيمنة الأجنبية والعدالة الاجتماعية بصيغتها الاشتراكية. غير أن المسافة بين المشروع الذي بشّر به الحزب، والنظم التي أقامها باسمه، سرعان ما اتسعت؛ إذ لم يكن الاختبار الحقيقي للبعث في جاذبية شعاراته، بل في طبيعة الدولة التي أنشأها، وحدود السلطة التي احتكرها، ومآلات السياسات التي انتهجها.
ففي سوريا والعراق، لم تفضِ تجربة البعث إلى تحقيق الوحدة العربية المنشودة، بل انتهى الفرعان إلى صراعٍ حادّ بين نظامين يتنازعان شرعية تمثيل المشروع القومي نفسه. وداخل كل دولة، تكرّس احتكار الحزب للسلطة، وتضخّم دور الأجهزة الأمنية، وتقدّم الولاء للقيادة على استقلال المؤسسات، حتى غدت الدولة، بدرجات وصور متفاوتة، أداةً لحماية النظام وإدامة بقائه، بدل أن تكون إطارًا جامعًا للمجتمع ومصالحه. وارتبط هذا المسار بالقمع السياسي، وتصفية الخصوم، وإضعاف المجال العام، فضلًا عن صراعات داخلية وحروب خلّفت خسائر بشرية ومادية جسيمة، وألقت بظلالها على مستقبل المشرق لعقود.
ولا تستقيم قراءة هذه التجربة باختزال تاريخ البعث في حكمٍ واحد، أو تسوية الفوارق بين مساريه السوري والعراقي، أو تحميل جميع المنتسبين إليه مسؤوليةً واحدة؛ بل تقتضي قراءةً تاريخية تميّز بين الأفكار المعلنة، والتحولات التنظيمية، وشروط الوصول إلى السلطة، وآليات ممارستها. غير أن هذه التمايزات لا تُلغي السؤال المركزي الذي تفرضه التجربة: كيف تحوّل مشروعٌ رفع شعارات النهضة والوحدة والتحرر إلى أنظمةٍ جعلت بقاء الحزب والقيادة أولويةً تعلو على الحريات والمؤسسات، وانتهت إلى صراعات وحروب ناقضت جانبًا جوهريًا من وعوده التأسيسية؟
من هذا السؤال تنطلق هذه الدراسة لتتتبّع مسار حزب البعث من نشأته الفكرية والسياسية إلى استقراره في الحكم في سوريا والعراق، وتحليل العوامل التي أسهمت في انتقاله من مشروعٍ للتغيير القومي والاجتماعي إلى دولة الحزب والأجهزة الأمنية، ثم الوقوف عند أبرز النتائج السياسية والاجتماعية والعسكرية التي خلّفها هذا التحول، مع مراعاة اختلاف السياقات والمسارات بين البلدين.
النشأة والفكرة: نهضة عربية بقيادة حزب واحد


تبلورت أفكار البعث في دمشق خلال أربعينيات القرن العشرين، وارتبطت نشأة الحركة بميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، كما أسهم زكي الأرسوزي في تيار البعث القومي الذي تداخلت مساراته مع نشأة الحزب. وتختلف تواريخ النشأة في المراجع باختلاف المرحلة المقصودة: فثمة نشاط فكري وتنظيمي سبق قيام الحزب رسميًا، بينما يُعتمد المؤتمر التأسيسي المنعقد في 7 أبريل 1947 تاريخًا لتأسيس حزب البعث العربي. وفي عام 1953، اندمج الحزب مع الحزب العربي الاشتراكي بقيادة أكرم الحوراني، ليحمل التنظيم اسم حزب البعث العربي الاشتراكي.
اختزلت شعارات الحزب الثلاثة – الوحدة والحرية والاشتراكية – مشروعًا يتجاوز حدود الدولة القطرية القائمة؛ إذ دعا إلى توحيد العرب في دولة واحدة، والتحرر من الاحتلال والتبعية الأجنبية، وإعادة تشكيل البنية الاجتماعية والاقتصادية بما يحدّ من نفوذ الإقطاع والامتيازات التقليدية، ويوسّع دور الدولة في التنمية. ولم تكن الاشتراكية البعثية نسخة مطابقة من الماركسية، بل صيغة قومية سعت إلى الجمع بين الوحدة العربية والتغيير الاجتماعي، مع استلهام ما رآه منظّروها قيمًا إيجابية في التراث الإسلامي، ضمن تصور قومي علماني للدولة والمجتمع.
وجد هذا الخطاب صدى في بيئة عربية مثقلة بآثار الاحتلال والانتداب، والتفاوت الاجتماعي، وأزمات التمثيل السياسي، وتعثر مشاريع الاستقلال في بناء دول قادرة على تحقيق التنمية والعدالة. كما أتاح توسع التعليم والجيش والإدارة الحديثة مسارات جديدة للصعود السياسي أمام فئات من الطبقة الوسطى والشرائح الريفية، في وقت بدت فيه الأحزاب التقليدية عاجزة، في نظر قطاعات من الشباب، عن إحداث التحول المنشود. وهكذا اكتسب البعث جاذبيته لا من شعاراته القومية وحدها، بل من تقديم نفسه بوصفه تنظيمًا قادرًا على تعبئة المجتمع وإعادة بناء الدولة.
لكن في صلب هذا المشروع برزت معضلة سياسية ستزداد خطورة مع انتقال الحزب إلى السلطة: من يملك حق تعريف مصلحة الأمة، ومن يراقب الحزب إذا ادّعى أنه طليعتها ومعبّرها الأصدق؟ فحين يرى تنظيم سياسي أنه يحمل وحده مشروع النهضة التاريخية، يصبح من السهل أن ينظر إلى من يخالفه باعتباره عائقًا، وإلى المعارضة بوصفها تهديدًا للمشروع، بغض النظر عن مصداقية معارضتها وعلى ماذا تستند. وهذه ليست نتيجة حتمية لكل فكرة قومية أو لكل دعوة إلى الإصلاح الاجتماعي، لكنها مخاطرة تتفاقم حين تقترن مركزية القيادة بغياب الميزان العقدي والأخلاقي الذي يزن القرارات والأحكام، وضعف استقلال المؤسسات، وتداخل التنظيم الحزبي مع الجيش وأجهزة الدولة.
