تتجاوز المواجهة الدائرة حول اليمن والسعودية حدود الصراع المحلي؛ إذ ترتبط بالتنافس على طرق التجارة والممرات البحرية، وفي مقدمتها البحر الأحمر ومضيق باب المندب وقناة السويس. ويبرز هنا سؤال أساسي: هل أصبح التحكم في هذه الممرات جزءًا من التنافس بين الولايات المتحدة والصين؟
تعتمد التجارة الصينية بدرجة كبيرة على النقل البحري، وتعبر سفنها ممرات استراتيجية مثل مضيق ملقا وباب المندب وقناة السويس. وتقع هذه الطرق، بدرجات متفاوتة، ضمن نطاق نفوذ أمريكي، ما يدفع بكين إلى البحث عن مسارات بديلة وتقليل اعتمادها على الممرات التي يمكن أن تتأثر بالضغوط أو الوجود العسكري الأمريكي.
ومن أبرز المشروعات الصينية في هذا السياق مبادرة «الحزام والطريق»، التي تشمل مسارات برية وبحرية تربط الصين بآسيا الوسطى والشرق الأوسط وأوروبا. ويكتسب المسار البحري أهمية خاصة لأنه يصل الصين بالمحيط الهندي، ثم يمر عبر باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس، وصولًا إلى البحر المتوسط وأوروبا.
وتسعى الصين إلى تعزيز حضورها في الموانئ والبنية التحتية الواقعة على هذه الطرق، بما في ذلك موانئ في باكستان وسريلانكا ومصر وجيبوتي والسعودية والسودان. ويُنظر إلى هذا الحضور على أنه وسيلة لتأمين خطوط الإمداد وتقليل الاعتماد على ترتيبات تهيمن عليها قوى أخرى.
ممر اقتصادي منافس
في المقابل، أُعلن خلال قمة مجموعة العشرين في نيودلهي عام 2023 عن مشروع الممر الاقتصادي الذي يربط الهند بالخليج، ثم بالأردن وفلسطين المحتلة، وصولًا إلى أوروبا. ووفق المسار المقترح، تنتقل البضائع بحرًا من الهند إلى الإمارات، ثم برًا عبر السعودية والأردن إلى ميناء حيفا، قبل أن تُشحن مجددًا إلى أوروبا.
وقد أدت الحرب التي اندلعت في المنطقة إلى تعطيل فرص تنفيذ هذا المشروع، بسبب المخاطر الأمنية التي باتت تحيط بالموانئ وخطوط النقل. كما جعلت الأوضاع في فلسطين المحتلة والمنطقة الاستثمار في هذا المسار أكثر صعوبة، في حين استمر العمل على مسارات مرتبطة بالمبادرة الصينية.
اليمن ومضيق باب المندب
يمثل مضيق باب المندب نقطة محورية في هذه الصورة، نظرًا إلى موقعه عند مدخل البحر الأحمر وأهميته لحركة السفن بين آسيا وأوروبا. ومن هنا يرتبط الصراع في اليمن بالتنافس الأوسع على أمن الممرات البحرية.
اليمن منقسم بين أطراف متباينة في تحالفاتها؛ فالحوثيون حلفاء لإيران، بينما تحظى الحكومة اليمنية بدعم عربي وغربي. ويجعل هذا الانقسام اليمن ساحة يتقاطع فيها الصراع المحلي مع التنافس الإقليمي والدولي، خصوصًا في ظل موقعه القريب من باب المندب.
ومن المحتمل أن تتجنب الولايات المتحدة التدخل المباشر في بداية المواجهة، ثم تدخل في مرحلة لاحقة إذا رأت أن ميزان القوى يميل إلى الانهيار، لتؤثر في مسار الحرب ونتيجتها. غير أن هذا يبقى احتمالًا تحليليًا، لا نتيجة مؤكدة.
صراعات متشابكة حول البحر الأحمر
لا يقتصر المشهد على اليمن، بل يمتد إلى الدول المطلة على البحر الأحمر والمناطق القريبة منه، ومنها جيبوتي والصومال وإريتريا وإثيوبيا والسودان. وتشهد بعض هذه الدول صراعات داخلية أو تنافسًا على النفوذ والموانئ، فيما تدعم قوى إقليمية ودولية أطرافًا مختلفة.
تجمع جيبوتي بين وجود عسكري دولي واستثمارات صينية في الموانئ والبنية التحتية. وفي السودان، يتواصل الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع، وسط تداخل مواقف قوى خارجية وتنافس على النفوذ والموانئ المطلة على البحر الأحمر.
أما التوترات بين إثيوبيا وإريتريا، فتتصل أيضًا بالتنافس على الوصول إلى البحر والموانئ، ومن بينها ميناء عصب. وهكذا تبدو المنطقة المحيطة بالبحر الأحمر شبكة مترابطة من النزاعات والتحالفات والمصالح الاقتصادية والعسكرية.
الممرات البحرية في قلب التنافس
تتمثل خلاصة هذا المشهد في أن البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس تشكل مفاتيح استراتيجية للتجارة بين الشرق والغرب. ومن هذا المنظور، لا تُقرأ المواجهات في اليمن والسودان والقرن الإفريقي بوصفها أحداثًا منفصلة، بل ضمن صورة أوسع تتداخل فيها مصالح القوى الكبرى والإقليمية.
أما احتمال توسع الحرب أو دخول أطراف جديدة، فيبقى توقعًا غير محسوم. لكن أهمية الممرات البحرية في حسابات الدول واضحة، كما أن أمنها واستقرارها يرتبطان بتوازنات سياسية وعسكرية تتجاوز حدود دولة واحدة.





