المقاومة الفلسطينية بعد ألف يوم من الحرب: من طوفان الأقصى إلى التفاوض على إدارة غزة

Screenshot 2026 07 08 171422

قراءة تحليلية في التحولات العسكرية والسياسية والسيناريوهات المستقبلية

منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023م (ربيع الأول/ربيع الآخر 1445هـ) وحتى يوليو/تموز 2026م (محرم 1448هـ).

المقدمة

لم يعد إعلان استعداد حركة حماس للتخلي عن إدارة قطاع غزة مجرد تطور سياسي عابر يمكن قراءته بمعزل عن سياق الحرب، بل يمثل محطة مفصلية في مسار صراع امتد لأكثر من ألف يوم، وأعاد رسم ملامح القضية الفلسطينية، وأحدث تحولات عميقة في بنية المقاومة، وفي طبيعة العلاقة بين الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين.

فهذا التحول لا يمكن فهمه من خلال الخبر الأخير وحده، بل من خلال تتبع المسار الطويل الذي قاد إليه: كيف بدأت الحرب، وكيف تطورت المواجهة، وما الذي خسرته المقاومة وما الذي بقي لديها، وكيف أعادت حساباتها في ظل المتغيرات العسكرية والسياسية والإنسانية المتلاحقة.

ومن هنا تأتي أهمية هذه القراءة التحليلية التي لا تكتفي برصد الأحداث، وإنما تسعى إلى تفكيك المراحل التي مر بها الصراع، وفهم التحولات التي طرأت على المقاومة، واستشراف السيناريوهات المحتملة أمامها في المرحلة المقبلة، بعيدًا عن الانطباعات السريعة أو القراءات الجزئية.

الفصل الأول: المقاومة عشية السابع من أكتوبر

لفهم المسار الذي اتخذته الحرب بعد السابع من أكتوبر، لا بد من العودة إلى الصورة التي كانت عليها المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة قبل اندلاع المواجهة. فالحرب لم تبدأ بين طرفين متساويين في الظروف والإمكانات، ولم تكن المقاومة تدخل المعركة من فراغ، بل كانت قد أمضت سنوات في بناء منظومة عسكرية وأمنية وسياسية معقدة داخل قطاع محاصر منذ عام 2007.

كانت حركة حماس، خلال ما يقارب عقدًا ونصف العقد من إدارتها للقطاع، قد تحولت من حركة مقاومة تعمل ضمن بيئة سياسية وأمنية محدودة إلى سلطة حاكمة تمتلك مؤسسات مدنية وأمنية، وفي الوقت نفسه تحافظ على جناح عسكري مستقل يتمتع بقدرات متطورة مقارنة بالمراحل السابقة. كما نشأت إلى جانبها فصائل مقاومة أخرى، أبرزها سرايا القدس التابعة لحركة الجهاد الإسلامي، لتشكل مع كتائب القسام القوة العسكرية الأبرز في قطاع غزة.

ولم تكن قوة المقاومة قبل الحرب تقاس فقط بعدد المقاتلين أو حجم السلاح المتوفر لديها، بل بمنظومة متكاملة شملت شبكة واسعة من الأنفاق، وقدرات صاروخية متنوعة، ووحدات قتالية متخصصة، وخبرة تراكمية في مواجهة جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال جولات عسكرية متكررة. فقد خاضت المقاومة عدة مواجهات كبرى مع الاحتلال، كان أبرزها حروب أعوام 2008، و2012، و2014، ثم جولات لاحقة، الأمر الذي منحها خبرة في إدارة المعارك غير المتكافئة، واختبار قدراتها في ظروف الحصار والقصف المستمر.

أولاً: شكل حكم حماس لقطاع غزة

منذ سيطرتها على قطاع غزة عام 2007، وجدت حركة حماس نفسها أمام تجربة مركبة تجمع بين إدارة شؤون مجتمع يعيش تحت الحصار، والحفاظ على دورها كحركة مقاومة مسلحة. فقد أنشأت مؤسسات حكومية لإدارة القطاعات المدنية، وشكلت أجهزة أمنية وإدارية، وأصبحت مسؤولة عن ملفات الحياة اليومية، من الخدمات العامة إلى الأمن الداخلي.

غير أن هذا الحكم بقي مختلفًا عن نموذج الدولة التقليدية؛ إذ كان قطاع غزة يعيش تحت واقع استثنائي فرضته القيود الإسرائيلية على الحركة والاقتصاد والمعابر. لذلك حافظت حماس على الفصل بين مؤسسات الإدارة المدنية وبين جناحها العسكري، كتائب عز الدين القسام، الذي بقي يعمل ضمن هيكل تنظيمي وأمني خاص بعيدًا عن الإدارة الحكومية المباشرة.

وقد أدى هذا الوضع إلى نشوء تجربة فريدة: حركة مقاومة أصبحت سلطة حاكمة، لكنها في الوقت نفسه بقيت تواجه الاحتلال باعتبارها طرفًا عسكريًا في الصراع. وهو ما جعلها تتحمل أعباء مزدوجة؛ مسؤولية إدارة مجتمع محاصر، ومسؤولية الحفاظ على مشروعها العسكري في مواجهة قوة عسكرية متفوقة.

ثانياً: القوة العسكرية للمقاومة

قبل السابع من أكتوبر، كانت كتائب عز الدين القسام تمثل القوة العسكرية الأكبر والأكثر تنظيمًا داخل قطاع غزة. فقد عملت على مدار سنوات على تطوير بنيتها التنظيمية، ورفع مستوى التدريب، وإنشاء وحدات متخصصة في مجالات متعددة، مستفيدة من الخبرات المتراكمة خلال المواجهات السابقة.

وفي المقابل، كانت سرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، تمثل القوة العسكرية الثانية من حيث الحجم والتأثير، وشاركت في مختلف جولات التصعيد مع الاحتلال، مع امتلاكها قدرات صاروخية وبنية قتالية مستقلة.

وقد اعتمدت المقاومة على نموذج الحرب غير المتكافئة؛ إذ لم تسعَ إلى مجاراة الجيش الإسرائيلي في القوة التقليدية، وإنما بنت استراتيجيتها على استنزاف الخصم، وإلحاق خسائر به، واستخدام عناصر المفاجأة والانتشار الجغرافي والقتال من بيئة حضرية معقدة.

ثالثاً: شبكة الأنفاق

كانت الأنفاق واحدة من أهم عناصر القوة التي بنت عليها المقاومة تصورها للمواجهة. فقد تحولت هذه الشبكة عبر سنوات إلى منظومة عسكرية متعددة الاستخدامات، شملت ممرات للحركة والاختباء، ومواقع لتخزين السلاح، ومسارات لتنفيذ عمليات خلف خطوط العدو.

وقد أدركت المقاومة أن التفوق الجوي والاستخباراتي الإسرائيلي يجعل المواجهة فوق الأرض شديدة الصعوبة، لذلك اعتمدت على بناء بيئة قتالية تحت الأرض تمنحها قدرة أكبر على المناورة، وتحمي جزءًا من بنيتها العسكرية من الضربات الجوية.

ولهذا أصبحت الأنفاق عنصرًا أساسيًا في معادلة الردع بين الطرفين، وأحد أبرز التحديات التي واجهها جيش الاحتلال الإسرائيلي في أي عملية برية داخل القطاع.

رابعاً: القوة الصاروخية

شكّلت الصواريخ أحد أبرز أدوات المقاومة في مواجهة التفوق العسكري الإسرائيلي. فخلال السنوات السابقة للحرب، انتقلت القدرات الصاروخية من صواريخ قصيرة المدى محدودة التأثير إلى منظومات أكثر تنوعًا من حيث المدى والقدرة على الوصول إلى مناطق أوسع داخل إسرائيل.

وقد استخدمت المقاومة الصواريخ باعتبارها وسيلة للردع والضغط، ومحاولة نقل المعركة إلى العمق الإسرائيلي، وإظهار قدرتها على إيقاع خسائر وتعطيل الحياة اليومية رغم الفارق الكبير في الإمكانات العسكرية.

ومع ذلك، بقيت هذه القدرة محدودة مقارنة بمنظومات جيش الاحتلال الإسرائيلي، خصوصًا في ظل امتلاك الاحتلال منظومات دفاعية متقدمة، وتفوق كبير في الطيران والاستخبارات.

خامساً: وحدات النخبة

من العناصر التي برزت في بناء القوة العسكرية للمقاومة وحدات النخبة، وهي وحدات قتالية تلقت تدريبات خاصة لتنفيذ مهام نوعية تتجاوز نمط الاشتباك التقليدي.

وقد ارتبطت هذه الوحدات بفكرة تنفيذ عمليات مركبة تعتمد على التسلل، والمباغتة، واستهداف مواقع عسكرية، وهو ما جعلها جزءًا من التصور العملياتي للمقاومة قبل الحرب.

سادساً: العلاقة بمحور المقاومة

ارتبطت حماس وفصائل المقاومة الأخرى بعلاقات مختلفة مع أطراف إقليمية داعمة، خصوصًا إيران وحلفائها في المنطقة، ضمن ما يعرف بمحور المقاومة الذي يضم ميليشيات العراق والحوثيين وحزب الله في لبنان، والذي خسر فرعه في سوريا بسقوط نظام الأسد المخلوع. وقد تمثلت أشكال الدعم في مجالات متعددة، من الدعم السياسي إلى نقل الخبرات والتقنيات العسكرية وفق ما أعلنته الأطراف المختلفة.

لكن هذه العلاقة لم تكن تعني تطابقًا كاملًا في القرارات أو الأهداف؛ إذ احتفظت حركة حماس بهامش من الاستقلال في تحديد أولوياتها السياسية والعسكرية، مع اختلافات ظهرت في بعض المراحل حول ملفات إقليمية.

ولا تزال إيران تعامل حماس والفصائل الفلسطينية في غزة على أنها فرع من محور مقاومتها الإقليمي وتبادلها الأخيرة التقدير والامتنان والثناء على قيادات المحور.

سابعاً: الردع المتبادل مع الاحتلال

قبل السابع من أكتوبر، نشأت بين المقاومة والاحتلال الإسرائيلي حالة من الردع المتبادل غير المتكافئ. فما يسمى “إسرائيل” كانت تمتلك تفوقًا عسكريًا هائلًا، لكنها كانت تدرك أن أي حرب واسعة في غزة ستكلفها أثمانًا عسكرية وسياسية وأمنية.

في المقابل، كانت المقاومة تدرك محدودية قدرتها أمام جيش الاحتلال الإسرائيلي، لكنها عملت على بناء قدرة تجعل أي مواجهة جديدة مكلفة بالنسبة للاحتلال، عبر تطوير الأنفاق والصواريخ والوحدات الخاصة.

وهكذا بقي القطاع في حالة بين الحرب والهدوء النسبي؛ جولات تصعيد متكررة، تليها فترات تهدئة، دون أن يعني ذلك انتهاء الصراع أو تغير جوهره.

ماذا كانت تملك المقاومة قبل الحرب؟

عشية السابع من أكتوبر، كانت المقاومة في غزة تمتلك منظومة عسكرية متكاملة نسبيًا داخل بيئة محاصرة: قيادة سياسية تدير القطاع، وأجنحة عسكرية منظمة، وشبكة أنفاق واسعة، وقدرات صاروخية، ووحدات قتالية خاصة، وخبرة طويلة في مواجهة الاحتلال.