ومن هنا، لا يكمن مفتاح فهم تجربة البعث في المفارقة بين شعارات براقة ونتائج مأساوية فحسب، بل في تتبّع التحول الذي أصاب بنية الحزب نفسه: كيف انتقل من حركة سياسية تعد بالنهضة والتحرر إلى تنظيم يتنافس على احتكار تمثيل الأمة، ثم كيف مهّد هذا المنطق، في السياقين السوري والعراقي وبمسارات مختلفة، لصعود أنظمة جعلت الحفاظ على السلطة معيارًا لتحديد الولاء والخيانة، ومصلحة الدولة مرادفةً لبقاء الحزب والقيادة. وهذا التحول هو المدخل الضروري لفهم ما ستكشفه المرحلة التالية من تاريخ البعث عن العلاقة بين الأيديولوجيا والتنظيم والسلطة.
سوريا: من انقلاب 1963 إلى دولة الأسد

وصل حزب البعث إلى السلطة في سوريا بانقلاب 8 آذار/مارس 1963، فاتحًا مرحلة من الاضطراب السياسي والصراع داخل الحزب والجيش. ولم يستقر الحكم على صورته النهائية إلا بعد أن أحكم حافظ الأسد قبضته على السلطة بانقلاب تشرين الثاني/نوفمبر 1970. ومنذ ذلك الحين اتجه النظام تدريجيًا نحو تركيز السلطة في الرئاسة والأجهزة الأمنية وشبكات الولاء، ونص دستور 1973 على أن حزب البعث هو «القائد للدولة والمجتمع». وهكذا غدا الحزب بوابة رئيسية للترقي السياسي والاجتماعي، وفي الوقت نفسه إحدى أدوات النظام في ضبط المجال العام وإقصاء المنافسين.
وكان للمرحلة البعثية الأولى أثر اجتماعي واقتصادي واسع، وإن بقي تقييم حصيلتها محل نقاش. فقد تبنت الدولة التخطيط المركزي والتأميم والإصلاح الزراعي، ووسعت القطاع العام والخدمات، ثم سمحت في عهد حافظ الأسد بانفتاح اقتصادي محدود أتاح مجالًا أوسع للتجارة والاستثمار الخاص. غير أن التأميمات المبكرة أضعفت جانبًا من القطاع الخاص، وأسهمت في خروج بعض رؤوس الأموال وأصحاب الخبرات، بينما ظل التوسع في التعليم والخدمات مرتبطًا بدرجة كبيرة ببنية الدولة والحزب. وتظهر دراسات عن التعليم السوري كيف امتد نفوذ الحزب إلى المناهج والمنظمات الطلابية والتعيينات، وكيف ارتبط التعليم رسميًا بمشروع تكوين «جيل عربي اشتراكي قومي». وهكذا اقترن توسيع فرص التعليم والخدمات بتسييس مؤسساتها وإخضاعها لهيمنة النظام.

وكانت مجزرة حماة في شباط/فبراير 1982 من أكثر الوقائع كشفًا لطبيعة الحكم في تلك المرحلة. فقد جاءت العملية العسكرية بعد تمرد مسلح قادته جماعات من الإخوان المسلمين، وما رافقه من اغتيالات وهجمات ضد مسؤولين ومؤسسات وأشخاص محسوبين على النظام. لكن رد الدولة تجاوز استهداف الجماعات المسلحة؛ إذ حوصرت المدينة وقُصفت، ونفذت القوات الحكومية اعتقالات وإعدامات وتعذيبًا، وسقط عدد كبير من المدنيين، كما لحقت أضرار واسعة بالمدينة ومرافقها. وتختلف المصادر في تقدير عدد القتلى تفاوتًا كبيرًا، ولذلك يصعب اعتماد رقم واحد نهائي؛ إلا أن الدراسات التاريخية وحقوق الإنسان تتفق على أن الضحايا كانوا بالآلاف.
وبعد تولي بشار الأسد الرئاسة عام 2000، بقيت البنية الأساسية للحكم على حالها: سلطة مركزية شديدة، وهيمنة أمنية، وضيق شديد في المجال السياسي. ووثقت منظمات حقوقية، منها هيومن رايتس ووتش، استمرار حالة الطوارئ المفروضة منذ عام 1963، والاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب والمحاكمات غير العادلة، إلى جانب التضييق على النشطاء والصحفيين والملتزمين من المسلمين، وممارسات تمييزية طالت الأكراد، من بينها حرمان أعداد كبيرة منهم من الجنسية في مراحل سابقة.

وعندما اندلعت احتجاجات 2011، واجهتها الحكومة بالاعتقال والقوة، ثم تحولت الأزمة إلى نزاع مسلح واسع سرعان ما أصبح حربًا متعددة الأطراف والأبعاد، دخلت فيها قوى إقليمية ودولية (الميليشيات الشيعية وروسيا) وفصائل مسلحة متعددة (جهادية ووطنية).
وبحسب تقرير للشبكة السورية لحقوق الإنسان، بلغ عدد القتلى في سوريا منذ اندلاع الحرب في مارس/آذار 2011 وحتى أغسطس/آب 2015 نحو 215 ألفًا و834 شخصًا، بينهم نحو 180 ألف مدني. وحمّلت الشبكة قوات النظام السوري المخلوع مسؤولية مقتل 207 آلاف و348 شخصًا، بينهم 178 ألفًا و491 مدنيًا، من ضمنهم أكثر من 18 ألف طفل و18 ألف امرأة ونحو 11.5 ألف شخص قالت إنهم قضوا تحت التعذيب.
كما قدّرت الشبكة أن قصف قوات النظام ألحق أضرارًا بنحو 2.9 مليون مبنى، بينها قرابة 920 ألف مبنى تعرضت لدمار شبه كامل، مشيرة إلى أن إحصاءاتها لا تشمل قتلى قوات النظام والميليشيات الموالية له بسبب صعوبة الحصول على بيانات موثوقة عنهم.

