حذر معهد الدراسات الأمنية الإفريقي «ISS» من تزايد قدرة الجماعات الجهادية على تنفيذ هجمات منسقة وعابرة للمناطق في دول الساحل الإفريقي، خصوصًا مالي والنيجر وبوركينا فاسو، مشيرًا إلى أن التعاون بين جماعات مسلحة ذات توجهات مختلفة، واستهداف المنشآت الاستراتيجية وطرق التجارة، بات يهدد سلطة الحكومات ويزيد مخاطر امتداد الاضطرابات إلى دول غرب إفريقيا.
وجاء التحذير في تحليل بعنوان «ما بعد التضامن.. أمن الساحل يحتاج إلى استراتيجية إقليمية ودعم فعلي»، أعاد المعهد إدراجه ضمن العدد 188 من تقرير مجلس السلم والأمن الإفريقي، الصادر في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بعدما نُشر التحليل للمرة الأولى في 10 أغسطس الماضي.
وأكد المعهد أن البيانات الدبلوماسية وإعلانات التضامن مع الدول المتضررة لم تعد كافية لمواجهة التهديدات الأمنية المتصاعدة، وأن المنطقة تحتاج إلى تنسيق استخباراتي وعسكري أوسع، إلى جانب معالجة الانقسامات السياسية التي أضعفت آليات التعاون الإقليمي.
تحالف غير مسبوق يغيّر موازين القتال في مالي
سلط التقرير الضوء على التطور الذي شهدته مالي خلال عام 2026، مع ظهور تنسيق عسكري بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين «JNIM»، المرتبطة بتنظيم القاعدة، وجبهة تحرير أزواد «FLA»، وهي حركة انفصالية تنشط أساسًا في شمال البلاد.
ففي 25 أبريل، شنت الجماعتان هجمات منسقة على مواقع عسكرية ومدن متعددة في شمال مالي ووسطها وجنوبها، في عملية وصفها المعهد بأنها الأوسع من نوعها منذ اندلاع الأزمة الأمنية في البلاد عام 2012.
وأسفرت تلك الهجمات عن مقتل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا في هجوم استهدف مقر إقامته بمدينة كاتي قرب العاصمة باماكو، إلى جانب خسارة القوات الحكومية مواقع مهمة في شمال البلاد.
وفي 4 يوليو، كرر المقاتلون هذا النمط من العمليات بهجمات متزامنة طالت ست مناطق، وتمكنوا من السيطرة مؤقتًا على أجزاء من منطقة أنيفيس شمال البلاد.
وأفاد المعهد بأن القوات المالية وحلفاءها الروس من «الفيلق الإفريقي» اضطروا إلى التحصن داخل مواقعهم العسكرية، قبل أن يستعيدوا المنطقة بعد ستة أيام من القتال.
ويرى التقرير أن هذا التنسيق يمنح الجماعات المسلحة قدرة أكبر على تنفيذ عمليات في مناطق متباعدة؛ إذ تستفيد جبهة تحرير أزواد من معرفتها بالمناطق الشمالية وشبكاتها المحلية، بينما تمتلك جماعة نصرة الإسلام والمسلمين خبرة في حرب العصابات والهجمات غير التقليدية في وسط البلاد وغربها وجنوبها.
ورغم هذا التعاون الميداني، لا يعني ذلك تطابق أهداف الجماعتين السياسية أو الأيديولوجية.
استهداف طرق التجارة للضغط على الحكومات
يرصد المعهد تحولًا آخر في العمليات المسلحة يتمثل في استهداف الطرق والممرات الاقتصادية، وليس المواقع العسكرية وحدها.
فقد سعت جماعات جهادية إلى تعطيل الطرق المؤدية إلى العاصمة المالية باماكو، بما يؤثر في حركة الشاحنات التجارية وتدفق السلع والإمدادات.
ويشير التقرير إلى أن هذه العمليات توسع نطاق الضغط على الحكومات؛ لأن السيطرة على طريق استراتيجي أو تعطيله قد تنعكس على أسعار السلع وحركة التجارة والخدمات الأساسية، حتى دون السيطرة على مدينة كبيرة.
وفي دولة غير ساحلية مثل مالي، تعتمد على الممرات البرية التي تربطها بدول الجوار، تصبح سلامة طرق التجارة مسألة اقتصادية وأمنية بالغة الأهمية.
ويرى المعهد أن استهداف هذه الممرات يكشف عن سعي الجماعات الجهادية إلى توسيع تأثيرها خارج ساحات المواجهة المباشرة، وإضعاف قدرة السلطات على إدارة المناطق الواقعة تحت سيطرتها.
النيجر وبوركينا فاسو تواجهان هجمات أكثر تعقيدًا
لا يقتصر هذا النمط من العمليات على مالي؛ إذ تناول التقرير هجمات شهدتها النيجر وبوركينا فاسو خلال عام 2026.
ففي بوركينا فاسو، أعلن الجيش يوم 30 يونيو إحباط هجمات وصفها بأنها معقدة ومنسقة، استهدفت مواقع في شرق البلاد وشمالها.
أما في النيجر، فقد تعرض مطار ديوري حماني الدولي في العاصمة نيامي لمحاولتي هجوم منفصلتين؛ وقعت الأولى يوم 28 يناير وأعلن تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل مسؤوليته عنها، فيما وقعت الثانية يوم 18 يونيو وأعلنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تبنيها.
ووفق المعهد، فإن انتقال الجماعات الجهادية إلى تنفيذ هجمات متزامنة واستهداف المطارات والمنشآت الحيوية، مع استخدام المسيّرات التجارية وتقنيات قتالية أكثر تطورًا، يعكس تغيرًا في مستوى التهديد الذي تواجهه دول الساحل.
وحذر التقرير من أن استمرار الهجمات على المؤسسات العسكرية والمرافق الاستراتيجية قد يقوض ثقة السكان في قدرة حكوماتهم على توفير الأمن، ويزيد صعوبة استعادة السيطرة على المناطق التي تشهد نشاطًا مسلحًا.
خطر امتداد الاضطرابات إلى بنين وتوغو
تتجاوز المخاوف حدود الدول الثلاث المنضوية في تحالف دول الساحل، وهي مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
فقد رصد المعهد توسع نشاط الجماعات الجهادية باتجاه الدول الساحلية في غرب إفريقيا، خصوصًا المناطق الشمالية من بنين وتوغو.
وتثير هذه التحركات مخاوف من تحول النزاعات المحلية إلى تهديد إقليمي، بسبب ارتباط المناطق الحدودية بطرق التجارة وحركة السكان والشبكات الاقتصادية.
كما أن تعطيل الممرات التجارية بين دول الساحل والموانئ الواقعة على المحيط الأطلسي قد يمتد أثره إلى دول لا تشهد مواجهات عسكرية واسعة داخل أراضيها.
ويرى المعهد أن مواجهة هذا التحدي بصورة منفردة لم تعد كافية، خاصة عندما تتحرك الجماعات الجهادية عبر الحدود وتستفيد من ضعف التنسيق الأمني بين الدول.
الانقسامات السياسية تعرقل المواجهة المشتركة
من أبرز المشكلات التي تناولها التقرير تراجع فعالية أطر التعاون التقليدية، بالتزامن مع التحولات السياسية التي شهدتها دول الساحل خلال السنوات الأخيرة.
فقد أدى تأسيس تحالف دول الساحل والخلافات بين أعضائه وعدد من دول غرب إفريقيا إلى تعقيد العلاقات الإقليمية، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى تبادل المعلومات والتنسيق الميداني.
ويشير المعهد إلى أن الجزائر والسنغال وموريتانيا ودولًا أخرى أعلنت دعمها لمالي عقب هجمات أبريل، فيما أدان الاتحاد الإفريقي والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا «إيكواس» موجات العنف.
كما أعربت دول خارج القارة، بينها تركيا والسعودية، عن قلقها من التطورات وأكدت دعمها للسلطات المالية.
لكن الدراسة ترى أن هذه المواقف، رغم أهميتها السياسية، تحتاج إلى إجراءات عملية تضمن منع توسع الهجمات وتأمين المناطق الحدودية.
هل يستطيع الاتحاد الإفريقي إعادة بناء التعاون الأمني؟
يدعو المعهد إلى إعطاء الاتحاد الإفريقي دورًا أكبر في معالجة الخلافات وبناء قنوات تعاون بين دول الساحل وجيرانها.
ويقترح مسارين رئيسيين: الأول يتعلق بالتنسيق الاستخباراتي والعسكري للتعامل مع التهديدات العابرة للحدود، والثاني يتمثل في حوار سياسي يساعد على تجاوز الخلافات التي تعرقل التعاون الأمني.
ويرى التقرير أن العلاقات التي شهدت تحسنًا بين مالي والجزائر، وبين النيجر وبنين، قد تتيح فرصًا جديدة لإعادة فتح قنوات التنسيق.
كما يشير إلى إمكانية استفادة الاتحاد الإفريقي من بعثته الخاصة بمالي والساحل، التي تأسست عام 2013، من خلال تطوير صلاحياتها وقدراتها السياسية والمالية.
ويدعو أيضًا إلى بحث الاستفادة من قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2719، المتعلق بترتيبات تمويل عمليات دعم السلام الإفريقية، وإحياء آليات التعاون الإقليمي، ومنها «مسار نواكشوط» الذي أُطلق عام 2013 لمواجهة التهديدات الأمنية في الساحل والصحراء.
وتشمل المقترحات توسيع الحوار ليضم دولًا من غرب إفريقيا مثل غانا وتوغو وبنين، إلى جانب دول الساحل والدول المجاورة.
مستقبل الساحل يتجاوز الحسم العسكري
تكشف قراءة معهد الدراسات الأمنية الإفريقي أن التحدي الذي تواجهه دول الساحل لم يعد مقتصرًا على عدد الهجمات المسلحة، بل بات يتعلق بطبيعة الجماعات المنفذة وقدرتها على التنسيق، ومدى تأثيرها في حركة التجارة وسلطة الدولة وأمن الحدود.
فالهجمات المتزامنة على عدة مناطق، واستهداف المطارات والطرق الاقتصادية، وتعاون جماعات تختلف في أهدافها السياسية، كلها عوامل تزيد تعقيد المواجهة العسكرية والأمنية.
كما أن استمرار ضعف التنسيق بين الدول قد يسمح بانتقال الاضطرابات إلى مناطق جديدة، ويضاعف الأعباء الأمنية والاقتصادية على المجتمعات المحلية.
وتخلص الدراسة إلى أن منع الساحل من الوصول إلى مرحلة أشد خطورة يتطلب الانتقال من بيانات التضامن إلى تعاون إقليمي فعلي، يجمع بين التنسيق الأمني والحوار السياسي واستعادة القدرة على حماية السكان والمرافق الأساسية.
وفي ظل استمرار القتال في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، يبقى السؤال الأبرز هو ما إذا كانت دول المنطقة قادرة على بناء استجابة مشتركة في ظل استمرار خلافاتها، أم أن التهديدات المنتشرة في الساحل ستتحول إلى أزمة أمنية أوسع للمجتمع الدولي، تشمل أجزاء متزايدة من غرب إفريقيا.
المصدر: معهد الدراسات الأمنية الإفريقي «ISS»، التحليل الأصلي المنشور في 10 أغسطس 2026، والمدرج ضمن العدد 188 من تقرير مجلس السلم والأمن الإفريقي بتاريخ 26 أكتوبر.