لكن هذه القوة كانت تواجه خصمًا يمتلك تفوقًا هائلًا في التكنولوجيا، والطيران، والاستخبارات، والقدرات النارية. ولذلك كان السؤال الأساسي الذي بقي مفتوحًا قبل الحرب هو: هل تستطيع هذه المنظومة، رغم محدوديتها، أن تغير قواعد الاشتباك؟ أم أن الفارق الهائل في القوة سيحسم أي مواجهة طويلة؟

هذا السؤال هو الذي قاد إلى المرحلة التالية: السابع من أكتوبر، والعملية التي مثلت نقطة التحول الكبرى في تاريخ المواجهة.

الفصل الثاني: طوفان الأقصى.. الزلزال الذي غيّر المنطقة

في صباح السابع من أكتوبر عام 2023، دخل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي مرحلة جديدة لم تشهدها المنطقة منذ عقود. فلم تكن العملية التي نفذتها فصائل المقاومة في قطاع غزة مجرد جولة عسكرية جديدة ضمن سلسلة المواجهات السابقة، بل مثلت تحولًا استراتيجيًا أعاد طرح أسئلة كبرى حول طبيعة الصراع، وحدود القوة الإسرائيلية، وقدرة المقاومة على تغيير قواعد الاشتباك.

فبعد سنوات من الحصار، والاحتواء الأمني، والاعتماد الإسرائيلي على منظومة الردع والتكنولوجيا والاستخبارات، جاءت عملية طوفان الأقصى لتكشف هشاشة بعض التصورات التي بنت عليها قيادة الاحتلال استراتيجيتها تجاه قطاع غزة، وفي مقدمتها الاعتقاد بإمكانية إدارة الصراع من خلال التفوق العسكري والضغط الاقتصادي والاحتواء الأمني دون الوصول إلى مواجهة شاملة.

لم تكن أهمية العملية مرتبطة فقط بحجمها العسكري، وإنما بالصدمة التي أحدثتها على مستوى المؤسسة الأمنية والسياسية الإسرائيلية، وبالتحول الذي أحدثته في طبيعة الحرب؛ إذ انتقلت المواجهة خلال ساعات من عملية هجومية محدودة زمنيًا إلى حرب واسعة مفتوحة ذات أبعاد إقليمية ودولية.

أولاً: بداية العملية وكيف حدث الاختراق

في الساعات الأولى من صباح السابع من أكتوبر، شنت فصائل المقاومة الفلسطينية هجومًا واسعًا من قطاع غزة على مواقع وبلدات إسرائيلية محاذية للقطاع. اعتمد الهجوم على عنصر المفاجأة، وتعدد محاور التنفيذ، واستخدام وسائل مختلفة تجاوزت أنماط المواجهات السابقة.

بدأت العملية بقصف صاروخي كثيف استهدف مناطق واسعة داخل كيان الاحتلال، بالتزامن مع عمليات اقتحام عبر السياج الفاصل، وهجمات على مواقع عسكرية، وعمليات داخل المستوطنات المحيطة بغزة.

وقد شكلت قدرة المقاومة على تجاوز الحدود الفاصلة والوصول إلى مواقع كانت تعد جزءًا من المنظومة الأمنية الإسرائيلية تطورًا غير مسبوق منذ سنوات طويلة، خصوصًا أن قوات الاحتلال الإسرائيلي قد بنت جزءًا كبيرًا من استراتيجيتها على منع أي اختراق بري من قطاع غزة.

وكان العنصر الأكثر تأثيرًا هو المفاجأة العملياتية؛ إذ تمكنت المقاومة من إخفاء جانب كبير من استعداداتها، وتنفيذ الهجوم في توقيت لم تكن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تتوقعه بهذا الحجم، الأمر الذي أدى إلى ارتباك كبير في الساعات الأولى.

ثانياً: الأهداف المعلنة للعملية

أعلنت قيادة المقاومة أن العملية جاءت في سياق مواجهة ما وصفته باستمرار الاعتداءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى والضفة الغربية، والحصار المفروض على قطاع غزة، والأوضاع المتعلقة بالأسرى الفلسطينيين.

كما ارتبطت أهداف العملية، وفق الخطاب المعلن لفصائل المقاومة، بمحاولة تغيير المعادلة القائمة، وإجبار كيان “إسرائيل” على التعامل مع قضية غزة والملف الفلسطيني من منظور مختلف، إضافة إلى تحقيق مكاسب تتعلق بالأسرى من خلال أسر جنود ومستوطنين ونقلهم إلى القطاع.

لكن العملية، منذ لحظتها الأولى، تجاوزت حدود أهدافها المعلنة؛ إذ أدى حجم الاختراق والنتائج الميدانية التي تحققت في الساعات الأولى إلى فتح مسار جديد لم يكن طرفا الصراع يتوقعان امتداده بهذه الصورة.

ثالثاً: انهيار المنظومة الأمنية الإسرائيلية

كان الحدث الأبرز في السابع من أكتوبر هو الانهيار المفاجئ للمنظومة الأمنية الإسرائيلية حول قطاع غزة. فقد اعتمدت “إسرائيل” لسنوات على شبكة معقدة من وسائل المراقبة، والاستخبارات، والتحصينات، والتكنولوجيا الحدودية، باعتبارها قادرة على منع أي هجوم واسع.

إلا أن العملية كشفت وجود ثغرات كبيرة في هذه المنظومة، سواء على مستوى جمع المعلومات، أو تقدير نوايا المقاومة، أو سرعة الاستجابة الميدانية.

وقد شكل هذا الإخفاق صدمة عميقة داخل كيان “إسرائيل”، لأنه لم يكن مجرد خسارة عسكرية في موقع محدد، بل مسّ جوهر العقيدة الأمنية التي قامت على فكرة القدرة على الإنذار المبكر، ومنع المفاجآت، ونقل المعركة بعيدًا عن الداخل الإسرائيلي.

ولهذا تحولت أحداث السابع من أكتوبر إلى حدث مفصلي في الوعي الإسرائيلي، شبيه بالهزات الكبرى التي دفعت “إسرائيل” سابقًا إلى مراجعة عقيدتها العسكرية والأمنية.

رابعاً: انهيار الردع الإسرائيلي

منذ انسحاب إسرائيل من قطاع غزة عام 2005، ثم المواجهات المتكررة مع المقاومة، قامت الاستراتيجية الإسرائيلية على بناء معادلة ردع تمنع الفصائل الفلسطينية من تنفيذ عمليات واسعة، من خلال التفوق العسكري والضربات الانتقامية القاسية.

لكن عملية طوفان الأقصى أظهرت أن الردع الإسرائيلي، رغم تفوق إسرائيل العسكري، لم يكن مطلقًا. فقد تمكنت المقاومة من تنفيذ هجوم واسع داخل الأراضي الإسرائيلية، والوصول إلى مواقع عسكرية ومدنية، وإحداث خسائر بشرية وأمنية كبيرة.

وهنا لم تكن المسألة مجرد خسارة ميدانية، بل ضربة لفكرة التفوق الأمني المطلق، وهو ما دفع “إسرائيل” إلى الرد بصورة تجاوزت حدود العمليات السابقة، بهدف استعادة صورة الردع التي اهتزت.

خامساً: الأسرى وتحول المعركة إلى حرب شاملة

كان ملف الأسرى أحد أهم نتائج عملية السابع من أكتوبر. فقد أدى احتجاز عدد كبير من الإسرائيليين ونقلهم إلى قطاع غزة إلى تغيير أولويات الحرب الإسرائيلية، وجعل استعادة الأسرى هدفًا مركزيًا إلى جانب الأهداف العسكرية المعلنة.

لكن مع مرور الوقت، توسعت أهداف الحرب الإسرائيلية لتشمل القضاء على البنية العسكرية والسياسية لحماس في قطاع غزة، وإنهاء قدرتها على إدارة القطاع، وهو ما نقل المواجهة من عملية عسكرية محدودة إلى حرب شاملة ذات أهداف استراتيجية بعيدة المدى.

وبذلك انتقلت المعركة من سؤال: كيف ترد “إسرائيل” على هجوم غير مسبوق؟ إلى سؤال أكبر: كيف يمكن إعادة تشكيل الواقع في غزة والمنطقة بعد هذه الحرب؟

سادساً: دخول الجبهات الأخرى واتساع نطاق الصراع

لم تبقَ الحرب محصورة داخل قطاع غزة، إذ بدأت جبهات أخرى بالدخول بدرجات مختلفة، ما أعطى الصراع بعدًا إقليميًا أوسع.

فقد شهدت الحدود اللبنانية تصعيدًا بين الاحتلال الإسرائيلي وحزب الله، كما شهد البحر الأحمر ومناطق أخرى توترات مرتبطة بالحرب، إضافة إلى تحركات سياسية وعسكرية دولية متزايدة.

وهذا الاتساع أكد أن الحرب لم تعد مواجهة بين الاحتلال الإسرائيلي وحماس فقط، بل أصبحت أزمة إقليمية لها انعكاسات على توازنات المنطقة، والعلاقات بين القوى الدولية والإقليمية.

طوفان الأقصى.. نقطة التحول الكبرى

أحدثت عملية طوفان الأقصى تحولًا عميقًا في مسار الصراع؛ فقد نقلت المقاومة المواجهة إلى مستوى غير مسبوق، لكنها في المقابل فتحت الباب أمام حرب واسعة استخدمت فيها “إسرائيل” قدراتها العسكرية بأقصى مستوياتها.

فبينما كشفت العملية حدود القوة الإسرائيلية، كشفت الحرب اللاحقة الفارق الهائل في الإمكانات بين الطرفين، وأدخلت قطاع غزة في مرحلة جديدة من الدمار والمواجهة الطويلة.

ومن هنا أصبح السؤال المركزي بعد السابع من أكتوبر ليس فقط: كيف بدأت الحرب؟ بل: كيف ستنتهي؟ وما الذي سيبقى من معادلة المقاومة بعد هذه المواجهة غير المسبوقة؟

الفصل الثالث: الحرب الكبرى.. من القصف الشامل إلى معركة الاستنزاف والمفاوضات

لم تكن الحرب التي اندلعت بعد السابع من أكتوبر مواجهة قصيرة تنتهي بتحقيق هدف عسكري محدد، بل تحولت سريعًا إلى واحدة من أعقد الحروب التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة. فقد انتقلت عبر مراحل متتابعة، تغيرت خلالها طبيعة العمليات، وأهداف الأطراف، وأدوات المواجهة.

ففي بدايتها اعتمدت قوات الاحتلال على القوة النارية الكثيفة والحصار الشامل بهدف إحداث انهيار سريع في قطاع غزة، ثم انتقلت إلى العمليات البرية الواسعة، قبل أن تدخل الحرب مرحلة مختلفة اتسمت بالاستنزاف والعمليات الأمنية المحدودة والضغط المستمر على البنية العسكرية للمقاومة.

ومع طول أمد الحرب، لم تعد المعركة تُحسم فقط في الميدان، بل انتقلت تدريجيًا إلى ساحات أخرى: المفاوضات، وملف الأسرى، والضغوط الدولية، والأسئلة المتعلقة بمستقبل قطاع غزة بعد توقف العمليات.

المرحلة الأولى: القصف والحصار والاجتياح

أولاً: القصف المكثف

بدأت قوات الاحتلال ردها العسكري على عملية السابع من أكتوبر بحملة قصف واسعة وغير مسبوقة على قطاع غزة، استهدفت مناطق سكنية، ومنشآت مدنية، ومواقع مرتبطة بالبنية العسكرية للمقاومة.

كان الهدف المعلن من الحملة هو إضعاف قدرات حركة حماس، وضرب مراكز القيادة والسيطرة، وتهيئة الظروف أمام العملية البرية. إلا أن حجم القصف واتساع نطاقه جعلا المرحلة الأولى من الحرب ذات أثر إنساني هائل، مع أعداد كبيرة من الضحايا والنازحين ودمار واسع في البنية التحتية.

وقد اعتمد الاحتلال الإسرائيلي في هذه المرحلة على التفوق الجوي والناري، محاولا إحداث صدمة تؤدي إلى انهيار سريع في قدرة المقاومة على التنظيم والقتال.

ثانياً: الحصار الشامل

بالتزامن مع القصف، فرضت قوات الاحتلال حصارًا مشددًا على قطاع غزة، شمل القيود على دخول الوقود والكهرباء والمساعدات والمواد الأساسية.

كان الحصار جزءًا من استراتيجية الضغط على البيئة الحاضنة للمقاومة، ودفع القطاع إلى حالة من الاستنزاف الإنساني والاقتصادي، بهدف التأثير على قدرة المقاومة على مواصلة القتال.

إلا أن الحصار لم يؤدِّ إلى انهيار سريع للبنية العسكرية للمقاومة، التي كانت قد أعدت نفسها مسبقًا لمواجهة طويلة، خصوصًا عبر شبكة الأنفاق وتخزين الإمدادات والانتشار داخل البيئة الحضرية.

ثالثاً: الاجتياح البري

بعد أسابيع من القصف، بدأت قوات الاحتلال الإسرائيلي عملياتها البرية داخل قطاع غزة، في محاولة للانتقال من استهداف القدرات العسكرية عن بعد إلى تفكيكها ميدانيًا.

واجه جيش الاحتلال خلال التقدم البري تحديات كبيرة، أبرزها طبيعة القتال داخل المناطق المكتظة، وانتشار المقاومة في بيئة حضرية معقدة، واستخدام الأنفاق كعنصر أساسي في الحركة والمواجهة.

وأظهرت هذه المرحلة أن التفوق الجوي لا يعني بالضرورة حسم المعركة البرية، وأن القضاء على بنية عسكرية متجذرة داخل بيئة حضرية يحتاج إلى وقت وتكلفة مرتفعة.

المرحلة الثانية: الانتقال إلى قلب غزة.. خانيونس ورفح

بعد المرحلة الأولى التي تركزت على شمال القطاع ومدينة غزة، انتقلت العمليات الإسرائيلية تدريجيًا نحو مناطق الجنوب، خصوصًا خانيونس ورفح، حيث اعتبر الاحتلال أن جزءًا أساسيًا من قيادة المقاومة وبنيتها العسكرية انتقل إليها.

أولاً: معركة خانيونس

مثلت خانيونس إحدى أبرز مراحل الحرب البرية، نظرًا لأهميتها الجغرافية والعسكرية، وارتباطها بشبكات الأنفاق ومراكز القيادة التابعة للمقاومة.

شهدت المدينة معارك طويلة وعمليات عسكرية واسعة، حاول خلالها جيش الاحتلال الإسرائيلي السيطرة على المناطق التي اعتبرها ذات أهمية استراتيجية، بينما اعتمدت المقاومة على الكمائن والاشتباكات القريبة واستخدام الأنفاق لإعاقة التقدم الإسرائيلي.

وأظهرت معركة خانيونس أن الحرب لن تكون عملية خاطفة، وأن القضاء على البنية العسكرية للمقاومة يتطلب مواجهة طويلة ومعقدة.

ثانياً: معركة رفح

مع تقدم الحرب، أصبحت رفح محورًا رئيسيًا للمواجهة، خاصة بعد انتقال أعداد كبيرة من المدنيين إليها باعتبارها منطقة نزوح.

اعتبر الاحتلال أن رفح تمثل آخر مراكز القوة الرئيسية للمقاومة، ولذلك ركز عملياته عليها بهدف استكمال أهدافه العسكرية المعلنة.

لكن المعركة في رفح ارتبطت بتعقيدات كبيرة، بسبب الكثافة السكانية، والضغوط الدولية، وحساسية موقعها الحدودي.

المرحلة الثالثة: حرب الاستنزاف

مع مرور الوقت، بدأت الحرب تأخذ شكلًا مختلفًا؛ فلم تعد العمليات الواسعة بنفس الوتيرة الأولى، وانتقلت المواجهة إلى نمط أكثر اعتمادًا على الاستنزاف والعمليات الأمنية.

أولاً: استمرار العمليات المحدودة

رغم إعلان الاحتلال تحقيق تقدم في مناطق مختلفة، استمرت المقاومة في تنفيذ عمليات ضد القوات الإسرائيلية، خصوصًا في المناطق التي أعاد الجيش الانتشار فيها.

وأصبح نمط المواجهة يعتمد على الكمائن والهجمات المباغتة، بدل السيطرة على الأرض بشكل تقليدي.

ثانياً: الاغتيالات وضرب القيادات

اعتمدت قوات الاحتلال على العمليات الاستخباراتية والاغتيالات لاستهداف قيادات سياسية وعسكرية في المقاومة، بهدف إضعاف القدرة على القيادة والتنظيم.

وكان الرهان الإسرائيلي أن يؤدي فقدان القيادات إلى إرباك بنية المقاومة، بينما حاولت المقاومة الحفاظ على تماسكها التنظيمي وتعويض الخسائر البشرية.

ثالثاً: تدمير الأنفاق وتقليص القدرة الصاروخية

ركز جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال هذه المرحلة على استهداف شبكة الأنفاق، باعتبارها إحدى أهم أدوات المقاومة، إضافة إلى ضرب مخازن السلاح ومواقع إطلاق الصواريخ.

ومع استمرار الحرب، تراجعت كثافة إطلاق الصواريخ مقارنة بالأيام الأولى، نتيجة الضربات الإسرائيلية على جزء من البنية الصاروخية، وصعوبة استمرار العمليات بنفس الوتيرة تحت القصف والضغط العسكري.

لكن ذلك لم يعنِ اختفاء القدرة العسكرية للمقاومة، بل انتقالها إلى نمط أكثر اعتمادًا على العمليات البرية المباشرة والاستنزاف.

المرحلة الرابعة: الحرب تتحول إلى مفاوضات

مع طول أمد الحرب، بدأت المعركة تنتقل تدريجيًا من الميدان إلى طاولة التفاوض، خصوصًا مع تعقّد ملف الأسرى وارتفاع الضغوط الدولية.

أولاً: ملف الأسرى

أصبح الأسرى الإسرائيليون في غزة أحد أهم الملفات التي فرضت نفسها على مسار الحرب. فقد استخدمت المقاومة هذا الملف كورقة تفاوضية، بينما اعتبرته “إسرائيل” أولوية سياسية وأمنية.

وأدت المفاوضات حول الأسرى إلى اتفاقات هدنة مؤقتة وتبادل للأسرى، لكنها لم تؤدِّ إلى إنهاء الحرب بصورة نهائية.

ثانياً: الهدن والوسطاء

لعب الوسطاء الإقليميون والدوليون دورًا في محاولة الوصول إلى تفاهمات بين الطرفين، خصوصًا عبر المفاوضات المتعلقة بوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى.

لكن استمرار التباين بين أهداف الطرفين جعل الوصول إلى اتفاق شامل أمرًا معقدًا؛ إذ سعت “إسرائيل” إلى إنهاء القدرات العسكرية والسياسية لحماس، بينما ركزت المقاومة على وقف الحرب والاحتفاظ بدورها في مستقبل غزة.

المرحلة الخامسة: سؤال اليوم التالي للحرب

مع استمرار الحرب وتآكل قدرة أي طرف على تحقيق حسم كامل، ظهر سؤال “اليوم التالي”: من سيدير قطاع غزة بعد انتهاء العمليات؟ وما الشكل السياسي والأمني الذي ستؤول إليه الأوضاع؟

تحول هذا السؤال إلى محور أساسي في النقاشات الإقليمية والدولية، بعدما أصبح واضحًا أن إنهاء العمليات العسكرية لا يعني بالضرورة حل الصراع أو تحديد مستقبل القطاع.

وهنا دخلت الحرب مرحلة جديدة؛ مرحلة لا يتعلق الصراع فيها فقط بالسيطرة العسكرية، بل بالصراع على شكل غزة بعد الحرب، ومستقبل المقاومة، وطبيعة الترتيبات السياسية والأمنية التي ستفرضها المرحلة القادمة.

الفصل الرابع: ماذا خسرت المقاومة؟ تقييم موضوعي للخسائر والتحولات بعد الحرب

بعد أكثر من عام من الحرب، لم يعد تقييم وضع المقاومة يمكن أن يعتمد على لغة الانتصار المطلق أو الهزيمة الكاملة؛ فالحروب الكبرى لا تنتهي عادة بصورة ثنائية مبسطة، بل تترك وراءها مكاسب وخسائر وتحولات تعيد تشكيل الأطراف المتحاربة.

وعليه، فإن قراءة خسائر المقاومة بعد الحرب تحتاج إلى الفصل بين ما يمكن رصده بشكل واضح، وما يبقى محل تقدير أو خلاف، مع تجنب المبالغة في تصوير حجم الخسائر أو التقليل من آثارها.

فالمؤكد أن الحرب ألحقت أضرارًا كبيرة بالبنية السياسية والعسكرية والإدارية التي بنتها المقاومة في قطاع غزة خلال سنوات طويلة، لكنها في المقابل لم تؤدِّ بالضرورة إلى إنهاء وجودها أو اختفاء قدرتها على العمل، وهو ما يجعل تقييم المرحلة قائمًا على دراسة طبيعة التحول الذي طرأ عليها.

أولاً: الخسارة السياسية

كانت أبرز خسائر المقاومة سياسيًا هي الانتقال من موقع إدارة قطاع غزة إلى موقع الدفاع عن بقائها ودورها في ظل حرب واسعة استهدفت إنهاء حكمها وإعادة تشكيل الواقع السياسي للقطاع.

فقد فقدت حركة حماس جزءًا كبيرًا من قدرتها على ممارسة الحكم بصورته السابقة، بعدما تعرضت المؤسسات الحكومية التابعة لها لضربات واسعة، وتضررت مقارها الإدارية والأمنية، وأصبحت عملية إدارة القطاع أكثر تعقيدًا.

كما واجهت المقاومة تحديًا سياسيًا يتعلق بمستقبل دورها بعد الحرب؛ فقبل السابع من أكتوبر كانت تسيطر على قطاع غزة وتمتلك مؤسسات حكم واضحة، أما بعد الحرب فأصبح السؤال الأساسي هو: هل ستتمكن من العودة إلى إدارة القطاع؟ أم ستضطر إلى قبول صيغة سياسية جديدة؟

لكن من جهة أخرى، يبقى مستقبل الدور السياسي للمقاومة محل خلاف وتطور، إذ لا يمكن حسمه قبل اتضاح شكل الترتيبات النهائية التي ستنتج عن الحرب والمفاوضات.

ثانياً: الخسارة العسكرية

عسكريًا، تعرضت المقاومة لخسائر كبيرة في بنيتها التي بنتها على مدى سنوات.

ومن أبرز الخسائر التي يمكن رصدها:

  • تدمير عدد كبير من المواقع العسكرية ومراكز القيادة والسيطرة.
  • خسارة عدد من القيادات السياسية والعسكرية الميدانية.
  • تضرر أجزاء من شبكة الأنفاق التي شكلت أحد أهم عناصر القوة العسكرية.
  • تراجع القدرة على العمل ضمن تشكيلات كبيرة وعلنية كما كان الوضع قبل الحرب.
  • تضرر جزء من مخازن السلاح ومنظومات الإمداد.

كما أن طبيعة الحرب أجبرت المقاومة على الانتقال من نموذج التنظيم العسكري واسع البنية إلى نموذج أكثر اعتمادًا على الانتشار واللامركزية، بسبب صعوبة الحفاظ على مراكز قيادة ثابتة في ظل الاستهداف المستمر.

ومع ذلك، فإن حجم الخسائر الدقيقة في القوة البشرية والقدرات العسكرية لا يمكن تحديده بشكل كامل، بسبب اختلاف التقديرات بين الأطراف، وصعوبة التحقق المستقل من كثير من الأرقام المعلنة.

ثالثاً: الخسارة في شبكة الأنفاق والقدرات العملياتية

كانت شبكة الأنفاق تمثل أحد أهم عناصر القوة لدى المقاومة قبل الحرب، ليس فقط باعتبارها وسيلة للحماية، بل باعتبارها جزءًا من العقيدة القتالية التي تسمح بالحركة والمناورة والاحتفاظ بالقدرة على العمل تحت القصف.

وقد ركز جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال الحرب على استهداف هذه الشبكة، وأعلن تدمير أعداد كبيرة من الأنفاق والمنشآت تحت الأرض.

ومن المؤكد أن جزءًا من هذه الشبكة تعرض لأضرار كبيرة، وأن قدرة المقاومة على استخدامها كما كانت قبل الحرب قد تراجعت.

لكن تقدير حجم الضرر الكامل يبقى صعبًا، نظرًا لطبيعة هذه الشبكة السرية، وعدم توفر معلومات مستقلة شاملة حول ما بقي منها وما تم تعطيله.

رابعاً: الخسارة الاقتصادية والإدارية

كانت إدارة قطاع غزة قبل الحرب تعتمد على وجود جهاز حكومي وأمني ومدني تديره حركة حماس منذ عام 2007.

لكن الحرب أدت إلى تراجع كبير في قدرة هذا الجهاز على العمل، بسبب:

  • تدمير عدد واسع من المباني الحكومية والمقار الإدارية.
  • فقدان العديد من الموظفين ومراكز تقديم الخدمات.
  • صعوبة تحصيل الموارد وإدارة المؤسسات في ظل الدمار والحصار.
  • انتقال الأولوية من إدارة المجتمع إلى التعامل مع متطلبات الحرب والنجاة الإنسانية.

وبذلك فقدت المقاومة جزءًا كبيرًا من نموذج الحكم الذي كانت تديره قبل الحرب، وأصبحت عملية الإدارة تعتمد بدرجة أكبر على ترتيبات مؤقتة ومرنة بدل المؤسسات الرسمية السابقة.

خامساً: الخسارة الشعبية والاجتماعية

يمثل الجانب الشعبي أحد أكثر الملفات تعقيدًا في تقييم آثار الحرب.

فمن جهة، أدت الحرب إلى دمار واسع وأزمة إنسانية كبيرة، وهو ما صنع ضغوطًا اجتماعية هائلة على جميع الأطراف داخل القطاع، بما فيها المقاومة.

ومن جهة أخرى، فإن قياس موقف المجتمع الغزي من المقاومة بعد الحرب ليس أمرًا بسيطًا، إذ تتداخل فيه عوامل متعددة: حجم المعاناة، طبيعة الصراع، الموقف من الاحتلال، تقييم قرار الحرب، والخلافات السياسية الداخلية.

لذلك لا يمكن الجزم بوجود اتجاه شعبي واحد ثابت؛ فالمواقف تختلف وتتغير وفق الظروف، كما أن قياس الرأي العام في ظل الحرب والدمار يبقى مسألة معقدة.

سادساً: التحول من التنظيم المركزي إلى العمل اللامركزي

من أبرز التحولات التي طرأت على المقاومة انتقالها من نموذج أكثر مركزية إلى نمط يعتمد بدرجة أكبر على اللامركزية.

فقبل الحرب كانت المقاومة تمتلك بنية واضحة نسبيًا: قيادة، مناطق عسكرية، مراكز تدريب، مواقع تخزين، وشبكة اتصال وتنظيم.

أما بعد الضربات الواسعة، فقد أصبح الحفاظ على هذه البنية أكثر صعوبة، ما دفعها إلى الاعتماد على خلايا ومجموعات أصغر تعمل بمرونة أكبر.

وهذا التحول يمثل خسارة من زاوية القدرة على الإدارة والسيطرة، لكنه قد يمنح التنظيمات المسلحة قدرة أكبر على الاستمرار في بيئة تتعرض فيها المراكز الرئيسية للاستهداف.

خسائر كبيرة دون حسم نهائي

خسرت المقاومة بعد الحرب جزءًا كبيرًا من البنية التي قامت عليها تجربتها في قطاع غزة قبل السابع من أكتوبر؛ فقد تضررت مؤسسات الحكم، وخسرت قيادات وعناصر، وتعرضت بنيتها العسكرية لضربات واسعة، وتراجعت قدرتها على إدارة القطاع بالشكل السابق.

لكن في المقابل، لا يعني حجم هذه الخسائر بالضرورة انتهاء وجودها أو قدرتها على التأثير، إذ أظهرت الحروب غير المتكافئة تاريخيًا أن التنظيمات المسلحة قد تفقد جزءًا كبيرًا من بنيتها دون أن تختفي بالضرورة.

ولهذا فإن التقييم الأدق ليس: هل انتهت المقاومة أم انتصرت؟ بل: ما الشكل الجديد الذي ستتخذه بعد هذه الخسائر؟ وهل ستتمكن من إعادة بناء نفوذها ضمن واقع سياسي وعسكري مختلف؟

الفصل الخامس: ماذا بقي مع المقاومة؟ بين الخسائر العسكرية واستمرار القدرة على البقاء

بعد دراسة حجم الخسائر التي تعرضت لها المقاومة خلال الحرب، يبقى السؤال الأهم: هل أدت هذه الخسائر إلى إنهاء وجودها وقدرتها على العمل؟ أم أنها انتقلت إلى مرحلة جديدة تختلف عن المرحلة التي سبقت الحرب؟

إن الإجابة على هذا السؤال تحتاج إلى الابتعاد عن القراءات الثنائية التي تختزل المشهد في انتصار كامل أو هزيمة كاملة. فالتنظيمات المسلحة في الحروب الطويلة لا تُقاس فقط بحجم ما فقدته، وإنما أيضًا بقدرتها على الاحتفاظ بعناصر البقاء وإعادة تنظيم صفوفها تحت الضغط.

وبحسب المعطيات المتاحة، فإن المقاومة تعرضت لضربات كبيرة على مستوى القيادة والبنية العسكرية والإدارية، لكنها لم تختفِ كتنظيم، ولم تفقد كل أدواتها. بل انتقلت من نموذج السيطرة والإدارة الواسعة إلى نموذج أكثر اعتمادًا على البقاء، والعمل المرن، والقدرة على الاستنزاف.

وهنا تبرز العناصر التي بقيت معها بعد الحرب.

أولاً: استمرار الهيكل التنظيمي

من أهم عناصر بقاء المقاومة قدرتها على الحفاظ على حد أدنى من الهيكل التنظيمي رغم الضربات التي تعرضت لها.

فالتنظيمات التي تخوض حروبًا طويلة لا تعتمد فقط على المقرات الثابتة أو القيادات الظاهرة، بل تمتلك عادة شبكات داخلية قادرة على التكيف مع ظروف الاستهداف.

وقد أدت الحرب إلى إضعاف البنية المركزية للمقاومة، لكنها لم تؤدِّ بالضرورة إلى انهيار كامل للهيكل التنظيمي، إذ استمرت مجموعات وعناصر في العمل ضمن أنماط أكثر مرونة وأقل ظهورًا.

وهذا التحول يعني أن المقاومة فقدت جزءًا من قدرتها على الإدارة العلنية، لكنها احتفظت بقدرة تنظيمية تسمح لها بالاستمرار.

ثانياً: القيادة

تمثل القيادة أحد أهم عناصر أي تنظيم عسكري، وقد تعرضت المقاومة لخسائر كبيرة في هذا الجانب، سواء عبر استهداف قيادات سياسية أو عسكرية خلال الحرب.

لكن فقدان عدد من القيادات لا يعني بالضرورة انتهاء القيادة، فالتنظيمات التي تمتلك خبرة طويلة تعمل عادة على إيجاد بدائل، وإعادة توزيع المسؤوليات، وإنشاء مستويات قيادية جديدة.

ويبقى حجم التأثير الحقيقي لهذه الخسائر مرتبطًا بقدرة المقاومة على تعويض الخبرات التي فقدتها، والحفاظ على وحدة القرار الداخلي.

ثالثاً: السلاح والقدرة العسكرية

رغم الضربات الواسعة التي استهدفت مخازن السلاح والمواقع العسكرية ومنظومات الإطلاق، بقي لدى المقاومة جزء من قدراتها العسكرية.

وقد تغير شكل استخدام السلاح مقارنة ببداية الحرب؛ فبعد أن كانت تمتلك القدرة على تنفيذ عمليات واسعة ومنظمة، أصبحت تعتمد بدرجة أكبر على أساليب أقل ظهورًا وأكثر ملاءمة لظروف الاستهداف المستمر.

وتبقى القدرة العسكرية الفعلية بعد الحرب مرتبطة بعوامل عدة، منها حجم المخزون المتبقي، والقدرة على التصنيع أو التعويض، وإمكانية الحصول على الإمدادات.

رابعاً: الأنفاق كعنصر قوة متبقٍ

رغم تركيز الاحتلال على تدمير شبكة الأنفاق، فإن الأنفاق بقيت أحد العناصر الأساسية في طبيعة القتال داخل غزة.

فقد تضررت أجزاء كبيرة منها، لكن طبيعة هذه الشبكات تجعل تحديد حجم الضرر الكامل أمرًا صعبًا. كما أن استمرار استخدامها خلال مراحل مختلفة من الحرب يشير إلى أن جزءًا منها بقي فعالًا.

وتتمثل أهمية الأنفاق ليس فقط في التخزين أو الحركة، بل في منح المقاومة قدرة على الاختفاء والمناورة والعمل بعيدًا عن التفوق الجوي الإسرائيلي.

خامساً: القدرة على خوض حرب العصابات

من أبرز العناصر التي بقيت لدى المقاومة قدرتها على التحول إلى نمط حرب العصابات.

فبعد فقدان السيطرة على مساحات واسعة وتضرر البنية العسكرية التقليدية، أصبحت طبيعة المواجهة أقرب إلى عمليات صغيرة ومتفرقة تعتمد على:

  • الكمائن.
  • الهجمات المباغتة.
  • استهداف القوات المتقدمة.
  • استخدام البيئة الحضرية.
  • الحركة ضمن مجموعات محدودة.

وهذا النوع من القتال لا يحتاج بالضرورة إلى بنية عسكرية ضخمة، بل يعتمد على الانتشار، والمعرفة بالبيئة، والقدرة على الصمود لفترة طويلة.

سادساً: ورقة الأسرى

كان ملف الأسرى أحد أهم الأوراق التي امتلكتها المقاومة منذ الساعات الأولى لعملية السابع من أكتوبر، إذ شكل عامل ضغط سياسي وعسكري كبير على إسرائيل، ودفعها إلى الدخول في مفاوضات مباشرة وغير مباشرة عبر الوسطاء.

وقد تحولت قضية الأسرى من نتيجة ميدانية للعملية إلى ملف مركزي في مسار الحرب، حيث ارتبطت بها اتفاقات الهدنة وتبادل الأسرى، وأصبحت جزءًا أساسيًا من أي نقاش يتعلق بوقف إطلاق النار أو الترتيبات المستقبلية.

لكن مع مرور الوقت وإتمام صفقات التبادل والإفراج عن عدد من المحتجزين، تراجعت أهمية هذه الورقة مقارنة بالمرحلة الأولى من الحرب، ولم تعد بنفس الحجم أو التأثير الذي كانت عليه في بدايتها.

ومع ذلك، بقي ملف الأسرى عنصرًا حاضرًا في المعادلة السياسية، سواء من خلال ما تبقى من محتجزين، أو من خلال ارتباطه بالمفاوضات النهائية، أو باعتباره أحد الملفات التي تؤثر في حسابات الطرفين.

وبالتالي فإن تقييم هذا الملف يجب أن يكون واقعيًا: فقد كان من أقوى أوراق المقاومة في بداية الحرب، لكنه فقد جزءًا من قيمته التفاوضية مع مرور الوقت، دون أن يختفي تأثيره بالكامل. وقد تلجأ له المقاومة كوسيلة ضغط مستمرة كلما تمكنت من أسر أسرى إسرائيليين.

سابعاً: الحاضنة الاجتماعية

تعد الحاضنة الاجتماعية من العناصر المهمة في بقاء أي حركة مقاومة، لأنها توفر البيئة البشرية التي تعمل داخلها.

لكن تقييم وضع الحاضنة بعد الحرب ليس أمرًا بسيطًا؛ فالحرب خلفت دمارًا ومعاناة واسعة، وأثرت في مواقف شرائح مختلفة من المجتمع.

ومع ذلك، فإن استمرار وجود بيئة اجتماعية فلسطينية رافضة للاحتلال، إلى جانب عوامل الهوية والصراع التاريخي، يجعل من الصعب اختزال علاقة المجتمع بالمقاومة في موقف واحد ثابت. وهذا ما يفسر تعثر مشروع العملاء في القطاع.

ثامناً: القدرة على التجنيد وإعادة البناء

من أهم الأسئلة المستقبلية: هل تستطيع المقاومة تعويض خسائرها البشرية والعسكرية؟

التجارب التاريخية تشير إلى أن التنظيمات التي تمتلك قاعدة فكرية وتنظيمية قد تكون قادرة على إعادة بناء نفسها بعد خسائر كبيرة، لكن ذلك يعتمد على البيئة السياسية والأمنية التي ستنشأ بعد الحرب.

فقدرة المقاومة على التجنيد وإعادة التنظيم ستتأثر بعوامل عديدة، منها:

  • شكل الحكم في غزة مستقبلًا.
  • مستوى الحصار أو الانفتاح.
  • موقف القوى الإقليمية والدولية.
  • حجم الدمار الذي أصاب المجتمع.

لم تنتهِ، لكنها تغيرت   

لا تشير المعطيات المتاحة إلى انتهاء المقاومة كتنظيم، لكنها أيضًا لا تعني بقاءها كما كانت قبل الحرب.

فالمقاومة فقدت جزءًا كبيرًا من قدرتها على الحكم والإدارة العلنية، وتضررت بنيتها العسكرية، وخسرت قيادات ومواقع مهمة، لكنها احتفظت بعناصر أساسية للبقاء: التنظيم، والكوادر، والسلاح، والقدرة على العمل المسلح، والأوراق السياسية.

وبذلك يمكن القول إن الحرب لم تُنهِ المقاومة، لكنها أجبرتها على الانتقال من مرحلة امتلاك مشروع حكم وسلطة عسكرية شبه معلنة إلى مرحلة جديدة عنوانها: البقاء، وإعادة التنظيم، والصراع على شكل المستقبل.

 

الفصل السادس: ماذا ربحت المقاومة؟  المكاسب الاستراتيجية في مقابل الخسائر الميدانية

كما أن تقييم الحروب لا يكون فقط بحجم الخسائر التي يتكبدها طرف ما، فإنه لا يكتمل أيضًا بالنظر إلى ما فقده دون دراسة ما حققه من مكاسب أو تحولات استراتيجية.

فقد تعرضت المقاومة خلال الحرب لضربات قاسية على مستويات متعددة، لكن ذلك لا يلغي أن المواجهة أحدثت تغيرات سياسية وإقليمية وإعلامية تجاوزت حدود القطاع، وأعادت تشكيل طريقة تعامل العالم مع القضية الفلسطينية.

وهنا لا يُقصد الحديث عن “انتصار مطلق” أو تجاهل حجم الدمار والخسائر، وإنما دراسة النتائج التي ظهرت خلال الحرب وبعدها، سواء على مستوى كيان “إسرائيل” أو القضية الفلسطينية أو البيئة الدولية.

أولاً: إعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام العالمي

من أبرز النتائج السياسية للحرب أنها أعادت القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي بعد سنوات شهدت فيها تراجعًا نسبيًا في الحضور السياسي والإعلامي العالمي.

فخلال السنوات التي سبقت الحرب، انشغلت المنطقة بملفات أخرى، بينما تراجعت القضية الفلسطينية في أولويات العديد من القوى الدولية. إلا أن أحداث السابع من أكتوبر وما تبعها من حرب واسعة أعادت الملف الفلسطيني إلى واجهة النقاش العالمي.

وأصبحت قضايا مثل الاحتلال، والاستيطان، ووضع غزة، ومستقبل الحل السياسي، موضوعات رئيسية في النقاشات الدولية، سواء بين الحكومات أو المؤسسات الدولية أو الرأي العام العالمي.

ثانياً: التأثير على صورة الردع الإسرائيلي

كانت إحدى أهم النتائج التي أحدثتها عملية السابع من أكتوبر أنها ألحقت ضررًا بصورة التفوق الأمني الإسرائيلي، خصوصًا فيما يتعلق بقدرة كيان الاحتلال على منع الهجمات وحماية حدودها.

فقد كشفت العملية وجود ثغرات في منظومة الأمن والاستخبارات، وأظهرت أن التفوق العسكري والتكنولوجي لا يعني القدرة على منع كل أشكال التهديد.

ولا يعني ذلك انتهاء التفوق الإسرائيلي العسكري، فهو ما زال يمتلك فارقًا كبيرًا في القدرات، لكنه يعني أن صورة “الجيش الذي لا يُخترق” تعرضت لضربة كبيرة، وهو ما انعكس على النقاشات الداخلية الإسرائيلية حول كفاءة المؤسسة الأمنية والعسكرية.

ثالثاً: استنزاف الاحتلال الإسرائيلي عسكريًا واقتصاديًا

من المكاسب التي يمكن رصدها للمقاومة أن الحرب فرضت على الاحتلال مواجهة طويلة ومكلفة على مستويات متعددة.

فعسكريًا، اضطرت “إسرائيل” إلى تعبئة واسعة لقوات الاحتياط، وتنفيذ عمليات ممتدة في بيئة حضرية معقدة، وتحمل خسائر بشرية ومادية خلال فترة طويلة.

واقتصاديًا، تسببت الحرب في أعباء كبيرة مرتبطة بالإنفاق العسكري، وتعويضات الأضرار، وتأثيرات التعبئة العسكرية على قطاعات مختلفة من الاقتصاد.

لكن حجم هذا الاستنزاف يجب وضعه في سياقه؛ فما يسمى “إسرائيل”، رغم التكاليف المرتفعة، تمتلك اقتصادًا قويًا ودعمًا دوليًا واسعًا، ولذلك فإن الحديث عن استنزاف لا يعني انهيارًا اقتصاديًا، بل ارتفاع كلفة الحرب عليها.

رابعاً: نقل الحرب إلى داخل المجتمع الإسرائيلي

من النتائج المهمة للحرب أنها لم تبقَ مواجهة عسكرية خارج الحدود، بل انتقلت آثارها إلى الداخل الإسرائيلي.

فقد ظهرت نقاشات واسعة داخل المجتمع الإسرائيلي حول مسؤولية القيادة السياسية والعسكرية عن أحداث السابع من أكتوبر، وحول إدارة الحرب، وملف الأسرى، ومستقبل العلاقة مع قطاع غزة.

كما ظهرت انقسامات داخلية حول أهداف الحرب ومدى القدرة على تحقيقها، وهو ما جعل الحرب قضية داخلية إسرائيلية بقدر ما كانت مواجهة خارجية.

خامساً: التأثير على المسار السياسي الإقليمي

أثرت الحرب على عدد من المسارات السياسية التي كانت تتشكل في المنطقة، خصوصًا فيما يتعلق بموجة التطبيع والعلاقات الإقليمية.

فقد أدت الحرب إلى إعادة ترتيب الأولويات السياسية لدى العديد من الدول، وأعادت القضية الفلسطينية إلى حسابات الحكومات والشعوب بعد فترة كانت فيها ملفات العلاقات الإقليمية والاقتصادية تتقدم على الملف الفلسطيني.

لكن تأثير الحرب على هذه المسارات لا يزال مرتبطًا بالتطورات السياسية اللاحقة، ولا يمكن الجزم بأنها أوقفت جميع مسارات التطبيع بشكل نهائي، بل يمكن القول إنها عطلت أو أعادت تشكيل بعضها.

سادساً: رفع الكلفة السياسية والأمنية للاحتلال

أظهرت الحرب أن استمرار السيطرة على قطاع غزة أو إدارة الصراع دون حل سياسي يفرض كلفة متزايدة على الاحتلال.

فقد أصبحت مسألة الأمن الإسرائيلي مرتبطة ليس فقط بالقدرة العسكرية، بل أيضًا بالأسئلة السياسية المتعلقة بمستقبل غزة، وطبيعة العلاقة مع الفلسطينيين، ومدى إمكانية استمرار الوضع السابق.

ومن هذه الزاوية، حققت المقاومة هدفًا استراتيجيًا يتمثل في جعل القضية الفلسطينية مرة أخرى جزءًا أساسيًا من الحسابات الإقليمية والدولية.

سابعاً: المكسب الرمزي والمعنوي

إلى جانب النتائج السياسية والعسكرية، أحدثت الحرب تحولًا في الصورة الذهنية للصراع.

فبعد سنوات من تقديم الصراع باعتباره ملفًا أمنيًا محدودًا يمكن احتواؤه، أعادت الحرب إبراز طبيعته السياسية والتاريخية، وأظهرت أن القضية لم تفقد قدرتها على إنتاج أحداث كبرى تؤثر في المنطقة والعالم.

لكن هذا المكسب الرمزي يبقى مرتبطًا بقدرة الفلسطينيين على تحويل الاهتمام الدولي إلى نتائج سياسية عملية، وليس الاكتفاء بالتأثير الإعلامي أو المعنوي.

مكاسب لا تلغي الخسائر

يمكن القول إن المقاومة خرجت من الحرب بخسائر عسكرية وإدارية كبيرة، لكنها حققت مجموعة من المكاسب الاستراتيجية التي غيرت بيئة الصراع.

فقد أعادت القضية الفلسطينية إلى الواجهة، وأثرت على صورة الردع الإسرائيلي، وفرضت كلفة سياسية واقتصادية وأمنية على الاحتلال، وأعادت تشكيل النقاش الإقليمي والدولي حول مستقبل الصراع.

لكن هذه المكاسب لا تعني حسم المعركة، كما أن الخسائر لا تعني انتهاء المقاومة؛ فالحرب تركت واقعًا جديدًا، والسؤال الأساسي أصبح: كيف سيستثمر كل طرف ما بقي لديه بعد هذه المواجهة الطويلة؟

الفصل السابع: لماذا قبلت حماس التخلي عن إدارة غزة؟ بين التخلي عن السلطة وإعادة التموضع السياسي

يمثل الحديث عن استعداد حركة حماس للتخلي عن إدارة قطاع غزة أحد أبرز التحولات السياسية التي ظهرت خلال مسار الحرب، لأنه يفتح بابًا واسعًا لفهم طبيعة المرحلة المقبلة، وما إذا كان هذا التطور يمثل تراجعًا من جانب الحركة، أم إعادة صياغة لدورها في ظل المتغيرات الجديدة.

لكن قراءة هذا التطور تحتاج إلى الفصل بين مفهومين غالبًا ما يجري الخلط بينهما: إدارة القطاع والمقاومة المسلحة.

فالتخلي عن إدارة الشؤون المدنية لا يعني بالضرورة التخلي عن المشروع السياسي أو إنهاء الوجود التنظيمي، كما لا يعني تلقائيًا التخلي عن السلاح أو إنهاء العمل العسكري. فهذه ملفات مختلفة، وقد اختلطت خلال السنوات الماضية بسبب كون حركة حماس جمعت بين دور الحركة السياسية ودور السلطة الحاكمة والجناح العسكري المقاوم.

ومن هنا فإن السؤال الأساسي ليس: هل انتهت حماس؟ بل: ما طبيعة التحول الذي تقبله الحركة؟ وهل هو تنازل استراتيجي أم إعادة تموضع فرضتها ظروف الحرب؟

أولاً: الفصل بين الحكم والمقاومة

منذ سيطرتها على قطاع غزة عام 2007، واجهت حماس معادلة معقدة؛ فهي من جهة حركة مقاومة مسلحة، ومن جهة أخرى سلطة تدير مجتمعًا كاملًا تحت ظروف الحصار والصراع المستمر.

وقد جعل هذا الجمع بين السلطة والمقاومة الحركة تتحمل أعباء متعددة: إدارة الخدمات، والحفاظ على الأمن الداخلي، وإدارة المؤسسات، وفي الوقت نفسه خوض المواجهة مع الاحتلال.

بعد الحرب، أصبحت هذه المعادلة أكثر صعوبة؛ فقد تضررت البنية الحكومية، وتعرضت المؤسسات الإدارية للدمار، وأصبحت إدارة القطاع مسؤولية شديدة التعقيد في ظل حجم الدمار والاحتياجات الإنسانية.

لذلك فإن فصل الإدارة المدنية عن العمل العسكري قد يمثل محاولة لإعادة ترتيب الأدوار، بحيث لا تكون مسؤولية إدارة المجتمع عائقًا أمام استمرار الدور السياسي أو العسكري للحركة.

ثانياً: هل التخلي عن الإدارة يعني الهزيمة؟

من الخطأ اختزال التخلي عن إدارة غزة في كونه إعلان هزيمة أو نهاية للمشروع السياسي؛ فالتنظيمات والحركات قد تتغير أدوارها بحسب الظروف.

فقد تفقد حركة ما السيطرة المباشرة على الحكم، لكنها تحتفظ بوجودها التنظيمي أو السياسي أو العسكري.

وفي المقابل، لا يمكن اعتبار هذا القرار مجرد خطوة تكتيكية دون ثمن؛ إذ إن فقدان إدارة القطاع يعني خسارة أحد أهم مصادر النفوذ التي امتلكتها الحركة منذ عام 2007، ويطرح تحديات تتعلق بدورها داخل المجتمع الفلسطيني مستقبلًا.

وبالتالي فإن التخلي عن الإدارة يحمل جانبين متناقضين:

  • خسارة موقع السلطة المباشرة.
  • إمكانية تخفيف الأعباء التي فرضتها مسؤولية الحكم، وإعادة التركيز على أدوار أخرى.

ثالثاً: هل هو تنازل أم إعادة تموضع؟

يمكن قراءة هذا التطور من أكثر من زاوية.

1 .  بوصفه تنازلًا سياسيًا

قد يرى البعض أن قبول الحركة بعدم إدارة غزة يمثل تراجعًا عن موقع سياسي امتلكته لسنوات، خصوصًا إذا جاء ضمن ترتيبات تفرضها أطراف خارجية أو نتيجة لضغوط عسكرية وسياسية.

فالحكم كان يمثل ورقة نفوذ مهمة، والتخلي عنه يعني فقدان القدرة المباشرة على إدارة المؤسسات والموارد والقرار التنفيذي داخل القطاع.

2. بوصفه إعادة تموضع

في المقابل، يمكن النظر إليه باعتباره انتقالًا من نموذج “الحركة الحاكمة” إلى نموذج “الحركة المؤثرة خارج السلطة المباشرة”.

فالتجارب التاريخية تظهر أن بعض الحركات المسلحة أو السياسية قد تتخلى عن إدارة مناطق أو حكومات دون أن يعني ذلك انتهاء وجودها، بل قد تسعى إلى إعادة بناء نفوذها من موقع مختلف.

3. بوصفه ورقة تفاوضية

وقد يكون الإعلان أيضًا جزءًا من مسار تفاوضي يهدف إلى تقديم مرونة سياسية، وإزالة أحد أبرز الاعتراضات الدولية والإقليمية المتعلقة بمستقبل إدارة غزة.

أي أن الحركة قد تستخدم الفصل بين الإدارة المدنية والعمل العسكري كصيغة تسمح لها بالحفاظ على بعض عناصر نفوذها، مع تقديم تنازل في ملف الحكم.

رابعاً: ماذا تقول هذه الخطوة عن مستقبل المقاومة؟

الجانب الأهم في هذا التطور هو أن مستقبل المقاومة لا يرتبط فقط بمن يدير المؤسسات المدنية، بل بطبيعة الترتيبات السياسية والأمنية التي ستنشأ بعد الحرب.

فالسؤال الأساسي سيكون:

هل سيكون التخلي عن الإدارة مقدمة لنزع سلاح المقاومة وإنهاء دورها العسكري؟

أم أنه سيكون مجرد فصل بين مسؤولية الحكم وبين استمرار الحركة كقوة سياسية وعسكرية؟

وهنا تظهر نقطة الخلاف الأساسية؛ إذ ترى “إسرائيل” وبعض الأطراف الدولية أن إنهاء الحرب يجب أن يؤدي إلى إنهاء قدرة حماس العسكرية، بينما ترى الحركة أن التخلي عن الإدارة لا يعني التخلي عن حقها في الوجود أو أدواتها العسكرية.

خامساً: لماذا قد تقبل الحركة بهذا الخيار؟

هناك عدة أسباب محتملة قد تدفع حماس إلى قبول التخلي عن إدارة غزة:

  1.  حجم الدمار وتغير الواقع الإداري

إدارة قطاع مدمر بعد حرب واسعة تمثل عبئًا ضخمًا، وقد تحتاج إلى ترتيبات أوسع من قدرة أي فصيل منفرد.

  •  الضغوط الدولية والإقليمية

منذ بداية الحرب، كان مستقبل إدارة غزة بعد توقف القتال أحد الملفات الأساسية في النقاشات الدولية، وظهرت ضغوط باتجاه صيغة لا تكون فيها حماس مسؤولة مباشرة عن الإدارة المدنية.

  • الحفاظ على الدور السياسي

قد ترى الحركة أن الفصل بين الإدارة والمقاومة يمنحها فرصة للحفاظ على وجودها السياسي والتنظيمي بدل تحمل مسؤولية حكم في ظروف بالغة الصعوبة.

نهاية الحكم أم نهاية الدور؟

إن التنازل عن إدارة قطاع غزة لا يعني بالضرورة انتهاء حضور الحركة، لكنه قد يمثل تحولًا استراتيجيًا بالغ الأثر في طبيعة نفوذها. ففي قطاع صغير المساحة، شديد الحصار، كثيف الرقابة، لا تنفصل القوة العسكرية عن البيئة السياسية والإدارية التي توفر لها مساحة الحركة وإدارة المجتمع. ومن ثم فإن فقدان إدارة القطاع قد يعني خسارة أدوات مؤثرة في صناعة القرار، وتوجيه الموارد، والتأثير في المؤسسات، وربط العمل العسكري بحاضنة سياسية وإدارية. كما أن أي سلطة جديدة قد تمتلك من الصلاحيات والإمكانات ما يحد من قدرة الحركة على إعادة بناء نفوذها أو توظيف مقدرات القطاع لخدمة مشروعها، خاصة إذا ارتبط ذلك بترتيبات أمنية ورقابية مشددة. لذلك فإن السؤال لا يتعلق بمجرد التخلي عن عبء الإدارة، وإنما بما إذا كان هذا التخلي سيقود إلى تراجع تدريجي في القدرة على التأثير، في بيئة جغرافية مغلقة لا تتيح تعدد مراكز النفوذ كما هو الحال في الساحات الواسعة. ومن هنا تبدو معادلة الحكم في غزة أبعد من كونها مسألة إدارية؛ فهي تمس جانبًا مهمًا من معادلة الحضور السياسي والعسكري على المدى البعيد.

ومع ذلك فإن إعلان التخلي عن إدارة قطاع غزة لا يعني بالضرورة نهاية حركة حماس، كما لا يعني تلقائيًا نهاية المقاومة.

فالتحول الأساسي هو الانتقال من نموذج جمع السلطة والإدارة والعمل العسكري في يد جهة واحدة، إلى نموذج يفصل بين إدارة المجتمع وبين دور الحركة في الصراع السياسي والعسكري.

لكن نجاح هذا التحول أو فشله يعتمد على ما سيأتي بعده: طبيعة الاتفاقات السياسية، وموقف “إسرائيل”، ودور القوى الإقليمية والدولية، وقدرة حماس على إعادة تعريف موقعها في المرحلة الجديدة.

وبذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل خرجت حماس من الحكم؟

بل: هل سيكون خروجها من الإدارة المدنية بداية لإعادة بناء دور جديد، أم بداية لتراجع نفوذها في غزة؟

 

الفصل السابع: أين وصلت المقاومة اليوم؟ تقييم شامل بعد الحرب

بعد استعراض مسار الحرب، وحجم الخسائر التي تعرضت لها المقاومة، والعناصر التي بقيت لديها، يصبح السؤال المركزي: أين وصلت المقاومة بعد هذه المواجهة الطويلة؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تكون من خلال شعار واحد؛ فلا يمكن اختزال المشهد في صورة “انتصار كامل” يتجاهل حجم الأضرار، ولا في صورة “انهيار كامل” تتجاهل قدرة المقاومة على البقاء والاستمرار.

فالحروب الكبرى تترك الأطراف في حالة مركبة؛ يخسرون عناصر، ويحافظون على عناصر أخرى، وتتغير طبيعة قوتهم وأدواتهم. ولذلك فإن تقييم وضع المقاومة اليوم يحتاج إلى قراءة متعددة الأبعاد: عسكريًا، وسياسيًا، وتنظيميًا، وشعبيًا، وإقليميًا.

