يواجه غادي آيزنكوت، رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق والمرشح لتولي رئاسة حكومة الاحتلال المقبلة، اختبارًا سياسيًا جديدًا، بعد منحه 28 يومًا لتشكيل الحكومة، قابلة للتمديد 14 يومًا إضافيًا.

ويعيد صعود آيزنكوت المحتمل إلى رئاسة حكومة الاحتلال تسليط الضوء على سجله العسكري والسياسي، وما ارتبط به من عمليات عسكرية وانتهاكات بحق الشعبين الفلسطيني واللبناني، فضلًا عن دوره في إدارة العمليات العسكرية خلال العدوان على قطاع غزة.

ويُعد آيزنكوت أحد أبرز قادة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، إذ ارتبط اسمه بما يُعرف بـ”عقيدة الضاحية”، وتولى رئاسة أركان جيش الاحتلال خلال أحداث مسيرات العودة الكبرى في قطاع غزة عام 2018، كما شارك في مجلس الحرب الإسرائيلي الذي أدار الحرب على القطاع خلال عامي 2023 و2024.

من هو غادي آيزنكوت؟ السيرة العسكرية والسياسية

تدرج غادي آيزنكوت في المناصب العسكرية الإسرائيلية، حتى وصل إلى رئاسة الأركان الحادية والعشرين، قبل انتقاله إلى العمل السياسي والمشاركة في مجلس الحرب خلال العدوان على غزة.

أبرز المناصب العسكرية:

  • قائد الجبهة الشمالية في جيش الاحتلال الإسرائيلي (2006–2011).
  • رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي الحادي والعشرون (2015–2019).

المناصب السياسية:

  • وزير دون حقيبة وعضو مراقب في مجلس الحرب الإسرائيلي المصغر (أكتوبر 2023 – يونيو 2024).

ويضع هذا المسار العسكري والسياسي آيزنكوت ضمن أبرز الشخصيات التي تولت مسؤوليات قيادية في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، خلال مراحل شهدت عمليات واسعة في لبنان وفلسطين.

عقيدة الضاحية.. استراتيجية التدمير والعقاب الجماعي

يُعد غادي آيزنكوت أحد أبرز المرتبطين بما يُعرف بـ”عقيدة الضاحية”، وهي استراتيجية عسكرية ارتبطت بتصريحاته عام 2007، واستندت إلى نموذج التدمير الواسع الذي تعرضت له الضاحية الجنوبية لبيروت خلال حرب لبنان عام 2006.

اقرأ أيضًا: الحركة "الإبراهيمية" وفرعها السوري: قراءة في مشروع التطبيع

وتقوم هذه العقيدة على استخدام القوة المفرطة وغير المتناسبة، واستهداف البنى التحتية المدنية، وتدمير القرى والمناطق السكنية بالكامل، بهدف فرض الردع وتكبيد البيئة الحاضنة خسائر بشرية ومادية هائلة.

وتثير هذه الاستراتيجية انتقادات قانونية وحقوقية واسعة، باعتبار أن استهداف المدنيين والأعيان المدنية والتدمير الواسع الذي لا تبرره ضرورة عسكرية قد يشكل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني، ويرقى في ظروف معينة إلى جرائم حرب.

كما تحظر اتفاقية جنيف الرابعة استهداف الأشخاص المدنيين وممارسة العقاب الجماعي بحق السكان المحميين.

مسيرات العودة الكبرى في غزة 2018.. إطلاق النار على المتظاهرين الفلسطينيين

قاد آيزنكوت جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال فعاليات مسيرات العودة الكبرى التي انطلقت في قطاع غزة في 30 مارس 2018، وشهدت استخدام القوات الإسرائيلية الرصاص الحي والقوة المميتة ضد المتظاهرين الفلسطينيين على حدود القطاع.

اقرأ أيضًا: العمل في سبيل الله: أجر واحتساب وليس سمعة ورياء

ووجه القيادة العسكرية الإسرائيلية خلال تلك الأحداث إلى نشر مئات القناصة، وتفويضهم باستخدام الذخيرة الحية والمقذوفات المتفجرة ضد المتظاهرين.

الخسائر البشرية في تلك الفترة

  • مقتل نحو 215 إلى 270 فلسطينيًا، بينهم 47 طفلًا.
  • إصابة أكثر من 36,100 شخص، بينهم نحو 8,800 طفل.
  • إصابة أكثر من 8,000 فلسطيني بالذخيرة الحية.
  • تسجيل استهداف الأطراف في أكثر من 7,000 إصابة.

وقد وثقت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة انتهاكات خطيرة خلال هذه الأحداث، وخلصت إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن بعض الانتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.

البتر والإعاقات الدائمة.. آثار الاعتداءات على المتظاهرين

امتدت آثار الإصابات التي تعرض لها الفلسطينيون إلى إعاقات دائمة وتشوهات جسدية خطيرة، حيث انتهت 156 إصابة بالبتر، وفق الأرقام الواردة في البيانات المقدمة:

  • 126 حالة بتر للأطراف السفلية.
  • 30 حالة بتر للأطراف العلوية.
  • 94 حالة بتر على الأقل بسبب المضاعفات والالتهابات العظمية التي أعقبت الإصابة.

