كشف تحليل عسكري جديد لمنظمة «ACLED»، المتخصصة في رصد النزاعات المسلحة، عن تحول لافت في طبيعة العمليات الجوية الأردنية داخل سوريا، بعدما انتقلت من ضربات محدودة استهدفت مواقع التهريب قرب الحدود، إلى هجمات طالت مناطق أعمق في محافظتي درعا والسويداء، وأسفرت عن مقتل مدنيين بينهم أطفال، في تطور أثار أزمة دبلوماسية بين عمّان ودمشق وطرح تساؤلات بشأن مستقبل التعاون الأمني بين البلدين.
وأوضح التحليل، الذي نشرته المنظمة يوم الثلاثاء 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أن الضربات التي نفذتها القوات الأردنية يوم 26 أكتوبر تمثل تغييرًا غير مسبوق في نطاق العمليات الأردنية داخل الأراضي السورية منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024.
وجاءت الغارات عقب هجوم مسلح استهدف كنيسة للروم الأرثوذكس في محافظة الكرك الأردنية يوم 23 أكتوبر، وأسفر عن مقتل تسعة أشخاص وإصابة آخرين، فيما قالت السلطات الأردنية إن الضربات استهدفت مجموعات مرتبطة بالمشتبه بتورطهم في الهجوم.
19 ضربة سابقة تركزت على مواقع التهريب
بحسب قاعدة بيانات «ACLED»، نفذ سلاح الجو الأردني 19 ضربة داخل سوريا بين سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 وأكتوبر 2026، تركزت جميعها في محافظة السويداء.
وسجلت المنظمة 16 ضربة من أصل 19 في منطقة صلخد القريبة من الحدود الأردنية، وكانت تستهدف مستودعات ومواقع مرتبطة بعمليات التهريب، دون تسجيل وفيات ناجمة عنها في البيانات التي استند إليها التحليل.
لكن الغارات الأخيرة اختلفت من حيث طبيعة الأهداف وامتدادها الجغرافي؛ إذ شملت مواقع في محافظة درعا، للمرة الأولى منذ مارس 2024 وفق المنظمة، ووصلت إلى مناطق أبعد عن الحدود، بينها اللجاة والشهيب.
وقال معاذ العبد الله، مدير أبحاث الشرق الأوسط ومحلل الشأن السوري في «ACLED»، إن الضربات تشير إلى انتقال عمّان من عمليات محدودة مرتبطة بمكافحة التهريب إلى هجمات انتقامية أوسع، جاءت هذه المرة مصحوبة بسقوط ضحايا مدنيين.
ويعكس هذا التحول، وفق التحليل، اتساع نطاق التهديدات التي ترى الأردن ضرورة التعامل معها عسكريًا داخل الأراضي السورية، بدل حصر العمليات في مراقبة الحدود واستهداف مسارات تهريب المخدرات والأسلحة.
سبعة قتلى مدنيين.. والأردن يتحدث عن عناصر من تنظيم الدولة
أعلنت السلطات الأردنية أن غارات 26 أكتوبر استهدفت مواقع لمجموعات مسلحة مرتبطة بمنفذي هجوم كنيسة الكرك، وقالت لاحقًا إنها أسفرت عن مقتل أكثر من 20 عنصرًا من تنظيم الدولة الإسلامية.
وفي المقابل، أفاد الدفاع المدني السوري بمقتل سبعة أشخاص في الهجمات التي استهدفت مواقع بمحافظتي درعا والسويداء، بينهم خمسة من أسرة واحدة، من ضمنهم ثلاثة أطفال وامرأة.
ووفق الرواية السورية، تعرضت الأسرة للقصف داخل مسكن مؤقت في ريف درعا، فيما شملت الضربات مواقع سكنية أخرى، وأدت إلى سقوط ضحايا إضافيين.
وأقر الأردن بسقوط مدنيين خلال العمليات، معربًا عن أسفه لذلك، لكنه أكد أن الهجمات استندت إلى معلومات استخباراتية تتعلق بتهديدات أمنية وعمليات قال إنها كانت وشيكة ضد المملكة.
ولا تتوفر أدلة مستقلة كافية لتأكيد جميع المزاعم الأردنية بشأن هوية الأشخاص الذين استهدفتهم الغارات أو عدد المقاتلين الذين قُتلوا فيها.
تضارب التصريحات يثير تساؤلات بشأن مبررات العملية
لفت تحليل «ACLED» إلى تناقض بين تصريحات مسؤولين أردنيين صدرت قبل تنفيذ الغارات وبعدها.
فبينما ربط الجيش الأردني الأشخاص المستهدفين في سوريا بالمشتبه بتنفيذهم هجوم الكرك، كان وزير الداخلية الأردني قد أعلن، قبل ذلك بساعات، أن التحقيقات لم تكشف ارتباط المشتبه بهم بخلايا أخرى.
كما قال مدير الأمن العام الأردني إن الاعتداء على الكنيسة لم يكن مخططًا له مسبقًا، وفق ما أورده التحليل.
