11,620 عملية هدم وتدمير لممتلكات الفلسطينيين خلال ثلاث سنوات.. والقدس تواجه سياسة «الهدم الذاتي»

Screenshot 2026 10 12 143229

بينما اضطر فلسطيني في القدس المحتلة إلى هدم منزله بيديه حتى لا يتحمل تكاليف هدمه بواسطة الجرافات الإسرائيلية، كشفت إحصاءات فلسطينية جديدة عن تسجيل 11,620 عملية هدم وتدمير طالت المنازل والممتلكات الفلسطينية في الضفة الغربية، بما فيها القدس، خلال السنوات الثلاث الماضية. وتُظهر البيانات تصاعدًا كبيرًا في عمليات الهدم، وسط قيود إسرائيلية مشددة على البناء الفلسطيني، وتوسع استيطاني يزيد الضغوط على السكان وأراضيهم ومصادر رزقهم.

في حي الأشقرية ببلدة بيت حنينا، شمال القدس المحتلة، اضطر المواطن الفلسطيني فضل الرجبي، يوم السبت 10 أكتوبر/تشرين الأول 2026، إلى هدم منزله بنفسه، تنفيذًا لقرار أصدرته السلطات الإسرائيلية بحجة البناء دون ترخيص.

وكان المنزل، الذي تبلغ مساحته 66 مترًا مربعًا، قد شُيّد عام 2010، ويؤوي سبعة أفراد من عائلة الرجبي، قبل أن يتحول إلى أنقاض بعد نحو ستة عشر عامًا من بنائه.

image 78

ووفقًا لمصادر فلسطينية محلية، لجأ الرجبي إلى تنفيذ عملية الهدم بنفسه لتجنب الغرامات والتكاليف الباهظة التي تفرضها السلطات الإسرائيلية على أصحاب المنازل عندما تتولى طواقم البلدية تنفيذ الهدم.

وتضع هذه الممارسة العائلات الفلسطينية أمام خيارين قاسيين: إما تدمير منازلها بأيديها، وإما تحمل نفقات هدمها بواسطة الجرافات الإسرائيلية، إضافة إلى خسارة المنزل نفسه.

ولم تكن حالة الرجبي الوحيدة في المنطقة؛ إذ هدمت جرافات إسرائيلية، يوم الأحد 11 أكتوبر/تشرين الأول، ثلاثة منازل أخرى تعود لعائلة شوامرة في حي الأشقرية نفسه، بحجة البناء دون ترخيص.

وأفاد مركز معلومات وادي حلوة بأن طواقم البلدية الإسرائيلية اقتحمت الحي برفقة الجرافات، وسط انتشار أمني وإغلاق عدد من الشوارع ومداخل المنطقة، قبل تنفيذ عمليات الهدم.

11,620 عملية هدم وتدمير خلال ثلاث سنوات

image 79

تأتي هذه التطورات بالتزامن مع بيانات أصدرها مركز معلومات فلسطين «مُعطى»، وثّق فيها 11,620 عملية هدم وتدمير استهدفت المنازل والممتلكات الفلسطينية في الضفة الغربية، بما فيها القدس المحتلة، خلال الفترة الممتدة من 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى 7 أكتوبر/تشرين الأول 2026.

وبحسب المركز، توزعت الحالات الموثقة على 2,143 عملية هدم منازل، و9,477 عملية تدمير لممتلكات فلسطينية أخرى.

وتشمل الأضرار التي تتناولها هذه الإحصاءات، إلى جانب المنازل، المنشآت والممتلكات المرتبطة بحياة الفلسطينيين ومصادر رزقهم، بما فيها المنشآت الزراعية والتجارية.

ومن المهم التمييز بين عدد عمليات الهدم والتدمير المسجلة وبين عدد المنازل المهدومة؛ فالرقم الإجمالي البالغ 11,620 لا يعني هدم العدد نفسه من الوحدات السكنية، بل يشمل فئات مختلفة من الممتلكات.

ووفق البيانات، سجلت محافظة طولكرم أعلى حصيلة، بواقع 1,784 عملية، تلتها الخليل بـ1,634 عملية، ثم نابلس بـ1,620 عملية.

وجاءت رام الله بعد ذلك بـ1,470 عملية، فالقدس المحتلة بـ1,299، وجنين بـ1,230.

وفي بقية المحافظات، وثق المركز 626 عملية في بيت لحم، و550 في سلفيت، و546 في طوباس، و461 في قلقيلية، و400 في أريحا.

ويكشف هذا التوزيع الجغرافي أن عمليات الهدم والتدمير لم تقتصر على المناطق القريبة من المستوطنات أو الأحياء المقدسية المهددة، بل امتدت إلى مختلف محافظات الضفة الغربية، بما يعكس اتساع تأثيرها في السكان والممتلكات.

