لم يتوقف توظيف الهجوم المسلح الذي استهدف نصارى داخل كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك الأردنية عند تداول أخبار الحادث وملاحقة منفذيها، بل انتقل سريعًا إلى منصات التواصل والإعلام الدولي، حيث تحولت الواقعة إلى مادة لتأجيج العداء للمسلمين والمهاجرين، عبر محتوى تجاوز حدود الأردن ووصل إلى أكثر من عشر لغات.
خلال أربعة أيام فقط، تجاوز التفاعل الرقمي المرتبط بالهجوم 10.6 ملايين تفاعل، وسُجل أكثر من 268 ألف مادة رقمية، شاركت في تداولها أكثر من 113 ألف حساب، وفق تقرير أصدره معهد السياسة والمجتمع الأردني في 28 أكتوبرالماضي.
وفي قلب هذا المشهد، ظهر حضور لافت لحسابات تحدد موقعها في "إسرائيل" ، إلى جانب حسابات يمينية متطرفة في الولايات المتحدة وأوروبا أعادت صياغة الأخبار الأولى عن الحادثة، وحولت وصف منفذي الهجوم من «مسلحين» أو «مجهولين» إلى «مسلمين».
وتكشف نتائج التقرير، الذي أعدته الباحثة رند عزم، كيف انتقلت الجريمة من سياقها الأردني إلى ساحة دولية متنازعة، اختلط فيها خطاب التضامن مع الضحايا برسائل التحريض الديني والمواقف السياسية والروايات التي استغلت الحادثة في صراعات لا ترتبط مباشرة بمسرح الجريمة.
وقع الحادث.. ثم بدأت معركة الروايات
وقع الحادث ظهر الجمعة 23 أكتوبر الماضي، عندما أطلق ثلاثة مسلحين النار على المشاركين في مراسم جنازة داخل كنيسة القديس جاورجيوس في قرية حمود بمحافظة الكرك جنوبي الأردن.
وأسفر الهجوم عن مقتل تسعة أشخاص وإصابة 34 آخرين، قبل أن تتمكن الأجهزة الأمنية الأردنية، بعد عمليات بحث وملاحقة استمرت ثلاثة أيام، من تحديد مكان المشتبه بهم في منزل مهجور بقرية الجديدة، والقبض عليهم في 26 أكتوبر، عقب اشتباك مسلح.
وأعلنت السلطات الأردنية أن المقبوض عليهم ثلاثة أردنيين تربطهم صلات قرابة ومصاهرة، وأنهم تبنوا "أفكارًا تكفيرية متطرفة". وقال مدير الأمن العام إن الهجوم لم يكن مخططًا له مسبقًا، وإن المنفذين تصرفوا بصورة مفاجئة.
وفي تصريحاته الأولى، أكد وزير الداخلية الأردني عدم وجود مؤشرات على ارتباط المنفذين بجهات خارجية، بينما استمر التحقيق في خلفياتهم واتصالاتهم ومصادر الأسلحة التي استخدموها.
لكن الرواية التي بدأت تتشكل داخل الأردن لم تنتقل بالسرعة نفسها إلى المنصات الأجنبية، حيث انتشرت في الساعات الأولى روايات غير موثقة تربط الهجوم بتنظيم الدولة، قبل اكتمال المعلومات الرسمية بشأن هوية المهاجمين.
300 منشور في الساعة تحولت إلى 10 آلاف
أظهرت بيانات معهد السياسة والمجتمع أن حجم التداول المرتبط بأحداث الكرك قفز بصورة حادة خلال الساعات الأولى، فبعد أن كان معدل النشر في حدود 300 منشور في الساعة، ارتفع إلى نحو 9 آلاف منشور خلال ثلاث إلى أربع ساعات، ثم اقترب من 10 آلاف منشور في الساعة عند ذروة الاهتمام.
وسجل التقرير أكثر من 268 ألف مادة رقمية، وتجاوز عدد الحسابات المشاركة 113 ألف حساب، فيما بلغت التفاعلات أكثر من 10.6 ملايين، ولم تتوزع هذه التفاعلات بالتساوي على مدار الأيام الأربعة، حيث تركز نحو ثلث إجمالي التفاعل خلال الساعات العشر الأولى، عندما كانت المعلومات الرسمية لا تزال محدودة، وكانت التكهنات والروايات غير المكتملة تتنافس على تشكيل الانطباع الأول عن الجريمة.
ويرصد التقرير أربع موجات رئيسية للتفاعل: لحظة الهجوم، ثم ارتفاع حصيلة القتلى، ثم التشييع الرسمي والشعبي، وأخيرًا القبض على المتهمين وإعلان هوياتهم.
وكانت الموجة الأولى هي الأكبر، لأنها سبقت اكتمال المعلومات الرسمية، ووفرت مساحة واسعة لانتشار روايات لم تكن قد خضعت للتحقق.
عندما اختفت كلمة «مسلحين» وحلّت محلها «مسلمون»
من أبرز مظاهر توظيف الحادثة تغيير الصياغة التي استخدمتها بعض الحسابات اليمينية عند إعادة نشر الأخبار. فقد نشرت مؤسسات إعلامية عناوين أولية وصفت منفذي الهجوم بأنهم «مسلحون» أو «مجهولون»، وهي أوصاف تتعلق بحالة التحقيق والمعلومات المتاحة وقت النشر، لكن حسابات أميركية وأوروبية أعادت تقديم تلك العناوين بصياغات تنسب إطلاق النار إلى المسلمين عمومًا.
ورصد التقرير هجوم حسابات يمينية أميركية على عنوان لشبكة «إيه بي سي» بسبب استخدامه وصف «مسلحين» بدلًا من «مسلمين»، كما أعادت حسابات أخرى صياغة عنوان صحيفة «فيلت» الألمانية ليصبح بمعنى «مسلمون يفتحون النار».
ورصد التقرير أيضًا استخدام تعبيرات مثل «الإرهاب الإسلامي» و«العنف الإسلامي» و«المجزرة» في بعض المنشورات، مع تقديم الهجوم باعتباره دليلًا على خطر إسلامي عام، بدل التعامل معه باعتباره جريمة ارتكبها أشخاص محددون.
"إسرائيل" في قلب المحتوى الإسباني
من أكثر النتائج إثارة للانتباه في التقرير ما يتعلق باللغة الإسبانية، فقد أظهرت عملية الرصد أن نحو 38% من التفاعل الإسباني الذي أمكن ربطه بمواقع حسابات محددة جاء من حسابات تعرّف موقعها بأنه "إسرائيل"، في حين امتد النشاط إلى حسابات من دول أميركا اللاتينية.
ويشير التقرير إلى أن المحتوى الإسباني اتخذ في جانب منه منحى أيديولوجيًا أكثر وضوحًا، إذ أعاد تقديم الهجوم بوصفه جزءًا من مواجهة بين المسلمين والمسيحيين، وربطه بخطاب عن «الإسلاموية» والخطر على المجتمعات الغربية.
وبحسب البيانات المنشورة، بلغ حجم النتائج المرتبطة بالحسابات التي حددت موقعها في "إسرائيل" نحو 6.2 آلاف نتيجة ضمن الرصد الإسباني، مقابل نحو 310 نتائج فقط باللغة العبرية، كما رصد التقرير استخدام موقع أرجنتيني تعبير «الإرهاب الإسلامي» في وصف الحادثة، وهو ما ينسجم مع اتجاه بعض المنشورات إلى تحويل الاعتداء إلى مادة في خطاب أوسع ضد المسلمين.
شبكة إنجيلية وموقع أرجنتيني يروّجان خطابًا دينيًا
لم يقتصر توظيف الحادثة على حسابات التواصل الفردية، فقد أشار تقرير المعهد إلى أن شبكة «CBN» الأميركية، وهي شبكة إعلامية مسيحية إنجيلية، نشرت الخبر ضمن قسم «إسرائيل»، بينما استخدم موقع أرجنتيني وصف «الإرهاب الإسلامي«.
كما نقلت «Vatican News» عن السفير البابوي في الأردن أن الهجوم كان أول اعتداء من نوعه في تاريخ البلاد يستهدف جماعة نصرانية تحديدًا، وفق التصريح الذي أورده التقرير.
وتبرز هذه الأمثلة اختلاف طريقة تقديم الواقعة بين المؤسسات الإعلامية، فبعضها وضعها في إطار الاعتداء على الأردن ومواطنيه، وبعضها ركز على هوية النصارى المقتولين، بينما استخدمت منصات أخرى الحادثة لترويج خطاب يصور المسلمين باعتبارهم خطرًا جماعيًا على المسيحيين.
وفي المقابل، ظهرت في التفاعل التركي روايات تتهم "إسرائيل" والموساد بتدبير الهجوم، وتربطه بمحاولة إلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام.
آلاف المنشورات ربطت الهجوم بتنظيم الدولة قبل ظهور المعلومات الرسمية
كشف توزيع المحتوى بحسب اللغة عن فجوة كبيرة في طريقة تداول المعلومات، ففي المحتوى الإنجليزي، ربط نحو 4400 منشور الهجوم بتنظيم الدولة، واستحوذت المنشورات التي تطرح هذا الربط على قرابة 71% من إجمالي المنشورات التي نسبت الهجوم إلى التنظيم عبر اللغات المرصودة.
وفي المقابل، لم يرصد التقرير سوى 53 منشورًا باللغة الإنجليزية نقلت تصريح وزير الداخلية الأردني في 26 أكتوبر الماضي ، الذي أفاد بعدم وجود مؤشرات على ارتباط المنفذين بجهات خارجية، أما باللغة العربية، فنقل 126 منشورًا التصريح نفسه، مقابل منشورين فقط بالإسبانية.
وتوضح هذه الفجوة أن الروايات الأولى انتشرت خارج الأردن قبل وصول التفاصيل الرسمية إلى الجمهور الأجنبي بالقدر نفسه، وأن بعض المنصات ظلت تتداول اتهامات تنظيم الدولة حتى بعد بدء ظهور معلومات أكثر تحديدًا بشأن هوية المشتبه بهم.
وفي هذا السياق، كان المحتوى العربي أقرب إلى تقديم الواقعة باعتبارها اعتداءً على الأردن ومواطنيه، بينما غلب على جانب من المحتوى الإنجليزي والإسباني ربط الجريمة بالإسلام أو تنظيم الدولة.
من رواية الاعتداء على الأردن إلى التوظيف في صراعات خارجية
شهدت القضية تطورًا جديدًا بعد إعلان القوات المسلحة الأردنية تنفيذ ضربات جوية في جنوب سوريا، استهدفت مواقع قالت إنها مرتبطة بتنظيمات إرهابية لها صلة بالهجوم.
وأفاد التقرير بأن هذا التحول غيّر محور النقاش من السؤال عن هوية منفذي الهجوم إلى سؤال آخر يتعلق بكيفية رد الأردن. وفي الوقت نفسه، تحدثت الحكومة السورية عن سقوط ضحايا مدنيين، بينهم نساء وأطفال، وأكدت أن الضربات الأردنية نُفذت دون تنسيق مسبق مع دمشق.
وأدى هذا التطور إلى إدخال الحادثة في سياق إقليمي أوسع، فتح الباب أمام منشورات تربطها بصراعات المنطقة، أو تستخدمها لتوجيه اتهامات سياسية ودينية متبادلة.







