كشف تحقيق أجرته وحدة «مراقبون» التابعة لقناة فرانس 24، ونُشر يوم الجمعة 30 أكتوبر/تشرين الأول 2026، زيف اتهامات انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي تزعم أن مسلمين أشعلوا النار في خمس كنائس فرنسية خلال الاحتجاجات التي شهدتها البلاد يوم 17 أكتوبر، بعدما تبين أن الصور والمقاطع المستخدمة لترويج هذه الرواية تعود إلى حوادث قديمة أو مواقع لا علاقة لها بالكنائس.
وأظهر التحقيق أن الادعاءات انتشرت عبر حسابات معروفة بخطابها المناهض للمهاجرين والمسلمين، قبل أن تعيد حسابات أخرى تداولها باعتبارها دليلًا على استهداف المسلمين لدور العبادة المسيحية في فرنسا.
ولم يجد الصحفيون أي دليل موثوق يثبت إحراق المسلمين خمس كنائس خلال الاحتجاجات، فيما أكد مرصد التراث الديني الفرنسي تسجيل حريق واحد فقط في كنيسة خلال الفترة المعنية، دون التوصل إلى سبب وقوعه.
حاوية قمامة تتحول إلى «كنيسة مشتعلة»
من أبرز الأمثلة التي كشفها التحقيق مقطع فيديو نشره المذيع الأمريكي أليكس جونز على منصة «إكس» يوم 25 أكتوبر، زاعمًا أنه يوثق حريقًا في إحدى الكنائس الخمس التي اتهم مسلمين بإشعال النار فيها.
لكن فريق «مراقبون» تحقق من الموقع الجغرافي للفيديو، وتبين أنه يصور حاوية قمامة مشتعلة أمام مبنى سكني بمدينة ليون الفرنسية، وليس كنيسة.
واستخدم التحقيق مطابقة المعالم الظاهرة في التسجيل مع صور الشوارع، للتأكد من موقع الحادثة وكشف اختلافه عن الوصف المتداول.
ولم يكن هذا المقطع الوحيد؛ فقد نشر حساب مؤيد للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يحمل اسم «MAGA Nation 47»، تسجيلًا يظهر حريقًا قرب كنيسة سان ميشيل في مدينة بوردو، مصحوبًا بتحذيرات من اندثار التراث الأوروبي.
إلا أن التحقيق أثبت أن التسجيل يعود إلى يوليو/تموز 2026، وأن الحريق نشب في مخيم لأشخاص بلا مأوى بالقرب من الكنيسة، ولم تمتد النيران إلى مبناها.

صورة من عام 2019 لترويج اتهامات جديدة
وتتبع فريق فرانس 24 منشورًا آخر نشره مستخدم إيطالي على فيسبوك يوم 23 أكتوبر، زعم فيه أن مسلمين أحرقوا خمس كنائس فرنسية، مدعيًا أن المسلمين يريدون القضاء على المسيحية.
وأرفق المنشور صورة لحريق عند كنيسة سان سولبيس في العاصمة باريس، وحقق انتشارًا واسعًا اقترب من عشرة آلاف مشاركة.
لكن مراجعة الصورة كشفت أنها التُقطت عام 2019، عندما تعرض باب الكنيسة لحريق أشارت التحقيقات الأولية آنذاك إلى احتمال أنه كان متعمدًا.
وبالتالي، فإن الصورة لا توثق أي حادثة خلال احتجاجات أكتوبر 2026، ولم يقدم ناشرها دليلًا يربطها بمسلمين أو بالأحداث الأخيرة.
وحاول صحفيو فرانس 24 التواصل مع صاحب المنشور للحصول على توضيحات بشأن ادعاءاته، لكنهم لم يتلقوا ردًا.
مرصد التراث الديني: حريق واحد وسببه مجهول
ونقل التحقيق عن مكسيم كومونيل، نائب رئيس مرصد التراث الديني الفرنسي، تأكيده عدم وجود حرائق كنائس مرتبطة بمسلمين خلال أحداث 17 أكتوبر.
وأوضح أن المرصد، الذي يتابع الاعتداءات والأضرار التي تلحق بالمباني الدينية، سجل حريقًا واحدًا خلال الفترة ذاتها، في كنيسة سان ميدار ببلدة فينوييه بالقرب من تولوز.
وبحسب بيان أصدرته البلدية يوم 21 أكتوبر، لم يتم تحديد السبب الدقيق للحريق.
وفي المقابل، سجل المرصد أعمال تخريب أخرى طالت مباني دينية خلال الاضطرابات، بينها كتابات مسيئة على جدران كنيسة سانت ماري مادلين دي شارترو بمدينة مرسيليا.
كما أشار التحقيق إلى أن الاعتداءات على الممتلكات الدينية المسيحية تمثل مشكلة حقيقية في فرنسا؛ إذ سجلت بيانات وزارة الداخلية 843 اعتداءً معاديًا للمسيحيين خلال عام 2025، بزيادة 9% عن العام السابق.
غير أن وقوع اعتداءات فعلية على دور العبادة لا يثبت صحة اتهام جماعة دينية بعينها بارتكاب حوادث محددة دون أدلة.
كيف تتحول المقاطع القديمة إلى اتهامات جماعية؟
تُظهر الوقائع التي كشفها التحقيق نمطًا من التضليل يقوم على إعادة استخدام الصور والفيديوهات خارج سياقها، ثم ربطها بأحداث سياسية واجتماعية حديثة، وتقديمها بوصفها أدلة على اتهامات موجهة إلى مجموعة دينية كاملة.
ففي الحالات الثلاث التي فحصتها فرانس 24، استُخدمت حاوية قمامة مشتعلة أمام مبنى سكني، وحريق قديم قرب كنيسة لم تصل إليها النيران، وصورة لحادثة تعود إلى سبع سنوات، لترويج رواية واحدة عن قيام المسلمين بإحراق كنائس خلال يوم واحد.
وقد ساعد انتشار التسجيلات على مواقع التواصل على تداول الاتهام قبل التحقق من أصل المواد المصورة وتواريخها وأماكنها.
ويعيد التحقيق تسليط الضوء على خطورة تحويل الحوادث غير المؤكدة إلى اتهامات جماعية، خصوصًا في أوقات التوتر السياسي والاجتماعي التي تشهد ارتفاعًا في الخطاب المعادي للمهاجرين والأقليات الدينية.
وتخلص نتائج التحقيق إلى أن الرواية المتداولة عن إحراق المسلمين خمس كنائس خلال احتجاجات 17 أكتوبر لا تستند إلى أدلة موثوقة، وأن المواد التي استُخدمت لإثباتها مضللة أو خارجة عن سياقها الأصلي.