وتكشف هذه الأرقام حجم المعاناة الإنسانية التي خلفتها المواجهات، وما ترتب عليها من إصابات بالغة وإعاقات دائمة طالت الفلسطينيين، بمن فيهم الأطفال.

كما تطرح هذه الوقائع تساؤلات بشأن المسؤولية القيادية عن الأوامر العسكرية واستخدام القوة المميتة ضد المتظاهرين، خلال الفترة التي كان فيها آيزنكوت رئيسًا لأركان جيش الاحتلال.

دور آيزنكوت في حرب الإبادة على قطاع غزة 2023–2024

عاد آيزنكوت إلى دائرة القرار العسكري والسياسي الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر 2023، عندما أصبح عضوًا مراقبًا في مجلس الحرب الإسرائيلي المصغر، الذي أدار الشهور الثمانية الأولى من الحرب على قطاع غزة.

وشهدت تلك الفترة عمليات عسكرية واسعة النطاق، تسببت في دمار هائل وخسائر بشرية كبيرة، إلى جانب تدهور الأوضاع الإنسانية وانهيار أجزاء واسعة من البنية التحتية في القطاع.

وشملت السياسات والعمليات التي أثيرت بشأنها اتهامات حقوقية وقانونية:

  • فرض الحصار الخانق على قطاع غزة.
  • استخدام التجويع والحرمان من الاحتياجات الأساسية أداةً من أدوات الحرب.
  • استهداف المستشفيات والمنشآت التابعة للأمم المتحدة.
  • تدمير المربعات السكنية المكتظة بالسكان.
  • اعتماد عمليات عسكرية تسببت في كارثة إنسانية واسعة النطاق.

وتضع مشاركة آيزنكوت في مجلس الحرب اسمه ضمن الشخصيات العسكرية والسياسية التي تتناولها المطالبات الحقوقية المتعلقة بالمسؤولية عن قرارات الحرب والحصار والعمليات العسكرية في قطاع غزة.

مطالبات دولية بمحاسبة غادي آيزنكوت

امتدت المطالبات بمحاسبة آيزنكوت إلى المستوى الدولي، على خلفية دوره العسكري والسياسي في العمليات التي شهدها لبنان وقطاع غزة.

وفي يوليو 2024، أعلنت منظمات حقوقية، من بينها حركة 30 مارس، تقديم شكاوى إلى مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، مدعمة بالوثائق والأدلة، بشأن مسؤولية عدد من أعضاء مجلس الحرب الإسرائيلي عن جرائم مزعومة خلال الحرب على غزة.

وطالبت الشكاوى بإصدار مذكرات اعتقال بحق غادي آيزنكوت وعدد من أعضاء مجلس الحرب الإسرائيلي، على خلفية اتهامات بالتواطؤ والمشاركة في تصميم وتنفيذ جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة.

وتستهدف هذه المطالبات ملاحقة المسؤولين عن وضع السياسات العسكرية وإقرارها وتنفيذها، ومحاسبتهم على الانتهاكات المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني.

28 يومًا لتشكيل حكومة الاحتلال.. هل يصل آيزنكوت إلى رئاسة الوزراء؟

على الصعيد السياسي، يواجه آيزنكوت مهلة تبلغ 28 يومًا لتشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة، مع إمكانية تمديدها 14 يومًا إضافيًا، ليصل إجمالي المهلة إلى 42 يومًا.

وتتطلب هذه المهمة التوصل إلى تفاهمات مع الأحزاب والكتل البرلمانية، وتشكيل ائتلاف يمتلك الأغلبية اللازمة للحصول على ثقة الكنيست الإسرائيلي.

ويمثل هذا التكليف محطة جديدة في مسيرة آيزنكوت، الذي انتقل من قيادة المؤسسة العسكرية إلى العمل السياسي، في وقت تتزايد فيه الانتقادات الدولية للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وما خلفته من شهداء وجرحى ودمار واسع وأزمة إنسانية متفاقمة.

غادي آيزنكوت.. من تدمير الضاحية إلى الحرب على غزة

يمتد السجل العسكري والسياسي لغادي آيزنكوت من قيادة الجبهة الشمالية خلال مرحلة ما بعد حرب لبنان عام 2006، مرورًا بالتصريحات المرتبطة بعقيدة الضاحية، وصولًا إلى قيادة الجيش الإسرائيلي خلال مسيرات العودة الكبرى في غزة عام 2018، ثم مشاركته في مجلس الحرب خلال العدوان على القطاع في 2023 و2024.

وبينما يسعى اليوم إلى تولي رئاسة حكومة الاحتلال، تظل أدواره السابقة محل انتقادات ومطالبات حقوقية بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي شهدتها الأراضي الفلسطينية ولبنان.

إن حماية المدنيين، ووقف الاعتداءات، ومحاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، تمثل استحقاقات قانونية وإنسانية لا ينبغي أن تسقط بالتقادم أو بتغير المناصب السياسية والعسكرية.

ويبقى إنصاف الشعب الفلسطيني ووقف معاناته، وضمان عدم إفلات المسؤولين عن الانتهاكات من المحاسبة، من أبرز التحديات المطروحة أمام المجتمع الدولي والمؤسسات القضائية المختصة.