تصاعد عمليات الهدم عامًا بعد آخر

image 80

تُظهر بيانات مركز «مُعطى» ارتفاعًا ملحوظًا في وتيرة عمليات الهدم والتدمير خلال الفترة التي شملها الرصد.

فقد سُجلت 734 عملية خلال الفترة من 7 أكتوبر/تشرين الأول حتى نهاية عام 2023.

وارتفعت الحصيلة إلى 3,322 عملية خلال عام 2024، قبل أن تصل إلى 4,579 عملية في عام 2025، الذي شهد أعلى حصيلة سنوية كاملة ضمن الفترة المشمولة بالتقرير.

أما منذ بداية عام 2026 وحتى 7 أكتوبر/تشرين الأول، فقد سجل المركز 2,985 عملية إضافية.

وتشير هذه الأرقام إلى أن عمليات الهدم والتدمير أصبحت أكثر اتساعًا مقارنة ببداية الفترة التي شملها التقرير، وإن كان اختلاف طول الفترات الزمنية يستدعي الحذر عند المقارنة المباشرة بين حصيلة الأشهر الأخيرة من 2023 والسنوات الكاملة اللاحقة.

ولا تقتصر التداعيات على فقدان المساكن؛ إذ يؤدي تدمير المنشآت الزراعية والتجارية ومرافق الخدمات إلى خسارة مصادر الدخل، وإضعاف قدرة الأسر على البقاء في مناطقها، ورفع تكاليف إعادة البناء أو الانتقال إلى أماكن أخرى.

لماذا يهدم الفلسطينيون منازلهم بأيديهم؟

تُعد عمليات «الهدم الذاتي» من أبرز الممارسات التي يواجهها الفلسطينيون في القدس الشرقية المحتلة.

وتصدر السلطات الإسرائيلية أوامر هدم للمنازل والمنشآت المقامة دون تراخيص بناء إسرائيلية، لكن منظمات حقوقية وأممية تؤكد أن نظام التخطيط والبناء يجعل الحصول على هذه التراخيص بالغ الصعوبة بالنسبة للفلسطينيين.

ففي تقرير نشرته منظمة «هيومن رايتس ووتش» في يونيو/حزيران 2026، أوضحت أن الفلسطينيين في القدس الشرقية والمنطقة «ج» من الضفة الغربية يواجهون قيودًا شديدة على البناء، وأن الحصول على تراخيص إسرائيلية يكاد يكون مستحيلًا في حالات كثيرة.

ونقلت المنظمة شهادات عن عائلات فلسطينية حاولت الحصول على التراخيص، واستعانت بمحامين ومهندسين، لكنها لم تتمكن من استيفاء المتطلبات التي تفرضها السلطات الإسرائيلية.

وفي المقابل، يواصل الفلسطينيون مواجهة الحاجة إلى مساكن جديدة مع نمو أعداد الأسر، ما يدفع بعضهم إلى البناء دون الحصول على التراخيص المطلوبة، ليصبحوا لاحقًا عرضة للغرامات والإجراءات القضائية وأوامر الهدم.

وعندما يصبح تنفيذ القرار وشيكًا، قد تضطر الأسرة إلى هدم المنزل بنفسها تفاديًا لتحمل تكاليف إضافية تفرضها البلدية.

ويختلف الهدم الذاتي عن الهدم المباشر بالجرافات في طريقة التنفيذ، لكنه يؤدي إلى النتيجة نفسها: فقدان المنزل وتشريد سكانه أو إجبارهم على البحث عن بديل سكني.

الأمم المتحدة توثق اتساع الهدم الذاتي في القدس

تؤكد بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» أن الهدم الذاتي يشكل نسبة مهمة من عمليات الهدم في القدس الشرقية.

فبحسب تقرير أممي صدر في مايو/أيار 2026، هدمت السلطات الإسرائيلية أو أُجبر المالكون على هدم 98 منشأة فلسطينية في القدس الشرقية منذ بداية العام وحتى 27 أبريل/نيسان، ما أدى إلى تهجير أكثر من 230 شخصًا، بينهم نحو 100 طفل.

ومن بين هذه المنشآت، كانت 55 منزلًا سكنيًا، بينما نُفذت 53 عملية هدم بواسطة المالكين أنفسهم.

وأشار المكتب إلى أن سلطات التخطيط الإسرائيلية تفرض قيودًا شديدة على البناء الفلسطيني في القدس الشرقية والمنطقة «ج»، وأن عدد النازحين بسبب عمليات الهدم المرتبطة بعدم الحصول على التراخيص شهد ارتفاعًا ملحوظًا.

وفي تقرير آخر صدر في أغسطس/آب 2026، أوضح المكتب أن نحو 170 منشأة فلسطينية كانت قد هُدمت في القدس الشرقية منذ بداية العام بسبب عدم وجود تراخيص بناء إسرائيلية، إضافة إلى نحو 700 منشأة في المنطقة «ج».

وتعزز هذه المعطيات المخاوف من استمرار فقدان الفلسطينيين منازلهم ومرافقهم الأساسية، مع محدودية خياراتهم القانونية والمالية لتجنب الهدم.

الهدم والتهجير في ظل التوسع الاستيطاني

لا تنفصل عمليات الهدم عن واقع السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولا سيما في القدس الشرقية والمنطقة «ج»، التي تخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة.

فبينما تستمر إقامة المستوطنات وتوسيعها، تواجه التجمعات الفلسطينية قيودًا على التخطيط والبناء واستخدام الأراضي، ما يحد من قدرتها على التوسع الطبيعي وتلبية احتياجات السكان.

وفي القدس تحديدًا، تتداخل عمليات الهدم مع قضايا الإخلاء والاستيلاء على العقارات ونشاط الجمعيات الاستيطانية، خصوصًا في أحياء مثل سلوان.

وقد حذرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» في تقريرها الصادر في يونيو/حزيران 2026 من تصاعد عمليات الهدم والإخلاء في القدس الشرقية، وتأثيرها في الوجود الفلسطيني بالمدينة.

كما تؤكد الأمم المتحدة أن هدم الممتلكات في الأراضي المحتلة يخضع لقيود صارمة بموجب القانون الدولي الإنساني، الذي يحظر على قوة الاحتلال تدمير الممتلكات الخاصة إلا في الحالات التي تقتضيها ضرورة عسكرية حتمية.

وتعتبر الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، وفق القرارات والمواقف القانونية المعتمدة، أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة مخالفة للقانون الدولي.

وفي هذا السياق، لا تقتصر آثار الهدم على فقدان المباني، بل تشمل أيضًا إضعاف الاستقرار السكني والاقتصادي للأسر الفلسطينية، وزيادة احتمالات نزوحها من المناطق التي تعيش فيها.

من خسارة المنزل إلى تهديد استقرار المجتمع

image 81

تمثل حالة فضل الرجبي نموذجًا للتداعيات المباشرة لهذه السياسات على العائلات الفلسطينية.

فمنزل قائم منذ عام 2010، كانت تعيش فيه أسرة من سبعة أفراد، انتهى به الأمر إلى الهدم على يد صاحبه، بعدما أصبح البديل هو تحمل تكاليف هدمه بواسطة السلطات الإسرائيلية.

وفي الوقت نفسه، تكشف الإحصاءات التي وثقها مركز «مُعطى» أن خسارة المساكن والممتلكات تمتد على نطاق واسع في الضفة الغربية، مع تسجيل آلاف العمليات خلال السنوات الثلاث الماضية.

وتزداد خطورة هذه الوقائع عندما تشمل المنشآت التي يعتمد عليها السكان لكسب رزقهم، إذ لا تفقد الأسر مأواها فقط، بل قد تفقد أيضًا وسائل إعالة نفسها وقدرتها على إعادة بناء حياتها.

وهكذا، فإن هدم منزل في بيت حنينا ليس مجرد إجراء إداري متعلق بترخيص بناء، بل جزء من واقع أوسع تتعرض فيه آلاف الممتلكات الفلسطينية للهدم والتدمير، وتواجه فيه الأسر ضغوطًا متزايدة للبقاء في أراضيها ومنازلها.

وبينما تتواصل عمليات الهدم في القدس ومختلف محافظات الضفة الغربية، تطرح الحصيلة البالغة 11,620 عملية خلال ثلاث سنوات سؤالًا بشأن مستقبل الاستقرار السكني والاقتصادي للفلسطينيين، في ظل استمرار القيود الإسرائيلية على البناء والتوسع الاستيطاني في الأراضي المحتلة.

94fcd262 fa7e 4ac4 ac0c 1ef3910b6f19


المصادر والمراجع

  1. Palestine Chronicle، تقرير «فلسطيني يُجبر على هدم منزله في القدس مع تجاوز عمليات هدم وتدمير الممتلكات 11,600»، 11 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
  2. مركز معلومات فلسطين «مُعطى»، إحصاءات الهدم وتدمير الممتلكات في الضفة الغربية، من 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى 7 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
  3. وكالة وطن للأنباء، «جرافات الاحتلال تهدم 3 منازل في بيت حنينا بالقدس»، 11 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
  4. هيومن رايتس ووتش، «القدس الشرقية: إسرائيل تصعّد عمليات هدم المنازل والإخلاء»، 17 يونيو/حزيران 2026.
  5. مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، تقارير الوضع الإنساني في الأرض الفلسطينية المحتلة، 1 مايو/أيار و7 أغسطس/آب 2026.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *