بعد 109 أعوام على صدوره، لا يزال وعد بلفور أحد أبرز المحطات التي غيّرت تاريخ فلسطين؛ فمن تعهد بريطاني بإقامة وطن قومي لليهود، إلى انتداب مهّد لتوسع المشروع الصهيوني، ثم نكبة عام 1948 واحتلال ما تبقى من الأراضي الفلسطينية عام 1967، وصولًا إلى واقع الاستيطان والتهجير الذي يهدد ما تبقى من الجغرافيا الفلسطينية.
في الثاني من نوفمبر عام 1917، وبينما كانت الحرب العالمية الأولى تعيد رسم حدود المشرق العربي، أصدر وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور رسالة لم تتجاوز كلماتها الأساسية بضعة أسطر، لكنها تركت آثارًا امتدت لأكثر من قرن.
حملت الرسالة تعهدًا من الحكومة البريطانية بدعم إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، في وقت كانت فيه البلاد لا تزال خاضعة للحكم العثماني، ويشكل العرب الفلسطينيون الغالبية الساحقة من سكانها.
لم تكن بريطانيا حينها صاحبة سيادة على فلسطين، ولم تستشر أهل البلاد في تقرير مصيرهم؛ ومع ذلك تعهدت بتيسير مشروع سياسي سيغيّر مستقبل أرضهم وتركيبتها السكانية.
ومن هنا بدأت إحدى أكثر القضايا تعقيدًا في التاريخ الحديث، حين تحولت فلسطين من وطن يتطلع أهله إلى الاستقلال، إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح الاستعمارية والمشروع الصهيوني، قبل أن تصبح أرضًا يعيش شعبها بين الاحتلال واللجوء والتهجير.
ما وعد بلفور؟ ومن أصدره؟

وعد بلفور هو رسالة رسمية مؤرخة في 2 نوفمبر 1917، وجهها وزير الخارجية البريطاني آنذاك آرثر جيمس بلفور إلى اللورد ليونيل والتر روتشيلد، أحد أبرز الشخصيات اليهودية البريطانية الداعمة للحركة الصهيونية، طالبًا إبلاغ مضمونها إلى الاتحاد الصهيوني.
وجاء في أهم فقراتها:
«تنظر حكومة صاحب الجلالة بعين العطف إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل قصارى جهودها لتسهيل تحقيق هذا الهدف».
وتضمنت الرسالة قيدًا ينص على عدم الإضرار بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين، أو بالحقوق والوضع السياسي لليهود في البلدان الأخرى.
لكن اللافت في صياغة الوعد أنه اعترف بالمشروع القومي اليهودي، بينما لم يعترف بالفلسطينيين بوصفهم شعبًا له حق سياسي مماثل في تقرير المصير، بل أشار إليهم باعتبارهم «الطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين».
وهكذا ظهر التفاوت في جوهر الوثيقة: تعهد سياسي قومي لطرف، وضمانات مدنية ودينية فقط للسكان الذين كانوا يشكلون أغلبية البلاد.
لماذا أصدرت بريطانيا الوعد؟
صدر الوعد في سياق الحرب العالمية الأولى، حين كانت بريطانيا تخوض الحرب ضد الدولة العثمانية وتسعى إلى تعزيز نفوذها في الشرق الأوسط.
وتداخلت في القرار اعتبارات استراتيجية ودبلوماسية وأفكار سياسية ودينية سائدة لدى بعض المسؤولين البريطانيين، إلى جانب جهود الحركة الصهيونية التي سعت إلى الحصول على دعم قوة كبرى لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.
وكان حاييم وايزمان من أبرز الشخصيات الصهيونية التي عملت على كسب التأييد البريطاني للمشروع.
وفي ذلك الوقت، كانت بريطانيا قد دخلت أيضًا في تفاهمات ومراسلات أخرى بشأن مستقبل المشرق العربي، بينها مراسلات الحسين ومكماهون واتفاقية سايكس–بيكو، وهو ما جعل قضية فلسطين جزءًا من شبكة من الوعود والترتيبات المتعارضة بشأن أراضي الدولة العثمانية.
وقد رأت الحركة الصهيونية في تصريح بلفور إنجازًا دبلوماسيًا تاريخيًا، بينما اعتبره الفلسطينيون أساسًا لسياسة تجاهلت إرادتهم وحقهم في الاستقلال.
من رسالة سياسية إلى سياسة انتداب
لم يبق وعد بلفور تصريحًا دبلوماسيًا معزولًا.
فبعد احتلال القوات البريطانية القدس في ديسمبر 1917، وانتهاء الحرب العالمية الأولى، انتقلت فلسطين تدريجيًا إلى الإدارة البريطانية، قبل أن تعتمد عصبة الأمم صك الانتداب البريطاني عليها عام 1922.
وقد أُدرج مضمون وعد بلفور في وثيقة الانتداب، وأصبحت بريطانيا مكلفة بتيسير إنشاء الوطن القومي اليهودي، إلى جانب التزامات أخرى تتعلق بحقوق سكان البلاد.
وخلال سنوات الانتداب، توسعت الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ونمت المؤسسات السياسية والاقتصادية والعسكرية التابعة للحركة الصهيونية، واشتدت المنافسة على الأرض والموارد والسلطة.
وفي المقابل، تصاعدت المعارضة الفلسطينية للسياسات البريطانية وللهجرة والاستيطان، وشهدت البلاد احتجاجات وانتفاضات، أبرزها الثورة الفلسطينية الكبرى بين عامي 1936 و1939.
لقد تحول الوعد، الذي صدر قبل أن تسيطر بريطانيا على فلسطين، إلى أحد الأسس السياسية للإدارة التي حكمتها لاحقًا.
ومع مرور السنوات، اتسعت الفجوة بين تطلعات الفلسطينيين إلى الاستقلال وبين المشروع الذي كانت سلطات الانتداب تسهّل تطوره على أرضهم.
كيف تغيّرت خريطة فلسطين؟

تكشف الأرقام التاريخية حجم التحول الذي شهدته فلسطين خلال ثلاثة عقود أعقبت وعد بلفور.
فبحسب دراسة تاريخية صادرة عن الأمم المتحدة، كان اليهود يشكلون نحو 9% من سكان فلسطين عام 1917، وارتفعت نسبتهم إلى نحو 32% بحلول عام 1947، بفعل الهجرة واسعة النطاق، ولا سيما من أوروبا.
وفي الفترة نفسها، ارتفعت نسبة الأراضي التي كانت مملوكة لليهود من نحو 2.5% إلى نحو 6.2% من مساحة فلسطين.
لكن التحول الأكبر لم يقع في الملكية العقارية وحدها، بل في القرارات السياسية والحروب التي أعادت رسم حدود السيطرة على البلاد.
1947.. قرار التقسيم
في 29 نوفمبر 1947، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 181، الذي أوصى بتقسيم فلسطين إلى دولتين، عربية ويهودية، ووضع القدس تحت نظام دولي خاص.
وبموجب الخطة، خُصص نحو 56% من مساحة فلسطين للدولة اليهودية المقترحة، ونحو 43% للدولة العربية، بينما خُصصت القدس وما حولها لنظام دولي منفصل.
وكان اليهود يمثلون نحو ثلث السكان، ويمتلكون نحو 6.2% من الأراضي، وفق التقديرات الأممية التاريخية.
ورفض العرب الفلسطينيون والدول العربية خطة التقسيم، معتبرين أنها تمنح الحركة الصهيونية مساحة تتجاوز بكثير ما كانت تملكه، وتتجاهل حق غالبية سكان البلاد في تقرير مصيرهم.
أما القيادة الصهيونية فقبلت الخطة من حيث المبدأ، قبل أن تؤدي الحرب اللاحقة إلى نشوء حدود مختلفة تمامًا عن تلك التي اقترحها القرار.
1948.. النكبة وقيام كيان “إسرائيل”
مع تصاعد القتال في فلسطين وانتهاء الانتداب البريطاني في مايو 1948، أُعلن قيام دولة “إسرائيل”، واندلعت الحرب مع الدول العربية المجاورة.
وأسفرت الحرب عن سيطرة “إسرائيل” على نحو 77% من مساحة فلسطين الانتدابية، أي مساحة أكبر بكثير من تلك التي خصصها لها قرار التقسيم.
أما الشعب الفلسطيني، فقد واجه واحدة من أعظم مآسي تاريخه الحديث.
فقد فرّ مئات الآلاف من الفلسطينيين أو طُردوا من مدنهم وقراهم خلال الحرب، ودُمرت أو أُخليت تجمعات سكانية واسعة، وتحولت أعداد كبيرة من الأسر إلى لاجئين في الضفة الغربية وقطاع غزة والدول المجاورة.
وتشير وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» إلى أنها بدأت عملها عام 1950 لتقديم المساعدة إلى نحو 750 ألف لاجئ فلسطيني.
كانت هذه هي النكبة؛ فلم يقتصر أثرها على فقدان السيطرة السياسية على الأرض، بل امتد إلى اقتلاع السكان من بيوتهم، وتشتيت العائلات، وفقدان الممتلكات ومصادر الرزق.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت مفاتيح البيوت القديمة ووثائق الملكية وأسماء القرى المهجّرة جزءًا من ذاكرة الفلسطينيين، وشاهدًا على قضية لم تُحسم حتى اليوم.
1967.. احتلال ما تبقى من فلسطين
بعد حرب 1948، بقيت الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، تحت الإدارة الأردنية، وقطاع غزة تحت الإدارة المصرية.
لكن حرب يونيو 1967 غيّرت هذا الواقع، إذ احتلت “إسرائيل” الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، إلى جانب أراضٍ عربية أخرى.
وبذلك أصبحت جميع أراضي فلسطين الانتدابية السابقة تحت السيطرة الإسرائيلية، وإن اختلف وضع المناطق قانونيًا وإداريًا.
ومنذ ذلك التاريخ، بدأت مرحلة جديدة من الاحتلال العسكري والاستيطان في الضفة الغربية والقدس الشرقية.
وفي الوقت الذي اعترف فيه المجتمع الدولي بحق الفلسطينيين في تقرير المصير، استمر النزاع بشأن الأرض والحدود والسيادة وحق العودة.
من فلسطين التاريخية إلى أراضٍ مجزأة
عند النظر إلى الخرائط المتعاقبة لفلسطين، يظهر تحول عميق في السيطرة على الأرض.
ففلسطين التي كانت وحدة جغرافية واحدة خلال الحكم العثماني والانتداب البريطاني، أصبحت بعد عام 1948 مقسمة بين إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة.
ثم جاء احتلال عام 1967 ليضع ما تبقى من الأراضي الفلسطينية تحت السيطرة الإسرائيلية، قبل أن تزيد المستوطنات والطرق والحواجز والجدار الفاصل من تفتيت الجغرافيا الفلسطينية.
ومع اتفاق أوسلو الثاني عام 1995، قُسمت الضفة الغربية إلى مناطق إدارية عُرفت باسم «أ» و«ب» و«ج».
وبقيت المنطقة «ج»، التي تشكل أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية، تحت السيطرة الإسرائيلية شبه الكاملة، بما يشمل التخطيط والبناء والأمن.
وفي المقابل، تركزت صلاحيات السلطة الفلسطينية المحدودة في مناطق متفرقة من الضفة الغربية، مع استمرار القيود الإسرائيلية على الحركة والتنقل.
وقد وصفت تقارير الأمم المتحدة هذا الواقع بأنه حوّل أجزاء من الضفة الغربية إلى جزر منفصلة، تقطع أوصالها المستوطنات والحواجز والطرق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية.
وهنا لا يعود تقلص الخريطة مجرد تحول في الألوان والحدود، بل يصبح واقعًا يمس حياة الفلسطينيين اليومية: أرض يصعب الوصول إليها، وبيت مهدد بالهدم، ومزارع معزولة عن أرضه، وقرى تفصل بينها حواجز وإجراءات أمنية.
ومن المهم التمييز بين مساحة الأرض الفلسطينية المحتلة قانونيًا، ومساحة الأراضي التي تمارس عليها السلطة الفلسطينية صلاحيات فعلية؛ فبقاء الأرض تحت الاحتلال لا يعني سقوط الحقوق الفلسطينية فيها أو انتقال سيادتها القانونية إلى إسرائيل.
الاستيطان.. تغيير الجغرافيا وفرض الوقائع
أصبح الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس الشرقية أحد أبرز العوامل التي تعوق قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.
فإقامة المستوطنات وتوسيعها، وشق الطرق المرتبطة بها، وفرض القيود على البناء الفلسطيني، كلها إجراءات تؤثر في توزيع السكان واستعمال الأراضي والوصول إلى الموارد.
ولا يقتصر أثر هذه السياسات على المناطق المقامة عليها المستوطنات، بل يمتد إلى التجمعات الفلسطينية المحيطة بها، وإلى قدرتها على التوسع العمراني والاقتصادي.
وفي 19 يوليو 2024، أصدرت محكمة العدل الدولية رأيًا استشاريًا خلصت فيه إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وأن على إسرائيل إنهاء هذا الوجود بأسرع ما يمكن.
وأكدت المحكمة أن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية أُنشئت وتُحافظ عليها بالمخالفة للقانون الدولي، وأن سياسات الضم وتفتيت الأرض تعرقل ممارسة الفلسطينيين حقهم في تقرير المصير.
ويمثل ذلك اعترافًا قضائيًا دوليًا بأن القضية لا تتعلق بخلاف على الحدود وحدها، بل بحق شعب في أرضه وحريته وسيادته ومستقبله.
وعد بلفور بعد 109 أعوام.. ما الذي بقي من التعهد البريطاني؟
لم يكن وعد بلفور وحده سبب جميع ما شهدته فلسطين لاحقًا؛ فقد أسهمت الحروب والقرارات الدولية والسياسات الاستعمارية وتطورات الحركة الصهيونية والصراع العربي الإسرائيلي في تشكيل مسار الأحداث.
لكنه كان محطة تأسيسية بالغة الأهمية؛ إذ منح المشروع الصهيوني دعم قوة دولية كبرى، قبل أن يتحول ذلك الدعم إلى التزام سياسي ضمن نظام الانتداب البريطاني.
والمفارقة أن الوثيقة التي تضمنت تعهدًا بعدم المساس بالحقوق المدنية والدينية لسكان فلسطين غير اليهود، ارتبط مسارها التاريخي بواقع شهد اقتلاع مئات الآلاف من الفلسطينيين، وفقدانهم بيوتهم وأراضيهم، واستمرار الاحتلال والنزوح والنزاع على حقوقهم الوطنية.
وفي المقابل، تنظر إسرائيل وأنصار الصهيونية إلى وعد بلفور باعتباره محطة تاريخية في تحقيق المشروع القومي اليهودي، وهو اختلاف جوهري في قراءة الحدث ومعناه وتداعياته.
أما بالنسبة للفلسطينيين، فقد ظل الوعد رمزًا لمرحلة بدأت فيها قوة استعمارية باتخاذ قرارات بشأن وطنهم دون موافقتهم، ثم انتهت تلك المرحلة بتقسيم البلاد ونكبة شعبها.
وبعد أكثر من قرن، لا تزال آثار هذه الحقبة حاضرة في حياة أجيال من الفلسطينيين؛ من اللاجئين الذين ينتظرون حلًا عادلًا لقضيتهم، إلى سكان القدس والضفة الغربية الذين يواجهون الاستيطان والقيود على الأرض، وأهالي قطاع غزة الذين عانوا الحروب والدمار والنزوح المتكرر.
لقد بدأت الحكاية بتعهد سياسي كُتب في لندن، ثم مرت بانتداب وتقسيم وحرب وتهجير واحتلال. وبين رسالة بلفور وخريطة فلسطين اليوم، تقف أجيال كاملة فقدت بيوتها أو حُرمت من العودة إليها، فيما لا يزال حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته موضع مطالبة دولية لم تتحقق على الأرض.
وبذلك فإن ذكرى وعد بلفور ليست مجرد استعادة لوثيقة مضى عليها 109 أعوام؛ بل مناسبة لفهم كيف يمكن لقرار سياسي تتخذه قوة خارجية بشأن شعب لم يُستشر، أن يترك آثارًا تمتد قرنًا كاملًا، وأن تتحول مسألة الأرض من حدود مرسومة على الخرائط إلى حياة بشر وحقوق وأوطان.
لقد مضى على بلفور.. 109 أعوام .. وكان ولا يزال وعد مَن لا يملك لِمَن لا يستحق.
المصادر: النص الأصلي لوعد بلفور (1917)، الأمم المتحدة – تاريخ قضية فلسطين، قرار الجمعية العامة رقم 181 (1947)، وكالة الأونروا، مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بالأمم المتحدة (أوتشا)، والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية (19 يوليو 2024).







