تلتفّ التشريعات العلمانية داخل الدول المسمّاة إسلامية على أحكام الشريعة الإسلامية حصراً، دون أن تمسّ أحكام الشرائع الدينية الأخرى—وعلى رأسها الطائفة اليهودية.
فالمغرب، الذي ينصّ دستوره على إسلامية الدولة، يُظهر واقعه اتجاهاً علمانياً؛ إذ ينطلق القائمون على التشريع تارةً من اعتبار الإسلام مجرد ممارسة فردية لا علاقة لها بالحكم، وتارةً أخرى كديانة يملكون الخيرة في انتقاء أحكامها، فيتخيّرون ما يوافق مخططاتهم، بينما يُبدّلون ما لا تستسيغه المنظومة التحديثية والاتفاقيات الدولية الموقّع عليها، وعلى رأسها اتفاقية "سيداو" (CEDAW).
وهذا التوجّهُ العَلمانيُّ وجَد في عباءة "الاجتهاد" مَطِيّتهُ ومُناه، مُستغلّاً إيّاه في غير ما شُرِعَ له. وهذا يظهر جليا في التعديلات المطروحة حول مدونة الأسرة في المغرب فيما يتعلق بأحكام الزواج، الطلاق، الحضانة، والإرث، التي تدل على أنها تتجاوز حدود "الاجتهاد المقاصدي" لتُشكّل في جوهرها إجحافاً صريحاً في حق الرجل المغربي المسلم، وتمنح أطرافاً حقوقاً لا أصل لها في الشرع.
فمثلا منح الأم الحاضنة لولاية موازية للولاية الشرعية الموكلة للأب بحيث تدير كامل شؤون الأبناء (السفر، الدراسة، التوثيق) دون حاجة لموافقة الأب أو إذن منه، وإبقاء حضانة الأطفال للأم المطلقة حتى بعد زواجها يحول الأب إلى مجرد "ممول خارجي" محروم من رعاية أبنائه التربوية.
هذا المنحى التعديلي المندفع يطرح سؤالاً مشروعاً وحارقاً: من أين يستمد المشرعون هذه الجرأة غير المسبوقة في تبديل أحكام قطعية الثبوت والدلالة، بينما يتورّعون بالكامل عن مجرد التفكير في المساس بالمدونة العبرية للمغاربة اليهود؟ أليست المرأة اليهودية—بمنطق التحديث الحقوقي المزعوم— أولى بهذه الالتفاتات الحقوقية والإنسانية المزعومة؟ أم أن احترام الخصوصية الدينية يصبح حيطاً قصيراً فقط عندما يتعلق الأمر بالشريعة الإسلامية؟
إن هذه الوضعية تجعل المجتمع يعيش صراعاً حاداً بين مكوناته، في استهدافٍ مباشر لنواة الأمة وهي الأسرة. فهذه القوانين كانت سبباً في ارتفاع حالات الطلاق، وتفاقم النزاعات، وتصاعد العزوف عن الزواج لدى الشباب، الذي بات يرى في عقد الزواج مجازفة بحريته واستقراره المالي.
إن رفع الظلم عن المرأة ما كان ولن يكون بإستحداث قوانين هاضمة لحق الرجل، ولا بالابتعاد عن الأحكام الشرعية؛ فما يقع اليوم هو تطبيق لأجندات خارجية تحت غطاء حقوق المرأة. تسلبُ الزواج مقصدَه وتضع أطرافه في حربٍ الرابحُ فيها خسران.
وبهذا، يصبح الاجتهادُ الصادرُ مِمَّن ليس له أهليّةٌ لَظَىً لا نَدَى، وإفساداً لا إصلاحاً؛ إذ يتحول صُنّاعه إلى بيادق في أيدي من لا يهمهم سوى تغريب المجتمع واجتثاث روح الإسلام منه، عبر إحلال قوانين بشرية قاصرة لا تصلح لبهيمة فما بالك بإنسان!