ويرى الباحث أن هذه التصريحات المتباينة تثير تساؤلات بشأن طبيعة العلاقة بين المشتبه بهم والمجموعات التي استهدفتها الغارات داخل سوريا.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة الأردنية أن العملية كانت تستهدف تحييد تهديدات لأمنها، وأن المعلومات الميدانية التي استندت إليها بررت التدخل العسكري.
دمشق تنفي التنسيق وتغلق معبر نصيب
امتدت تداعيات الضربات إلى العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية بين البلدين، بعدما أعلنت السلطات السورية أن الغارات نُفذت دون تنسيق أو إخطار مسبق، خلافًا للرواية الأردنية التي أكدت وجود تنسيق مع دمشق.
وأعربت الخارجية السورية عن اعتراضها على العملية، مشددة على أهمية احترام السيادة السورية والتعاون الأمني بين البلدين.
وعقب الغارات، أغلقت السلطات السورية معبر نصيب الحدودي، ما أدى إلى تعليق حركة المسافرين والشاحنات التجارية بين البلدين بصورة مؤقتة.
ويكتسب المعبر أهمية اقتصادية كبيرة بوصفه أحد المنافذ البرية الرئيسية التي تربط سوريا بالأردن، ويخدم حركة التجارة والنقل بين البلدين.
لكن الأزمة شهدت تحركًا دبلوماسيًا سريعًا؛ إذ اتفق وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ونظيره الأردني أيمن الصفدي على تشكيل لجنة أمنية مشتركة لدراسة تفاصيل العملية وتداعياتها، وتعزيز التنسيق الميداني والاستخباراتي.
كما استؤنفت حركة المسافرين والبضائع عبر معبر نصيب يوم 28 أكتوبر، بعد توقف مؤقت.
هل يتعرض التعاون الأمني بين البلدين للاهتزاز؟
تنبع أهمية التطور الأخير، بحسب «ACLED»، من أن الأردن لا يمثل مجرد دولة مجاورة لسوريا، بل يعد طرفًا أساسيًا في الترتيبات الأمنية المتعلقة بالجنوب السوري.
فقد شاركت عمّان في خريطة الطريق الخاصة بمحافظة السويداء، التي تسعى من خلالها سوريا والأردن والولايات المتحدة إلى استعادة الاستقرار في المحافظة، كما استضاف الأردن محادثات سورية إسرائيلية في أغسطس الماضي.
ويرى معاذ العبد الله أن تكرار الضربات دون تنسيق واضح قد يضعف التعاون الأمني الذي تشكل خلال العامين الماضيين.
وتزداد حساسية هذه التطورات في ظل استمرار التوغلات الإسرائيلية في جنوب سوريا، والتوترات المحلية في درعا والسويداء، وهي عوامل تجعل أي تصعيد إضافي على الحدود أكثر تعقيدًا.
ويضع سقوط المدنيين الحكومة السورية أمام ضغوط داخلية للمطالبة بالمحاسبة وتوضيح ملابسات ما جرى، في الوقت الذي تسعى فيه دمشق إلى الحفاظ على التعاون الأمني مع عمّان.
تحول عسكري قد يعيد رسم قواعد التعامل الحدودي
يشير التحليل إلى أن الضربات الأخيرة لم تكن مجرد امتداد جغرافي للعمليات الأردنية السابقة، بل اتسمت باختلاف واضح في طبيعة الأهداف المعلنة، بعدما انتقلت من استهداف مواقع التهريب إلى ملاحقة مجموعات تقول عمّان إنها تشكل تهديدًا أمنيًا مباشرًا.
وإذا تكرر هذا النمط، فقد تصبح العمليات الجوية الأردنية داخل سوريا أداة أوسع للتعامل مع المخاطر الأمنية، وهو ما يثير تحديات تتعلق بالسيادة السورية وحماية المدنيين والتنسيق بين البلدين.
وتخلص قراءة «ACLED» إلى أن مستقبل التعاون الأمني بين عمّان ودمشق سيتوقف، بدرجة مهمة، على قدرة الطرفين على ضبط قواعد العمليات عبر الحدود، وتفادي تكرار الضربات التي تؤدي إلى سقوط ضحايا مدنيين أو تثير خلافات بشأن التنسيق المسبق.
ومع تشكيل اللجنة الأمنية المشتركة وإعادة فتح معبر نصيب، تبدو هناك محاولة لاحتواء تداعيات الأزمة، لكن الأسئلة المتعلقة بطبيعة الأهداف التي قصفت، والضحايا المدنيين، وحدود التدخل العسكري الأردني داخل سوريا، لا تزال بحاجة إلى تحقيق واضح وشفاف.
المصدر: تحليل «ACLED» المنشور في 27 أكتوبر 2026، مع تحديثات رويترز وأسوشيتد برس بشأن حصيلة الضحايا واللجنة الأمنية وإعادة فتح الحدود.