أولاً: الوضع العسكري

عسكريًا، تعرضت المقاومة لخسائر كبيرة مقارنة بوضعها قبل الحرب.

فقد فقدت جزءًا كبيرًا من بنيتها العسكرية التقليدية، وتضررت مواقعها ومنشآتها، واستُهدفت قيادات وعناصر مهمة، كما تعرضت شبكة الأنفاق والقدرات الصاروخية لضربات واسعة.

كما لم تعد تعمل في البيئة نفسها التي كانت موجودة قبل السابع من أكتوبر؛ فقد انتقلت من وضع امتلاك بنية عسكرية مستقرة داخل قطاع تديره، إلى وضع أكثر تعقيدًا يعتمد على الانتشار والمرونة والعمل تحت الضغط.

لكن في المقابل، لم تؤدِّ الحرب إلى اختفاء القدرة العسكرية للمقاومة. فقد استمرت عملياتها في مراحل مختلفة من الحرب، وبقيت قادرة على تنفيذ هجمات وعمليات استنزاف، ما يشير إلى احتفاظها بحد أدنى من القدرة القتالية.

وعليه، فإن الصورة العسكرية الأقرب للواقع هي: تضرر كبير في البنية، مع بقاء قدرة على الاستمرار في القتال.

ثانياً: الوضع السياسي

سياسيًا، تمر المقاومة بمرحلة مختلفة تمامًا عن مرحلة ما قبل الحرب.

فقد كانت قبل السابع من أكتوبر تسيطر على قطاع غزة وتمتلك سلطة إدارية كاملة، أما بعد الحرب فأصبحت تواجه سؤالًا مركزيًا حول مستقبل دورها في إدارة القطاع وشكل مشاركتها في النظام السياسي الفلسطيني.

ومن أبرز خسائرها السياسية فقدان نموذج الحكم المباشر، وتعرضها لضغوط إقليمية ودولية تطالب بإعادة تشكيل إدارة غزة.

لكن في المقابل، نجحت الحرب في إعادة القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي، وأصبحت المقاومة طرفًا أساسيًا في أي نقاش يتعلق بمستقبل القطاع، وهو ما يعني أنها لم تخرج من المعادلة السياسية.

وبالتالي فإن وضعها السياسي اليوم يقوم على معادلة معقدة:

  • فقدان السيطرة الإدارية السابقة.
  • استمرار الحضور كطرف لا يمكن تجاوزه بسهولة.

ثالثاً: الوضع التنظيمي

تنظيميًا، تعرضت المقاومة لاختبار صعب بسبب حجم الضربات التي استهدفت بنيتها القيادية والعسكرية.

فقد تضررت مراكز القيادة، وفقدت عددًا من الكوادر، واضطرت إلى الانتقال من نموذج أكثر مركزية إلى نموذج يعتمد بدرجة أكبر على اللامركزية والمرونة.

لكن التنظيمات التي تمتلك تاريخًا طويلًا لا تُقاس فقط بمستوى بنيتها العلنية، بل بقدرتها على إعادة ترتيب صفوفها واستبدال العناصر التي فقدتها.

ولهذا فإن التقييم الحالي يشير إلى أن المقاومة فقدت جزءًا من قدرتها التنظيمية السابقة، لكنها لم تفقد وجودها التنظيمي.

والسؤال المستقبلي سيكون: هل تستطيع إعادة بناء هيكل أكثر قدرة على التكيف مع البيئة الجديدة؟

رابعاً: الوضع الشعبي

يمثل العامل الشعبي أحد أكثر الجوانب صعوبة في التقييم.

فالحرب أوجدت واقعًا إنسانيًا بالغ القسوة، وأدت إلى دمار واسع ونزوح ومعاناة كبيرة، وهو ما جعل العلاقة بين المجتمع والمقاومة أكثر تعقيدًا.

ولا يمكن اختزال موقف سكان غزة في اتجاه واحد؛ فهناك عوامل متعددة تؤثر في المواقف الشعبية، منها:

  • حجم المعاناة الناتجة عن الحرب.
  • الموقف من الاحتلال.
  • تقييم قرار الحرب.
  • الرؤية لمستقبل القطاع.

لذلك فإن الحديث عن فقدان كامل للحاضنة أو استمرار دعم كامل لها لا يعكس تعقيد الواقع.

الأقرب أن المقاومة خرجت من الحرب وهي تواجه بيئة شعبية أكثر تعقيدًا من السابق؛ تحتاج فيها إلى التعامل مع آثار الحرب وإعادة بناء العلاقة مع المجتمع.

خامساً: الوضع الإقليمي

إقليميًا، تغيرت بيئة المقاومة بعد الحرب.

فمن جهة، أدى الصراع إلى تصاعد حضور القضية الفلسطينية في المنطقة، وأعاد ترتيب حسابات عدد من الدول، وأثر على بعض المسارات السياسية التي كانت تتشكل قبل الحرب.

ومن جهة أخرى، واجهت المقاومة ضغوطًا أكبر، خصوصًا فيما يتعلق بمستقبل غزة، ودورها السياسي، والعلاقة مع القوى الإقليمية والدولية.

كما أن الحرب أظهرت أن المقاومة جزء من معادلة إقليمية أوسع، لكنها في الوقت نفسه تواجه تحدي الحفاظ على استقلال قرارها وسط تنافس مصالح القوى المختلفة.

الصورة النهائية: لا انتصار مطلق ولا انهيار كامل

بعد هذه القراءة، يمكن رسم صورة أكثر توازنًا لوضع المقاومة اليوم:

فهي ليست في الوضع الذي كانت عليه قبل الحرب؛ فقد فقدت جزءًا كبيرًا من بنيتها العسكرية والإدارية، وخسرت موقع الحكم المباشر، وتعرضت لضربات قيادية وتنظيمية كبيرة.

لكنها في الوقت نفسه لم تختفِ، ولم تفقد كل أدواتها، وما زالت تمتلك حضورًا تنظيميًا وعسكريًا وسياسيًا يجعلها طرفًا أساسيًا في مستقبل غزة.

ولهذا فإن المرحلة الحالية ليست مرحلة انتصار كامل ولا انهيار كامل، بل مرحلة انتقالية تعيد فيها المقاومة تعريف شكل وجودها ودورها.

والسؤال الذي سيحدد مستقبلها ليس فقط: ماذا بقي منها بعد الحرب؟

بل: هل تستطيع تحويل ما بقي لديها إلى قدرة على إعادة البناء والتأثير في المرحلة القادمة؟

الفصل الثامن: الخلاصة

الحرب التي غيرت المعادلة ولم تحسم الصراع

بعد تتبع مسار الحرب منذ ما قبل السابع من أكتوبر، مرورًا ببداية العملية، ومراحل المواجهة العسكرية، والخسائر التي تعرضت لها المقاومة، وما بقي لديها من عناصر قوة، وصولًا إلى التحولات السياسية المرتبطة بمستقبل قطاع غزة؛ يظهر أن هذه الحرب لم تكن مجرد جولة عسكرية جديدة، بل كانت نقطة تحول أعادت تشكيل كثير من معادلات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

فقد دخلت المقاومة الحرب وهي تمتلك بنية عسكرية وتنظيمية تطورت على مدى سنوات، إلى جانب إدارة سياسية ومدنية لقطاع غزة. لكنها خرجت من حرب غير مسبوقة تعرضت خلالها بنيتها لضربات واسعة، وفقدت جزءًا كبيرًا من قدرتها على إدارة القطاع بالصورة التي كانت عليها قبل الحرب.

في المقابل، لم تؤدِّ الحرب إلى إنهاء وجود المقاومة أو اختفائها من المشهد؛ فقد بقي لديها قدر من التنظيم، والقدرة على العمل العسكري، والحضور السياسي، وهو ما جعلها تستمر كطرف مؤثر في أي نقاش يتعلق بمستقبل غزة.

لقد كشفت الحرب في جانب منها حدود القوة الإسرائيلية؛ إذ أظهرت عملية السابع من أكتوبر أن التفوق العسكري والتكنولوجي لا يمنع وقوع اختراقات كبرى، وأن سياسة الاحتواء والردع لم تكن كافية لمنع تحول الصراع إلى مواجهة واسعة.

وفي الجانب الآخر، كشفت الحرب أيضًا الفارق الهائل في موازين القوة، إذ تعرض قطاع غزة لدمار واسع، وتضررت البنية العسكرية والإدارية للمقاومة، وأصبحت أمام تحدي إعادة بناء قدراتها في بيئة سياسية وأمنية مختلفة.

أما إعلان التخلي عن إدارة قطاع غزة، فلا يمكن قراءته بمعزل عن هذه التحولات؛ فهو لا يعني بالضرورة نهاية الحركة أو نهاية المقاومة، بل يعكس محاولة للفصل بين مسؤولية إدارة المجتمع وبين الدور السياسي والعسكري، وهي معادلة ستتحدد نتائجها وفق شكل الترتيبات التي ستنشأ بعد الحرب. ولا شك أنها لن تكون مرحلة سهلة على حركة حماس وفصائل المقاومة.

وبذلك يمكن تلخيص المشهد في عدة نقاط رئيسية:

  • المقاومة خسرت الكثير من بنيتها التي كانت تمتلكها قبل الحرب؛ عسكريًا وإداريًا وتنظيميًا، ولم تعد في الوضع نفسه الذي دخلت به المواجهة.
  • “إسرائيل” حققت أضرارًا كبيرة في قدرات المقاومة، لكنها لم تصل إلى هدف إنهائها بالكامل، وهو ما جعل الحرب تتحول إلى صراع طويل بدل حسم سريع.
  • القضية الفلسطينية استعادت حضورًا عالميًا واسعًا بعد سنوات من التراجع النسبي في الاهتمام الدولي.
  • شكل المقاومة بعد الحرب سيكون مختلفًا عن شكلها قبلها؛ فقد تنتقل من نموذج الحكم المباشر إلى نموذج يعتمد أكثر على العمل السياسي والتنظيمي والعسكري المرن والمحدود.
  • مستقبل غزة سيبقى محور الصراع القادم؛ فمن سيدير القطاع؟ وما موقع المقاومة؟ وكيف ستُعاد صياغة العلاقة بين القوى الفلسطينية والإقليمية والدولية؟

إن الدرس الأبرز من هذه الحرب أن الصراعات الكبرى لا تُحسم فقط بحجم القوة العسكرية، ولا بمجرد السيطرة على الأرض، بل بقدرة الأطراف على تحويل نتائج الحرب إلى واقع سياسي مستقر.

فوفق مبادئ الحروب، دخلت المقاومة الحرب بهدف تغيير معادلة الصراع، و”إسرائيل” دخلتها بهدف استعادة الردع وإنهاء قدرة حماس على تهديدها. وبعد هذه المواجهة الطويلة، لم يتحقق الحسم الكامل لأي طرف، بل نشأت معادلة جديدة تحمل خسائر ومكاسب وتحديات أمام الجميع.

ولهذا فإن المرحلة القادمة لن تكون مجرد مرحلة ما بعد الحرب، بل مرحلة الصراع على تفسير نتائجها، وتحويلها إلى نفوذ سياسي وأمني يحدد شكل المستقبل.

