تواجه الأوضاع الإنسانية والمعيشية في قطاع غزة خطرًا متزايدًا من التدهور، مع اضطرار برنامج الأغذية العالمي إلى تقليص مساعداته الغذائية نتيجة نقص التمويل، في وقت لا تزال فيه غالبية السكان تعاني من انعدام الأمن الغذائي وتراجع القدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية.
وأعلن برنامج الأغذية العالمي في 19 أكتوبر 2026 خفض عدد المستفيدين من مساعداته الشهرية في القطاع من نحو مليون و600 ألف شخص إلى مليون و100 ألف، ما يعني حرمان قرابة نصف مليون فلسطيني من المساعدات التي كانوا يعتمدون عليها. كما خُفضت الحصص الغذائية إلى النصف، وتراجعت الوجبات المطهية اليومية من 250 ألفًا إلى 150 ألف وجبة، وأصبحت بعض الأسر في المناطق صعبة الوصول تتلقى وجبة كل يومين بدلًا من يوميًا.
وتكشف بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي أن نحو 1.4 مليون فلسطيني، يمثلون قرابة 67% من سكان غزة، يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي تبلغ مرحلة الأزمة أو أسوأ، بينهم نحو 212 ألف شخص يعيشون في ظروف الطوارئ الغذائية. ورغم التحسن النسبي الذي تحقق بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 نتيجة زيادة المساعدات، فإن المؤسسات الدولية تؤكد أن هذه المكاسب لا تزال هشة وقابلة للانتكاس مع تراجع الإمدادات والتمويل.
ولا تقتصر الأزمة على نقص المساعدات، بل تتفاقم بفعل انهيار مصادر الدخل وتعطل النشاط الاقتصادي وارتفاع الأسعار. إذ تشير تقديرات برنامج الأغذية العالمي إلى تجاوز البطالة 80%، ما يجعل أعدادًا واسعة من السكان عاجزة عن شراء الغذاء حتى عندما يكون متاحًا في الأسواق. كما تتسبب القيود المفروضة على إدخال البضائع واضطراب سلاسل الإمداد وتكاليف النقل والتخزين في زيادة الضغوط على السوق والقدرة الشرائية للأسر.
وفي هذا السياق، تتصاعد الدعوات داخل القطاع إلى تشديد الرقابة على الأسواق، ومتابعة أسعار السلع الأساسية وتكاليفها منذ دخولها وحتى وصولها إلى المستهلك، لمنع الزيادات غير المبررة والممارسات الاحتكارية. غير أن الخبراء الاقتصاديين يشددون على ضرورة التمييز بين الارتفاعات التي تفرضها ظروف الحرب ونقص المعروض، وبين الممارسات التجارية التي تستوجب التحقيق، مؤكدين أن ارتفاع الأسعار وحده لا يثبت وقوع الاستغلال.
وتعكس شهادات الأسر الفلسطينية حجم الانهيار المعيشي؛ إذ باتت المساعدات الغذائية المصدر الأساسي لتأمين احتياجات العديد من العائلات، فيما أفادت أسر بانقطاع المساعدات عنها لشهور أو تراجع حصصها إلى مستويات لا تكفي لتلبية احتياجاتها اليومية، وسط عجز عن شراء الغذاء بسبب انعدام فرص العمل وتدهور الأوضاع الاقتصادية.
وتحذر المؤسسات الإنسانية من أن استمرار نقص التمويل وتقليص المساعدات قد يؤدي إلى تراجع سريع في مستويات الأمن الغذائي، خصوصًا مع حلول الشتاء وتفاقم معاناة النازحين. ويؤكد برنامج الأغذية العالمي أن استمرار عملياته يتطلب توفير التمويل وضمان الوصول الإنساني إلى السكان، داعيًا الجهات المانحة والمجتمع الدولي إلى دعم عملياته بصورة عاجلة.
وبذلك، لا يتمثل الخطر الراهن في مجرد نقص عابر للمواد الغذائية، بل في انهيار منظومة تأمين الغذاء لدى السكان، نتيجة اجتماع تقليص المساعدات، وانعدام الدخل، وارتفاع الأسعار، وتضرر الاقتصاد. وتشير المؤشرات إلى أن غزة تواجه خطرًا حقيقيًا من تفاقم الجوع وتجدد الظروف الشبيهة بالمجاعة، إذا استمر تراجع التمويل والإمدادات دون تدخل عاجل.