ولعل سجن صيدنايا وحده يكفي ليكشف جانبًا من حجم البطش الذي مارسته منظومة الحكم البعثية في سورية؛ فلا تحتاج المأساة فيه إلى مبالغة، فقد تكفلت شهادات الناجين، وتقارير المنظمات الحقوقية، وحتى جدران السجن وبنيته المعمارية بحمل الشهادة. أُنشئ السجن في عهد حافظ الأسد، ثم تحول في العقود اللاحقة إلى أحد أشهر مراكز الاحتجاز والقمع في البلاد، حتى صار اسمه مرتبطًا في ذاكرة السوريين بالتعذيب والإخفاء والقتل. وقد وثقت منظمة العفو الدولية، بعد تحقيق استند إلى 84 شاهدًا من معتقلين سابقين وحراس ومسؤولين وقضاة ومحامين، نمطًا من التعذيب المنهجي، والحرمان من الطعام والماء والرعاية الطبية، والإعدامات الجماعية شنقًا؛ وخلصت إلى أن ما جرى في صيدنايا منذ 2011 كان جزءًا من هجوم واسع ومنهجي على المدنيين، ويمثل جرائم ضد الإنسانية.
ولم يكن الأمر مجرد روايات متناثرة؛ فقد كان تصميم السجن نفسه جزءًا من منظومة السيطرة: العزلة، والظلام، والصمت القسري، والممرات والأبواب التي لم يكن المعتقل يرى منها العالم الخارجي. وقد استطاع فريق «فورنسيك أركيتكتشر»، بالتعاون مع منظمة العفو الدولية، إعادة بناء نموذج ثلاثي الأبعاد للسجن اعتمادًا على ذاكرة الناجين وأصوات المكان وتفاصيله المعمارية، حتى أصبحت العمارة نفسها قرينةً تساعد على فهم ما جرى خلف جدرانه.
وفي صيدنايا، لم يكن القتل حادثة فردية ولا تجاوزًا معزولًا من حارس؛ فقد وثقت التحقيقات إعدامات جماعية كانت تُنفذ سرًا ليلًا، وأشارت إلى نقل جثث الضحايا ودفنها في مقابر جماعية، كما وثقت شهادات عن التعذيب والضرب المفضي إلى الموت والتجويع والحرمان من العلاج. وقد قدرت منظمة العفو الدولية أن ما يصل إلى 13 ألف شخص أُعدموا شنقًا في صيدنايا بين 2011 و2015 وحدها، مع تأكيدها أن الرقم تقديري وأن الضحايا الذين ماتوا نتيجة التعذيب والظروف اللاإنسانية يضافون إلى ذلك.
لهذا لا يحتاج تاريخ البعث في سورية إلى أن يُدان بالشعارات وحدها؛ فالسجون أيضًا وثائق تاريخية، والضحايا شهود، والجدران تحفظ ما حاولت السلطة أن تخفيه. وصيدنايا ليس قصة سجن فحسب، بل شاهد على اللحظة التي يتحول فيها احتكار السلطة إلى منظومة خوف، وحين يصبح الإنسان في مواجهة دولة تملك السجن والسلاح والقضاء والأجهزة الأمنية، فلا يبقى القانون حاميًا له، بل قد يتحول إلى جزء من آلة الطغيان نفسها. وهذه المآلات هي التي تجعل دراسة تجربة البعث تتجاوز نقد شعاراتها النظرية إلى مساءلة ما أنتجته تلك المنظومة حين احتكرت الدولة والحزب والسلطة المجال العام.

وفيما يتعلق بجرائم أجهزة الدولة، نشرت الآلية الدولية المحايدة والمستقلة التابعة للأمم المتحدة في كانون الأول/ديسمبر 2024 تحليلًا استند إلى أكثر من 300 مقابلة مع شهود، إضافة إلى أدلة طبية ووثائق حكومية ومصادر أخرى. وخلص التحليل إلى وجود أنماط واسعة ومنهجية من التعذيب وسوء المعاملة والعنف الجنسي والإخفاء القسري في أكثر من مئة مرفق احتجاز تابع للحكومة. وهذا التقرير ليس حكمًا قضائيًا نهائيًا، لكنه يقدم قاعدة توثيقية وتحليلية مهمة لجهود المساءلة، ويعزز الأدلة على أن الانتهاكات لم تكن مجرد حوادث فردية معزولة.
وفي كانون الأول/ديسمبر 2024، انهار حكم بشار الأسد بعد تقدم فصائل الثورة وسقوط دمشق، منهياً أكثر من خمسة عقود من حكم حزب البعث في سوريا. وفي 29 كانون الثاني/يناير 2025 أعلنت القيادة الانتقالية الجديدة حل حزب البعث والمؤسسات الأمنية التابعة للنظام السابق، وتعليق العمل بدستور 2012، ضمن ترتيبات المرحلة الانتقالية.
غير أن سقوط النظام لم يكن، بطبيعة الحال، نهاية تلقائية لكل أثر للبعث أو تسوية فورية لملفات الحرب والانتهاكات؛ إذ بقيت قضايا المساءلة والعدالة الانتقالية وإعادة بناء مؤسسات الدولة من أعقد ملفات سوريا الجديدة.
البعث والنصيرية في عهد نظام الأسد
بشار الأسد مثل أبيه، كان انتماؤه إلى الطائفة النصيرية جزءًا من هويته الشخصية، لكنه تولّى الحكم بوصفه رأس النظام البعثي الأسدي، لا بوصفه قائدًا لمشروع ديني نصيري. وهذه نقطة مهمة في قراءة التجربة؛ لأن البعث في أصوله السياسية قدّم نفسه بوصفه مشروعًا قوميًّا علمانيًّا يتجاوز الانتماءات الطائفية، إلا أن سجل ممارسة السلطة في سورية كشف عن تداخل الأيديولوجيا الحزبية مع شبكات الولاء العائلية والأمنية والطائفية. وقد وثقت الدراسات التاريخية أن صعود البعث إلى الحكم منذ 1963 ترافق مع صعود ضباط من خلفيات ريفية وأقلياتية، ثم عزز حافظ الأسد بعد 1970 شبكة سلطة ارتكزت بصورة ملحوظة على أبناء طائفته النصيرية وأقاربه، مع إبقاء النظام على مؤسسات البعث وشعاراته القومية والاشتراكية.
ومن هنا لا يصح اختزال المأساة السورية في «حكم طائفة» فحسب؛ فهذا يحجب جانبًا أساسيًا من الحقيقة، وهو أن القمع كان صادرًا عن منظومة سلطة بعثية أمنية استخدمت الحزب والدولة والجيش وأجهزة الاستخبارات لإحكام السيطرة على المجتمع. وفي الوقت نفسه، لا يصح تجاهل البعد الطائفي العميق في بنية السلطة وشبكات الثقة والتعيين والحماية، ولا سيما حين أصبحت بعض المواقع الأمنية والعسكرية الحساسة مرتبطة بدرجة كبيرة بشبكات عائلية وطائفية موالية للنظام. وقد أشارت الدراسات إلى أن الطائفية والولاءات المناطقية والحزبية تداخلت في السياسة العسكرية السورية، بدل أن تكون ظاهرة منفصلة عن مشروع الدولة البعثية.
وهنا تظهر المفارقة: حزب رفع شعار تجاوز الطوائف تحت راية القومية، انتهى في الممارسة إلى نظام استخدم الولاءات الطائفية والعائلية والأمنية إلى جانب الأيديولوجيا البعثية في تثبيت السلطة. ولذلك فإن نقد التجربة ينبغي أن يوجَّه إلى منظومة الاستبداد بكل تفاصيلها: حين يحتكر الحزب الدولة، وتحتكر السلطة الحزب، ثم تتشابك السلطة مع العائلة والأمن وشبكات الولاء، يصبح الانتماء السياسي والطائفي معًا جزءًا من آلية حماية الحكم، ويصبح الشعب هو الخاسر الأكبر.
العراق: صعود الحزب إلى حكم صدام وحروب الدولة

وصل حزب البعث إلى الحكم في العراق لفترة قصيرة عام 1963، ثم عاد إلى السلطة بانقلاب 17 تموز/يوليو 1968. وسرعان ما أعاد البعثيون ترتيب موازين القوة داخل الدولة والجيش، وأُنشئ مجلس قيادة الثورة بوصفه مركزًا أساسيًا للسلطة، فيما توسع نفوذ الحزب داخل مؤسسات الدولة والمنظمات المهنية والشعبية. وصعد صدام حسين، الذي كان نائبًا للرئيس أحمد حسن البكر، تدريجيًا حتى أصبح مركز السلطة الفعلي، ثم تولى الرئاسة عام 1979. ومع الوقت تراجعت استقلالية مؤسسات الدولة، وأصبح الحزب والأجهزة الأمنية أدوات رئيسية للسيطرة السياسية وتصفية الخصوم.
وشهد العراق خلال السبعينيات توسعًا كبيرًا في الإنفاق العام، وساعد تأميم النفط وارتفاع عائداته على تمويل التعليم والصحة والتصنيع ومشروعات البنية التحتية وتقوية الجيش العراقي. ولا يصح محو هذه التحولات من السرد لمجرد أن النظام كان استبداديًا. غير أن هذا التحديث كان من أعلى إلى أسفل، وفي ظل غياب الرقابة المستقلة وتداول السلطة. ومع ترسخ حكم صدام، أصبح الانتماء إلى الحزب والأجهزة وشبكات الولاء مصدرًا مهمًا للوصول إلى الوظائف والامتيازات والحماية، ثم ازداد تركّز السلطة حول الرئيس وأسرته وأجهزته الأمنية، حتى غلب الطابع الشخصاني على مؤسسات الجمهورية.

وفي 22 أيلول/سبتمبر 1980 غزا العراق إيران، فاندلعت حرب استمرت ثماني سنوات حتى وقف إطلاق النار عام 1988. وكانت وراء الحرب عوامل حدودية وسياسية، من بينها النزاع على شط العرب، والتوتر بين البلدين بعد الثورة الإيرانية عام 1979، واعتقاد القيادة العراقية بأن الاضطراب الداخلي في إيران أتاح فرصة عسكرية. لكن هذه الظروف تفسر السياق ولا تبرر قرار الغزو، الذي فتح حربًا مدمرة لم تنتهِ إلا بعد سنوات طويلة من الاستنزاف وسقوط أعداد هائلة من الضحايا.

وفي المرحلة الأخيرة من الحرب، شن النظام العراقي حملة الأنفال ضد مناطق كردية بين شباط/فبراير وأيلول/سبتمبر 1988. واستنادًا إلى وثائق عراقية وشهادات ناجين، وثقت هيومن رايتس ووتش عمليات إعدام جماعي وإخفاء قسري وهجمات بالأسلحة الكيميائية وتدمير قرى وتهجيرًا واسعًا للسكان. وقدرت المنظمة عدد القتلى في حملات الأنفال بنحو 50 ألفًا إلى 100 ألف، وخلصت إلى أن ما وقع يرقى إلى جريمة إبادة جماعية. ويظل هذا الرقم تقديرًا، لا حصيلة نهائية متفقًا عليها.

وفي آذار/مارس 1988 وقعت هجمات بالأسلحة الكيميائية على حلبجة، قُتل فيها آلاف المدنيين. وقدرت دراسة لهيومن رايتس ووتش عدد القتلى في الهجوم على المدينة بما بين 3,200 و5,000 شخص. وأكدت تقارير أن بعض الفصائل الكردية كان لها تعاون عسكري مع إيران أثناء الحرب، لكن العقاب البعثي جاء جماعيا.

وبعد انتهاء الحرب مع إيران، خرج العراق مثقلًا بالديون والأعباء الاقتصادية. وفي 2 آب/أغسطس 1990 غزا الكويت، ثم أعلن ضمها. وكانت الخلافات الحدودية والنفطية والمالية جزءًا من خلفية الأزمة، لكن احتلال دولة مجاورة أو ضم أراضيها كان له الثمن المثخن للنظام العراقي. فقد أعقب الغزو حصار دولي وحرب قادها تحالف دولي بقيادة أمريكية، أخرج القوات العراقية من الكويت عام 1991. وفي أعقاب الحرب، قمع النظام انتفاضات واسعة في جنوب العراق وشماله، كما واصل حملاته الأمنية ضد معارضيه وخصومه.
وانتهى حكم حزب البعث في بغداد مع الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وسقوط نظام صدام حسين. ثم حظر الدستور العراقي لعام 2005 «البعث الصدامي ورموزه». واعتقل صدام حسين وانتهى أمره بالإعدام.
لكن سقوط النظام واجتثاث البعث وقتل صدام حسين لا يفسر كل ما حدث بعد 2003. فقد تداخل الاحتلال وتفكيك أجزاء من مؤسسات الدولة، والصراع على السلطة، والانقسامات الطائفية والقومية، وظهور جماعات مسلحة، والتدخلات الإقليمية والدولية، في إنتاج موجات متعاقبة من التدافع والفوضى.
ما ميّز البعث، وما جناه على المنطقة

تميّز البعث بقدرته على تعبئة قطاعات واسعة من المجتمع حول شعارات الوحدة العربية والاستقلال والعدالة الاجتماعية، وبناء تنظيم حزبي امتد إلى الجيش والمدرسة والإدارة، وإنشاء دول مركزية قادرة على حشد الموارد وتوسيع التعليم والخدمات. وفي مراحل معينة، أسهم ذلك في فتح أبواب الترقي الاجتماعي أمام أبناء الريف والطبقات التي كانت أقل حضورًا في مراكز النفوذ التقليدية. لكن القوة التي مكّنت الدولة من التعبئة والتنمية كانت هي نفسها قابلة للتحول إلى أداة للمراقبة والإخضاع؛ فلم تعد المدرسة والمنظمة الشبابية والوظيفة العامة مؤسسات محايدة دائمًا، بل تداخلت، بدرجات مختلفة، مع بنية الولاء للحزب والدولة والقائد.
أما المفارقة الكبرى في مشروع البعث، فتظهر في أثره داخل الإقليم نفسه. فحزب رفع شعار الوحدة العربية انتهى إلى فرعين متخاصمين في دمشق وبغداد، لكل منهما دولة وأجهزة ومصالح سلطوية؛ فلم يُلغِ الانقسام بين الدول العربية، بل جعل الحزب الواحد جزءًا من الصراع بين نظامين متنافسين. وفي العراق، قاد قرار غزو إيران إلى حرب استمرت ثماني سنوات، ثم قاد قرار غزو الكويت إلى حرب أخرى وحصار وعزلة دولية امتدت آثارها سنوات. وفي سوريا، أدى إغلاق المجال السياسي والاعتماد الواسع على القمع في مواجهة احتجاجات 2011 إلى تحول البلاد إلى حرب مدمرة، خلّفت قتلى ونازحين ولاجئين، وفتحت المجال أمام تدخلات إقليمية ودولية واسعة.
ولا يصح، مع ذلك، اختزال هذه الكوارث كلها في البعث وحده؛ فقد تشابكت معها عوامل دولية وإقليمية واقتصادية وطائفية وقومية، وتعددت الأطراف المتورطة في النزاعات. لكن ذلك لا يلغي مسؤولية خيارات الحكم: فقد كان احتكار السلطة، وإضعاف المؤسسات المستقلة، وتقديم الولاء الحزبي على الشرعي، واستخدام القوة الواسعة في مواجهة الخصوم، من العوامل المركزية التي أسهمت في إشعال أزمات كبرى أو إطالة أمدها.
الشعار الذي أعاد ترتيب المرجعيات
لم يكن شعار البعث مجرد كلمات سياسية تُرفع في المناسبات، بل كان تعبيرًا عن تصور كامل للإنسان والأمة والسلطة. فقد رفع الحزب شعار: «أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة»، وجعل مبادئه: «وحدة، حرية، اشتراكية». ومن هنا بدأ الخلل: إذ انتقلت القومية العربية من كونها رابطة لغوية وتاريخية بين شعوب عربية إلى إطار أيديولوجي يُعرِّف الأمة ويحدد غايتها ومشروعها السياسي.
فبدل أن تكون المرجعية العليا للإنسان المسلم هي الوحي، وأن تكون رابطة الإسلام هي الرابطة الجامعة التي لا تلغي اختلاف الشعوب والأعراق والأوطان، أصبح الانتماء القومي أساسًا لمشروع سياسي شامل، وأُعيد تقديم الإسلام ضمن التصور القومي للأمة. ولم تعد الدولة مجرد وسيلة لإقامة مصالح الناس وحفظ حقوقهم، بل غدت أداة لتحقيق مشروع الحزب الذي ادعى تمثيل الأمة.
وكانت العبارة الأخطر عمليًا هي اقتران «الوحدة» و«الحرية» و«الاشتراكية» بمشروع الحزب نفسه؛ إذ صار الحزب في التطبيق حاملًا وحيدًا لمشروع الأمة، ثم تحولت فكرة تمثيل الأمة إلى احتكار للسلطة، وتحول شعار الحرية إلى سلطة لا تقبل المنافسة ولا المحاسبة. وهكذا نشأ التناقض بين الشعار والممارسة: حزب يتحدث باسم الأمة، ثم ينتهي إلى إخضاع الأمة للحزب؛ ويتحدث عن الحرية، ثم يبني نظامًا لا يسمح بمخاطبة السلطة؛ ويتحدث عن الوحدة، ثم ينتهي إلى صراع وانقسام حتى داخل الحركة البعثية نفسها.
وهذا هو أحد أخطر دروس تجربة البعث: أن الشعار الكبير لا يمنح الفكرة حقًا في احتكار الإنسان، وأن الحديث عن الأمة والوحدة والنهضة لا يعصم المشروع السياسي من الانحراف إذا اختلت مرجعيته، وغاب عنه التوازن بين حق الأمة وحق الفرد، وبين السلطة والمحاسبة.
أخطر ما تكشفه التجربة البعثية
ولعل أخطر ما تكشفه التجربة البعثية ليس ما كُتب في نصوص الحزب وحدها، وإنما ما انتهت إليه اللغة السياسية في ظل الاستبداد؛ إذ ظهرت عبارات تتجاوز مجرد تمجيد الحزب أو القائد إلى مزاحمة المعاني الدينية نفسها. ففي سياق أحداث حماة سنة 1982، وُثِّق على أحد الجدران شعار: «لا إله إلا الوطن ولا رسول إلا البعث»؛ وهي عبارة تكشف، بصورتها الصادمة، إلى أي مدى أمكن أن ينقلب الولاء السياسي إلى تصور يجعل الوطن والحزب في مقام المرجعية المطلقة.
ثم، في عهد بشار الأسد، شاع بين مؤيدي النظام شعار: «الله، سورية، بشار وبس»، ووُثّق ترديده في مظاهرات مؤيدة للنظام في السنوات الأولى للثورة السورية. ورغم أن العبارة لا تساوي في ظاهرها بين الله والحاكم، فإن اقتران اسم الحاكم باسم الوطن في شعار ولاء مطلق، ثم اختزال سورية في شخصه، يكشف تحوّل الدولة في الوعي السياسي للنظام وأنصاره من كيان عام يتجاوز الأشخاص إلى كيان يُختصر في الحاكم. ولذلك لم يكن مصادفة أن يأتي الرد الثوري على الشعار نفسه: «الله، سورية، حرية وبس»؛ في استبدال اسم الشخص بمطلب الحرية، واستعادة فكرة أن سورية ليست ملكًا لحاكم ولا حزب.
وفي الواقع كشفت الشهادات الموثقة لجرائم نظام الأسد عن تعذيب المعتقلين وإجبارهم على الركوع والسجود لصورة بشار الأسد وتسميته بالرب والإله، في مشهد يكشف إلى أي حد وصل الطغيان في حقبة النظام البعثي الإجرامي.
وهنا تظهر إحدى أخطر نتائج الاستبداد: حين يحتكر الحزب تمثيل الأمة، ثم يحتكر الحاكم تمثيل الحزب والدولة، يصبح الاعتراض على الحاكم وكأنه اعتراض على الحق نفسه؛ فيُخوَّن المعارض، وتُقدَّس صورة القائد، ويغدو بقاء النظام مرادفًا لبقاء الدولة. وهكذا لا يعود الشعار مجرد كلمات تُرددها الجماهير، بل يصبح أداة لإعادة تشكيل الوعي: الوطن هو النظام، والنظام هو القائد، ومن عارض القائد عارض الوطن وعارض الحق. وهذه هي اللحظة التي يبلغ فيها الانحراف السياسي ذروته؛ إذ تتحول الدولة من مؤسسة لخدمة المجتمع بما يأمر به الله، إلى كيان يُطلب من المجتمع أن يخدم بقاءه كعبيد له، فيكون طاغوتا يعبد من دون الله عز وجل.
التقييم الشرعي: نقد الأعمال والأفكار البعثية
حزب البعث العربي الاشتراكي حزب قومي علماني، يعتقد أن الرابطة القومية هي الرابطة الوحيدة التي ينصهر في بوتقتها جميع العصبيات المذهبية والطائفية والقبلية، ولذلك قال شاعرهم والعياذ بالله:
آمنت بالبعث رباً لا شريك له … وبالعروبة ديناً ما له ثان
ويكرس الحزب سياسته التربوية لخلق جيل عربي قومي يؤمن برسالة الحزب ويكفر بكل ما عداه، حتى قال الملحد إبراهيم خلاص فيلسوف الحزب في العراق: الطريق الوحيد لتشييد حضارة العرب وبناء المجتمع العربي هو خلق الإنسان الاشتراكي العربي الجديد الذي يؤمن بأن الله والأديان والإقطاع ورأس المال وكل القيم التي سادت المجتمع السابق ليست إلا دُمَى محنطة في متاحف التاريخ.
ومن المنظور الشرعي، فإن أصل الإشكال في الفكر البعثي لا يقتصر على أخطاء سياسية ارتكبها قادته، ولا على الاستبداد الذي انتهت إليه تجربته، بل يعود إلى المرجعية التي بُني عليها المشروع نفسه. فقد جعل البعث القومية العربية محورًا جامعًا، ورفع شعار «أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة»، وربط مشروعه بمبادئ الوحدة والحرية والاشتراكية؛ فصار الانتماء القومي إطارًا سياسيًا يتسع للمسلم وغير المسلم على أساس العروبة، بينما لا تكون العقيدة الإسلامية هي الأساس الذي تنتظم حوله الجماعة السياسية. وهذا يختلف جذريًا عن التصور الإسلامي للأمة؛ فالله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، ويقول: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، ويقول النبي ﷺ: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ» حين نُودي بدعوى العصبية.
ولا يعني هذا أن الإسلام يلغي الأوطان أو ينكر خصوصية العرب، بل إن العروبة لغة وثقافة ونسب وانتماء تاريخي لا حرج في محبتها، وإنما الإشكال حين تتحول القومية إلى رابطة عليا تُقدَّم على رابطة الإيمان، أو إلى أيديولوجية سياسية يُطلب منها أن تقوم مقام المرجعية التي جاء بها الوحي. فالعربي والعجمي سواء في أصل التكليف والكرامة الإنسانية، وإنما التفاضل بالتقوى، وأشرف العرب أنفسهم لم يرتفعوا بعروبتهم، وإنما ارتفعوا بالإسلام. ولهذا كان سلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي رضي الله عنهم من أئمة الهدى، وكان أبو لهب وأبو جهل وعقبة بن أبي معيط من العرب، ولم تنفعهم عروبتهم حين عارضوا الحق.
والأخطر من ذلك أن فصل الدين عن المجال العام يجعل الشريعة في مرتبة الشأن الفردي، بدل أن تكون وحيًا مرجعًا في الاعتقاد والعبادة والأخلاق والمعاملات والعدل والسياسة وسائر شؤون الحياة. وقد وصفت دراسات تاريخ الدولة السورية البعثية كيف أفضت الثورة البعثية منذ الستينيات إلى إقصاء العلماء الذين عُدّوا «رجعيين» عن جهاز الدولة، ثم إلى إدارة المجال الديني تحت رقابة أمنية قوية تبطش. وهذا هو موضع النقد الشرعي الجوهري: فالإسلام لا يعرف أن يكون مجرد طقوس شخصية معزولة عن هداية المجتمع والدولة، كما لا يملك حزب أو زعيم أن يجعل نفسه مصدرًا للتشريع من دون الله؛ قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾.
ثم إن الاشتراكية، حين تتحول من بعض السياسات الاقتصادية القابلة للنقاش إلى عقيدة تفسر الملكية والمال والمجتمع تفسيرًا يناقض أحكام الشريعة، تصطدم كذلك بأصل قرره الإسلام: إثبات الملكية الخاصة، وإقرار التفاوت في الأرزاق، مع تحريم الظلم والاحتكار وأكل أموال الناس بالباطل، وفرض الزكاة والحقوق المالية والتكافل. فليس العدل الإسلامي أن تُلغى الملكية لمجرد وجود تفاوت، ولا أن يُترك الغني يظلم الفقير؛ وإنما العدل أن تُضبط الملكية بأحكام الله، ويُؤخذ من المال حقه، ويُمنع الظلم والاعتداء.
ومن هنا يتبين أن الخلل لم يكن في أن البعث دعا إلى وحدة العرب أو مقاومة الاحتلال أو تحقيق العدالة الاجتماعية؛ فهذه مقاصد قد يتفق الناس على بعضها من حيث الأصل، وإنما الخلل في تحويلها إلى منظومة أيديولوجية تنافس الإسلام بل تحاربه، في تعريف الأمة وتحديد مرجعيتها وغاياتها. وقد بيّنت الدراسات التاريخية أن فكر ميشيل عفلق المؤسس للبعث – النصراني بالأصل – تشكل داخل سياقات القومية العربية والفلسفات الأوروبية الحديثة، وأن البعث لم يكن مجرد مشروع إداري، بل حركة أيديولوجية ذات تصور خاص للأمة والتاريخ والمجتمع.
ولهذا فالمشكلة الشرعية الأعمق ليست أن البعث قال: «نريد وحدة العرب»، وإنما أنه جعل العروبة إطارًا جامعًا يتقدم على رابطة الإسلام، والحزب أداةً لتمثيل الأمة، والأيديولوجيا مرجعيةً لتنظيم المجتمع. وهنا ينشأ الخلل في ترتيب الولاءات والمرجعيات: يصبح الانتماء إلى الحزب معيارًا سياسيًا للانتماء، وتصبح مخالفة مشروعه خروجًا على «الأمة»، ثم يمكن أن تتحول الدولة نفسها إلى أداة لحماية الحزب ومشروعه. وعندما يُضاف إلى ذلك احتكار السلطة والبطش بالمخالفين، تتحول الفكرة من شعار عن الوحدة والنهضة إلى منظومة تجعل الإنسان تابعًا للمشروع بدل أن يكون المشروع خادمًا للإنسان والحق والعدل.
والإسلام، في المقابل، لا يجعل قوميةً ولا حزبًا ولا وطنًا معبودًا من دون الله؛ بل يجعل الأصل الذي تجتمع عليه القلوب التوحيد والحق والعدل، ويجعل اختلاف الألسن والألوان والشعوب آية من آيات الله، لا مبررًا لتحويل القومية إلى دين سياسي. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. فالعربي يُحب عروبته، والسوري يُحب بلده، والعراقي يُحب أرضه، لكن لا شيء من ذلك يعلو على التوحيد، ولا يجوز أن يتحول الانتماء إلى عصبية تُقدَّم على الحق، أو إلى أيديولوجية تُنازع الإسلام مرجعيته.
أما قتل المدنيين، والتعذيب، والإخفاء القسري، والتهجير القسري، ونهب الأموال، والعدوان على الناس بغير حق، فليست مجرد خلافات سياسية أو اجتهادات حزبية؛ بل هي أفعال محرمة تناقض أصل العدل وحرمة الدماء والأموال. قال تعالى: ﴿ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [ البقرة: 205] وقال تعالى في شأن قتل النفس بغير حق: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]. وقال عز وجل ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [ النساء: 93]
وقال سبحانه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [ النحل: 90]
وعلى هذا الأساس، فإن توثيق جرائم أنظمة البعث وإدانتها لا يتوقف على هوية الضحايا أو الجناة؛ فالعدل في الإسلام لا يتجزأ، والحق لا يُعرف بالقومية ولا بالطائفة ولا بالتحالف السياسي وإنما بما أقره الوحي.
وبالجملة فحزب البعث حزب يقوم على محادّة الله ورسوله والمؤمنين فيكون الانتماء إليه والحال هذه انتماء إلى حزب الشيطان وانضواء تحت رايته وصيرورة الشخص جندياً من جنوده، وهذا مما تعلم حرمته بالضرورة من دين الإسلام.
الأخطاء الكبرى ومآلات التجربة
كان من أكبر أخطاء البعث الخلط بين وحدة الأمة ووحدة الحزب؛ فبدل أن يكون الحزب مشروعًا سياسيًا قابلًا للمنافسة والمحاسبة، تحول في التجربة العملية إلى سلطة تدّعي تمثيل المجتمع، ثم أنشأ حولها من الأجهزة والمؤسسات ما حدّ من إمكان مساءلتها أو تداول السلطة.
وثانيها أن شعارات الحرية والاشتراكية والوحدة لم تُترجم إلى مؤسسات سياسية مستقلة تضمن المشاركة وتداول الحكم، بل غلب على التجربة تركيز السلطة والتعيين من أعلى وتوسّع الأجهزة الأمنية. وثالثها أن خطاب المساواة لم يمنع نشوء امتيازات مرتبطة بشبكات الولاء السياسي والأمني، ولا حال دون وقوع تمييز وانتهاكات طالت جماعات وفئات مختلفة بحسب البلد والمرحلة.
ورابعها أن القومية التي رفعت شعار تجاوز التجزئة العربية لم تمنع التنافس بين الدول، بل انتهت إلى وجود نظامين بعثيين متخاصمين في بغداد ودمشق، لكل منهما حساباته ومصالحه وأجهزته. وفي العراق، اتخذ هذا التنافس في عهد صدام صورة حروب مكلفة غيّرت موقع البلاد وأثقلت مجتمعها لعقود.
وخامسها أن الاعتماد على القمع بدل معالجة أسباب المعارضة لم يُنهِ المظالم، بل راكمها. وحين غابت المحاكم الشرعية العادلة، تحولت عملية انتزاع الحقوق إلى تمرد مسلح وانتقام، ثم ظهر أثر تفكك مؤسسات الدولة بصورة أكثر قسوة بعد سقوط الأنظمة. وليس معنى ذلك أن كل ما وقع لاحقًا كان نتيجة مباشرة للبعث وحده؛ فالعوامل الداخلية والإقليمية والدولية تداخلت بقوة، لكن الاستبداد والظلم والطغيان أضعف قدرة المجتمع والدولة على إدارة الخلافات دون الانفجار.
وتكشف نهاية التجربتين مفارقة المشروع بوضوح: سقط حكم البعث في العراق عام 2003، وحظر الدستور العراقي لعام 2005 «البعث الصدامي ورموزه»؛ ثم انهار حكم بشار الأسد في سوريا في كانون الأول/ديسمبر 2024، وأُعلن حل حزب البعث والمؤسسات المرتبطة بالنظام السابق في كانون الثاني/يناير 2025. غير أن زوال الحزب عن السلطة لم يمحُ آثار عقود من الحكم الأمني، ولا تبعات الحروب، ولا مصير المفقودين والمهجرين والضحايا.
ولذلك فإن العبرة الأهم من التجربة ليست مجرد سقوط حزب أو صعود حزب آخر، بل ضرورة بناء دولة لا تحتكرها جماعة، ومؤسسات لا تُختزل في شخص الحاكم، وقانون لا يتغير بحسب هوية الخصم، ومحاسبة فردية تقوم على الدليل وحكم الشريعة، وضمان حقوق المظلومين. فالمجتمع الذي يرفض استبدادًا ثم يعيد إنتاجه تحت شعار آخر لم يقطع مع الاستبداد؛ وإنما غيّر اسمه.
ما الذي خلّفه الفكر البعثي في الأمة؟
حين نختصر ما خلّفه الفكر البعثي في الوعي والمجتمع والدولة، فلا تكفي كلمة «الاستبداد» وحدها؛ فقد ترك وراءه جرأةً على الظلم حين يُرتكب باسم المصلحة العامة، وتطبيعًا مع الطغيان حين يُقدَّم باسم حماية الوطن، وتعظيمًا للحزب حين يُجعل فوق الشريعة، وتقديسًا للقائد حين يُختزل الوطن في شخصه، وتعصبًا قوميًّا حين تتحول العروبة من رابطة ثقافية إلى معيار للانتماء والولاء. وأنتجت هذه المنظومة ضعفًا في معنى المحاسبة، وخوفًا من مخالفة السلطة، واختلاطًا بين الدولة والحزب، حتى أصبح السكوت يُقدَّم بوصفه استقرارًا، والخضوع بوصفه وطنية، والمعارضة بوصفها خيانة.
ولم تكن الخسارة سياسية فحسب؛ بل أصابت شيئًا من الميزان الأخلاقي للأمة: حين يطول عمر الظلم، يتعلم الناس التعايش معه؛ وحين يصبح القمع سياسةً معتادة، تتراجع حساسية المجتمع تجاهه؛ وحين يُبرَّر انتهاك الحقوق بشعارات كبرى، يصبح الشعار قادرًا على ستر الجريمة بدل أن يكون الحق هو المعيار. وهنا تكمن خطورة الأفكار حين تتحول إلى أنظمة: لا يعود الظلم مجرد فعل يفعله ظالم، بل يصبح ثقافةً تتعلمها الأجيال، وآليةً تتوارثها المؤسسات، وخوفًا يسكن النفوس حتى بعد سقوط صاحبه.
وهكذا لم يكن أخطر ما خلّفته التجربة البعثية ما انهار من مؤسسات أو ما تبدل من حكومات، وإنما ما حاولت أن تزرعه في الإنسان: أن السلطة فوق المحاسبة، وأن الحزب فوق المجتمع، وأن الوطن يمكن اختزاله في النظام، وأن الغاية السياسية تستطيع أن تبرر الوسيلة، وأن القومية يمكن أن تكون بديلًا عن رابطة الإيمان والعدل. ومن هذه الموازين المختلة نشأ نموذجٌ يتعايش مع الذلة، ويعتاد ازدواجية الوجه والموقف، ويصبح مستعدًا لمقايضة مبادئه بلقمة عيش أو نصيب من فتات الدنيا.
وحين تفسد الموازين إلى هذا الحد، لا يعود الاستبداد بحاجة إلى إقناع الناس بأنه حق؛ يكفيه أن يقنعهم بأن مقاومته أشد خطرًا من الظلم نفسه. ولعل أخطر ما يدل على بقاء أثر تلك الحقبة أن تظل بعض النماذج التي تخرّجت منها أسيرة المنطق ذاته: تقدّم مصلحة الذات على المبدأ، وتبحث عن نصيبها من السلطة والمكاسب، بدل أن تتعلم من التجربة أن التحرر الحقيقي لا يكتمل بتغيير الوجوه والأنظمة، ما لم يصحبه تحرر من أخلاق الاستبداد نفسها، وعودة إلى ميزان الدين والعدل والأخلاق.
فالأخطر من حقبة البعث المظلمة أن تنتهي الحقبة، وتبقى مخلفاتها حيّة في العقول والأفكار وأنماط التفكير.
المراجع
[1] Baʿath Party، Encyclopaedia Britannica
[2] The Bourgeoisie and the Baath، Volker Perthes، MERIP
[3] The Ideology of Authority: 50 Years of Education in Syria، The Washington Institute
[4] The Hamah Massacre – February 1982، Sciences Po
[6] The Syrian Government Detention System as a Tool of Violent Repression، IIIM/الأمم المتحدة
[8] The Revolution of 1968، Encyclopaedia Britannica
[9] Genocide in Iraq: The Anfal Campaign Against the Kurds، Human Rights Watch/Middle East Watch
[10] Iran-Iraq War، Encyclopaedia Britannica
[11] The Gulf War, 1991، Office of the Historian، U.S. Department of State
[12] Constitution of Iraq (2005 ), Article 7، Constitute Project
[13] Syria’s Sharaa declared president for transition, consolidating his power، Reuters
[14] كتاب دروس الشيخ سعد البريك





اترك تعليقاً