الفصل التاسع: السيناريوهات المحتملة لمستقبل المقاومة وقطاع غزة

بعد أكثر من ألف يوم من الحرب والتحولات الكبرى التي أحدثتها المواجهة، أصبح من الصعب العودة إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل السابع من أكتوبر. فقد تغيرت موازين القوى، وتضررت البنى السياسية والعسكرية، وأصبح مستقبل قطاع غزة والمقاومة مرتبطًا بمجموعة من المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية.

ولا يمكن الجزم بمسار واحد ستتجه إليه الأحداث، لكن يمكن رسم عدد من السيناريوهات الرئيسية التي تعكس الاحتمالات الأكثر حضورًا في المرحلة المقبلة.

السيناريو الأول: اتفاق شامل وإنهاء الحرب

يقوم هذا السيناريو على الوصول إلى اتفاق واسع يشمل وقفًا نهائيًا لإطلاق النار، وترتيبات تتعلق بالأسرى، وإعادة إعمار قطاع غزة، وتحديد شكل الإدارة المستقبلية للقطاع.

وفي هذا السيناريو قد تقبل المقاومة بصيغة جديدة لإدارة غزة تفصل بين السلطة المدنية والعمل العسكري، بينما تسعى الأطراف الدولية والإقليمية إلى إنشاء ترتيبات تمنع عودة الحرب.

لكن نجاح هذا السيناريو يواجه تحديات كبيرة، أبرزها:

  • الخلاف حول مستقبل سلاح المقاومة.
  • طبيعة الجهة التي ستدير القطاع.
  • ضمانات عدم تجدد المواجهة.
  • موقف “إسرائيل” من استمرار وجود حماس كقوة سياسية أو عسكرية.

ولهذا فإن الاتفاق الشامل لا يعتمد فقط على وقف القتال، بل على القدرة على حل الأسئلة الكبرى التي أنتجتها الحرب.

السيناريو الثاني: استمرار حرب الاستنزاف

يقوم هذا السيناريو على استمرار حالة المواجهة دون عودة إلى حرب شاملة واسعة.

وفي هذه الحالة قد تستمر “إسرائيل” في تنفيذ عمليات عسكرية محدودة، واستهداف قيادات وعناصر، وضرب البنية العسكرية للمقاومة، بينما تواصل المقاومة عملياتها بأسلوب أكثر مرونة واعتمادًا على حرب العصابات.

ويمثل هذا السيناريو حالة وسط بين الحرب المفتوحة والتهدئة؛ حيث لا ينجح أي طرف في فرض حسم نهائي، وتتحول المواجهة إلى صراع طويل منخفض الوتيرة.

ومن عوامل استمرار هذا السيناريو:

  • عدم قدرة أي طرف على تحقيق أهدافه كاملة.
  • استمرار الخلاف حول مستقبل غزة.
  • صعوبة الوصول إلى ترتيبات سياسية مقبولة لجميع الأطراف.

لكن كلفته ستكون مرتفعة على سكان القطاع، كما أنه يبقي المنطقة في حالة توتر دائم.

السيناريو الثالث: إدارة فلسطينية للقطاع مع بقاء المقاومة

يقوم هذا السيناريو على فصل إدارة غزة عن وجود المقاومة، بحيث تتولى جهة فلسطينية مدنية أو توافقية مسؤولية إدارة الشؤون اليومية، بينما تبقى المقاومة موجودة كقوة سياسية أو عسكرية بدرجات مختلفة.

وهذا السيناريو يرتبط بالفكرة التي ظهرت خلال الحرب حول ضرورة الفصل بين الحكم المدني والعمل العسكري.

وقد يمثل حلًا وسطًا لبعض الأطراف؛ إذ يسمح بإعادة تشغيل المؤسسات المدنية، ويخفف الضغوط الدولية المتعلقة بحكم غزة، دون أن يعني بالضرورة إنهاء وجود حماس بالكامل.

لكن نجاحه يواجه أسئلة صعبة:

  • من هي الجهة الفلسطينية التي ستدير القطاع؟
  • ما حدود دور المقاومة؟
  • هل ستقبل “إسرائيل” ببقاء قوة عسكرية مستقلة؟
  • هل يمكن تحقيق توافق فلسطيني داخلي حول هذا النموذج؟

ولهذا فإن هذا السيناريو يعتمد على ترتيبات سياسية معقدة أكثر من اعتماده على التطورات العسكرية وحدها.

السيناريو الرابع: عودة الحرب الشاملة

يبقى احتمال تجدد الحرب الواسعة قائمًا إذا فشلت المفاوضات ولم يتم التوصل إلى ترتيبات مقبولة للأطراف المختلفة.

وقد تعود المواجهة الشاملة إذا اعتبرت “إسرائيل” أن المقاومة استعادت جزءًا من قدراتها، أو إذا رأت المقاومة أن استمرار الضغط العسكري يهدد وجودها ودورها.

لكن العودة إلى حرب واسعة ستكون مختلفة عن بداية الحرب؛ إذ سيكون الطرفان قد دخلاها بعد تجربة طويلة من القتال، وبعد تغيرات كبيرة في البنية العسكرية والسياسية.

كما أن هذا السيناريو يحمل مخاطر أكبر على المستوى الإنساني والإقليمي، وقد يؤدي إلى توسع المواجهة خارج قطاع غزة.

أي طريق ستسلكه المرحلة المقبلة؟

تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على أكثر من احتمال، ولا يمكن اختزالها في مسار واحد.

فالاتفاق الشامل يحتاج إلى توافقات سياسية صعبة، والاستنزاف الطويل يبقي الصراع مفتوحًا، والإدارة الفلسطينية مع بقاء المقاومة تحتاج إلى صيغة دقيقة، أما العودة إلى الحرب فتبقى احتمالًا قائمًا إذا فشلت المسارات الأخرى.

والعامل الحاسم لن يكون فقط ما تملكه المقاومة أو ما تملكه “إسرائيل” من قوة، بل قدرة كل طرف على تحويل نتائج الحرب إلى واقع سياسي مستقر.

فالحرب قد تنتهي في الميدان، لكن الصراع على شكل المستقبل سيستمر؛ لأن السؤال الأكبر بعد كل هذه المواجهة ليس فقط: من ربح المعركة؟

بل: من استطاع أن يحدد قواعد المرحلة التي بعدها؟

الخاتمة

ما بعد الحرب: بين نتائج المواجهة وحدود القدرة على الحسم

تكشف قراءة مسار الحرب منذ السابع من أكتوبر أن المواجهة لم تنتهِ إلى صورة بسيطة يمكن اختزالها في انتصار طرف كامل أو هزيمة طرف كامل. فقد أنتجت الحرب واقعًا أكثر تعقيدًا؛ إذ تعرضت المقاومة لضربات عسكرية وسياسية كبيرة، وفقدت جزءًا مهمًا من بنيتها التي بنتها خلال سنوات، بينما لم تتمكن “إسرائيل” رغم تفوقها العسكري الهائل من تحقيق جميع أهدافها المعلنة بصورة كاملة.

لقد أثبتت الحرب أن المقاومة استطاعت إحداث تحول كبير في معادلة الصراع، خصوصًا من خلال الهجوم المفاجئ الذي كشف ثغرات في المنظومة الأمنية الإسرائيلية، وأعاد القضية الفلسطينية إلى واجهة الاهتمام الدولي. لكن هذه النتائج لا تلغي حقيقة أن الحرب كانت ذات كلفة هائلة على قطاع غزة، وأن الفارق الكبير في الإمكانات بين الطرفين أدى إلى خسائر واسعة في البنية البشرية والعمرانية والعسكرية.

وبالنظر إلى وضع المقاومة بعد الحرب، فإن الصورة الأكثر واقعية أنها خرجت من المواجهة أضعف مما كانت عليه قبلها من حيث القدرة على الإدارة والسيطرة العلنية، لكنها لم تختفِ كقوة سياسية أو عسكرية. فقد انتقلت من مرحلة امتلاك سلطة تدير قطاعًا كاملًا إلى مرحلة جديدة عنوانها التكيف وإعادة التموضع والبقاء في بيئة أكثر صعوبة.

أما “إسرائيل”، فقد نجحت في إلحاق أضرار كبيرة بالمقاومة، لكنها واجهت بدورها تحديات استراتيجية؛ فقد تضررت صورة الردع، وظهرت أسئلة داخلية حول كفاءة المؤسسة الأمنية، وأصبحت إدارة الصراع مع غزة أكثر تعقيدًا مما كانت عليه قبل الحرب.

والمرحلة القادمة لن تتحدد فقط بنتائج المعارك العسكرية، بل بالقدرة على إنتاج ترتيبات سياسية قابلة للاستمرار. فمصير قطاع غزة، ومستقبل إدارة الحكم، وطبيعة العلاقة بين الفصائل الفلسطينية والقوى الإقليمية والدولية، كلها عوامل ستحدد شكل المرحلة المقبلة.

ومن المهم إدراك أن الحروب لا تنتهي دائمًا بتحقيق الأهداف القصوى التي يعلنها أطرافها. فقد تبدأ بهدف إسقاط خصم أو فرض معادلة جديدة، ثم تنتهي بتسويات جزئية أو واقع مختلف عما خطط له الجميع. ولذلك فإن الحكم النهائي على نتائج هذه الحرب سيحتاج إلى النظر ليس فقط إلى ما حدث في الميدان، بل إلى ما ستنتجه السنوات التالية من تحولات سياسية وأمنية.

الخلاصة أن السابع من أكتوبر وما تبعه من حرب واسعة غيّرا شكل الصراع، لكنهما لم يحسما مستقبله. فقد خرجت المقاومة بخسائر كبيرة لكنها بقيت موجودة، وخرجت “إسرائيل” بقدرة عسكرية مدمرة لكنها لم تحصل على حسم كامل. وبين هذه الحقيقة وتلك ستتحدد المرحلة القادمة؛ مرحلة سيكون عنوانها الأساسي ليس استمرار الحرب فقط، بل الصراع على صياغة الواقع الذي سيأتي بعدها.

كلمة أخيرة

إن أعظم ما ينبغي أن يخرج به المسلمون من تجربة غزة ليس مجرد التعاطف مع آلامها، ولا الوقوف عند تفاصيل المعركة ونتائجها الظاهرة، بل أن تتحول هذه التجربة إلى مدرسة وعي ومراجعة وبناء. فالأمم لا تنهض بتكرار الأحداث، وإنما باستخلاص السنن والقوانين التي تكشف أسباب القوة والضعف، وعوامل النصر والانكسار.

إن تجربة المقاومة الفلسطينية بما حملته من صمود وتضحيات، وما واجهته من تحديات وتعقيدات، تستحق دراسة عميقة ومتجردة؛ لا تقديساً للتجربة ولا تبخيساً لها، بل بحثاً عن مواضع الإصابة والخطأ، وعن أسباب القصور التي ينبغي تجاوزها، وأسباب النجاح التي يجب تطويرها. فالمطلوب ليس أن تُغلق صفحة غزة مع انتهاء الحرب، وإنما أن تتحول إلى بداية مرحلة جديدة من الوعي والبناء، يدرك فيها المسلمون أن المشاريع الكبرى لا تقوم بالعاطفة وحدها، ولا بالشجاعة المجردة فقط، بل بالعلم، والإعداد، ووحدة الصف، وحسن التخطيط، وفهم الواقع، والقدرة على تحويل التضحيات إلى قوة استراتيجية تحفظ للأمة طريقها نحو المستقبل.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *